د. أكرم حجازي
بعض الناس يرون في الحمار حيوان ذكي وبعضهم الآخر يرونه غبيا أو جبانا، لكن الفيل بلا شك هو حيوان ذكي مع أنه يستعمل قوته أكثر من ذكائه للحسم فيما يواجهه من أخطار. هذا هو حال الحزبين الأمريكيين اللذان يتنافسان على زعامة العالم كل أربع سنوات. الطريف في هذه الدورة هو ترشح باراك أوباما عن الحزب الديمقراطي لينافس جون ماكين عن الحزب الجمهوري. أما الأهمية فلا تخفى على أحد، وهي باختصار رجل أسود ضد رجل أبيض أو العكس. لا شك أنها مفارقة تاريخية غير مسبوقة. لكن من الذي يقرر فوز هذا المرشح أو ذاك؟ البرامج الانتخابية؟ أم احتياجات أمريكا؟
الثابت أن أغلب حملات الانتخابات الأمريكية أظهرت على الدوام ما يشبه السمات المميزة لكل حزب. فالجمهوريون غالبا ما تروقهم السياسة الخارجة والدفاع، فتراهم يلجؤون عادة إلى حل مشاكل بلادهم عبر الضغوط الفجة من جهة أو عبر الغزو العسكري، لكن الديمقراطيون غالبا ما يصلون إلى الحكم على أكتاف الجمهوريين مستغلين أخطاءهم القاتلة في الاقتصاد. فما من دورة انتخابات وصل فيها الجمهوريون إلى البيت البيض إلا وخلفوا وراءهم كوارث اقتصادية وأوضاع اجتماعية بائسة في الداخل ومشاكل وخصومات في الخارج. والحقيقة أن الجمهوريين يحق لهم ما لا يحق للديمقراطيين، فهم من يحكم أمريكا حقا وحقيقة منذ زمن بعيد، وهم من يصنع استراتيجياتها ويصيغ سياساتها الكبرى فيما يكتفي الديمقراطيون بالتعيش على فضلات خصومهم. وهذه ثنائية عجيبة يتداول الحكم فيها الضعفاء والأقوياء على السواء.
لذا ليس من المتصور أن تتغير الاستراتيجيات الأمريكية بمجيء هذا الحزب أو غياب ذاك. كل ما في الأمر أن التداول يشبه إلى حد بعيد لعب الأدوار بحيث ينفذ كل طرف مهمته واختصاصه مع بقاء السياسات على حالها. فهل من المنطقي المراهنة على مرشح؟
النقطة المثيرة في الحزبين أن الديمقراطيين يركزون على الأمن. فإذا ما وصلوا إلى الحكم تراهم يتشددون في المسألة، ويستنفرون كامل طاقتهم في المؤسسات الأمنية وغالبا ما ينجحون مثلما ينجح الجمهوريون في التحضير للحروب وغزو خصومهم وإشاعة الدمار في مناطق شتى من العالم تاركين للديمقراطيين مهمة تنظيف مخلفات الحروب أمنيا وسياسيا. ويمكن القول أن أشد المعاهدات والقرارات والإجراءات الأمنية اتخذت على الدوام في ظل حكم الديمقراطيين. وعلى سبيل المثال فإن تقرير الوكالات الأمنية الأمريكية الست عشرة القاضي بتبرئة إيران من تهمة السعي لامتلاك أسلحة نووية كان مجرد مواجهة واحدة من تصفية الحساب مقدما (عبر وكالة الأمن القومي الأمريكية CIA ) لمنع الجمهوريين من شن المزيد من حروب قد يرثها الديمقراطيون لاحقا إنْ هم فازوا بالرئاسة علاوة على ما سيرثونه مرغمين في العراق وأفغانستان. لذا فليس من العجيب القول بأريحية أن الأمن في أمريكا هو صناعة ديمقراطية فيما الحرب صناعة جمهورية بامتياز.
كانت هجمات 11 سبتمبر بالنسبة للجمهوريين الفرصة الذهبية لتحطيم رأس الديمقراطيين بمعاولهم، فلم يجرؤ أحد في أمريكا على مخالفة الجمهوريين في قضية الأمن التي يهيمن عليها الديمقراطيون عادة. فالقضايا الكبرى لا يستطيع أحد أن يساوم عليها أو يضعها في سياق التنافس كأمن الولايات المتحدة وهي القضية الوحيدة الظاهرة من بين القضايا الكبرى غير القابلة حتى للظهور الإعلامي. وعليه فإنْ كان لأي من المرشحين الحق في أن يستغل الظروف السياسية للطعن في الآخر، وأن يكون له مطلق الحرية في تشويه الخصم مستعملا القضايا الساخنة والباردة على السواء، إلا أن القضايا الإستراتيجية الكبرى ليست مرشحة للفصل في أية انتخابات أمريكية على الإطلاق. والسؤال الآن: من الذي يقرر فوز هذا الحزب أو ذاك؟
في مطلع ثمانينات القرن الماضي شهدت الولايات المتحدة تأسيس منظمة دينية بروتستانتية بلغ عدد أعضاؤها في ذلك الحين قرابة الستة ملايين منتسب، وكان أهم شروط العضوية فيها التكفل بحماية إسرائيل ومناصرة الصهيونية ودعمهما، وحتى مطالع القرن الحالي وصل عدد منتسبي المنظمة أكثر من 20 مليونا ظهر مؤخرا لهم شريط بثته قناة الجزيرة على ما أظن بعنوان"أطفال يسوع". هذه المنظمة يدعمها الديمقراطيون والجمهوريون على السواء، مع أن للجمهوريين حصة الأسد في توجهاتها وخططها.
بطبيعة الحال قد يتبادر إلى الذهن أن الجمهوريين أخطر من الديمقراطيين بالنظر إلى العلاقة الحميمة بين هذه المنظمة والحزب الجمهوري وهذا غير صحيح، فلا بوش ولا ريغان من قبله فاز بأصوات اليهود، لكن عقلية اليهود من دهائها اللعين أنها ترفع العصا بوجه المرشح الأوفر حظا كي يقدم لها المزيد من التنازلات ويطلب استرضائها فيما القريب منها بمنزلة العميل المأمون. لكن المسألة أبعد من مجرد التفكير بنفوذ يهودي مميز في أمريكا، ففي أعقاب غزو العراق سئل وزير الخارجية الأمريكي كولن باول عن هوية بلاده، فقال: أمريكا هي دولة مسيحية يهودية. أو هكذا، ولا أدري هل هي سقطة استراتيجية؟ أم إيحاء مقصود؟ لكن هذه هي الحقيقة التي تكشف عن شراكة مصيرية تجعل من الحاجة إلى بقاء أمريكا قوية مصلحة يهودية بامتياز.
مع ذلك فمن المفارقات الخفية في الانتخابات الأمريكية ليست أصوات اليهود بحد ذاتها، فهي لا تقدم ولا تؤخر كثيرا، إن كانت هي المعيار، ولا في المنظومة العقدية التي تحكم الولايات المتحدة، بل والأهم على الإطلاق في قدرة اليهود على جلب الرئيس الذي تحتاجه أمريكا في مرحلة معينة من الزمن بغض النظر عما تنتظره اليهودية العالمية وإسرائيل مباشرة من الرئيس القادم.
فالرئيس الأسبق بيل كلينتون ما كان له أن يحظى بدعم اليهود إلا لأنهم بحاجة إلى تنشيط الاقتصاد الأمريكي وبقاء أمريكا قوية بوجه الأوروبيين وخشية على مصالحهم وثرواتهم. ذلك أن أمريكا ضعيفة يعني أن إسرائيل واليهودية العالمية ستكون ضعيفة وربما تغدوان بين لحظة وأخرى فريسة، وهذا يعني أنه لما تكون هناك حاجة للديمقراطيين في الحكم فيجب أن يكونوا فيه، ولما تكون هناك حاجة للجمهوريين فيجب أن ينجحوا رغم أنف أمريكا ورغم أنف الشعب الأمريكي ورغم أنف المغفلين ورغم أنف العالم وحتى رغم أنف اليهود أنفسهم. هذه هي المعادلة التي تحكم الولايات المتحدة وعملية الانتخابات الرئاسية فيها. وهذا يعني أن ما يجري من حملات إعلامية ترافق الانتخابات التمهيدية ليست سوى عملية خداع عريقة وزوابع مألوفة على النمط الأمريكي، لكن في فناجين مكسورة.
فمَن مِنَ المراقبين لم يلاحظ أن اليهود أسقطوا آل غور في دورة الانتخابات الثانية ضد بوش الابن وهو الذي عين نائبا يهوديا له لأول مرة في تاريخ أمريكا، وكان من الممكن أن يتهيأ هذا النائب لحكم الولايات المتحدة بعد بضعة سنوات؟
اليوم تبدو أمريكا في أضعف حالاتها سياسيا وعسكريا واقتصاديا، وكذلك يبدو العالم ضعيفا وهو يتجه نحو المجهول بسبب طغيان الرأسمال وفحشه وما خلفته احتكارات الجمهوريين من مآزق للأمريكيين أولا ولغيرهم ثانية. وقد يشي هذا القول بأن الديمقراطيين قادمون للحكم وهو احتمال قائم، لكن بقاء الجمهوريين ليس بمعجزة. أما أيهما أفضل للمسلمين؟ فلا أظن أن المساءلة مجدية ناهيك عن أن تكون شرعية، لأن أدوات الديمقراطيين على المستوى الأمني لا تقل ضراوة عن أدوات الجمهوريين على المستوى العسكري. أما بقاء الجمهوريين لأربع سنوات قادمة في الحكم فلن يسمح لهم بمغامرات عسكرية فيما الوضع الاقتصادي العالمي يتدهور، وليس من المستبعد أن يلجؤوا إلى صياغة تحالفات جديدة مع الخصوم كإيران خاصة وأن تقرير المخابرات الأمريكية، في قراءة أخرى، ربما يكون قد مهد الطريق إلى ذلك.
وعلى فرض فاز الديمقراطيون في الانتخابات فبالتأكيد سيتعاملون مع الوضع كورثة وتركة ثقيلة، وسيكون أمامهم ثلاث خيارات (1) إما البقاء في العراق لأمد طويل وهو ما كشفت عنه صحيفة الاندبندت البريطانية مؤخرا، و (2) إما الانسحاب من العراق إلى الجوار الإقليمي فقط مع استمرار الضغط العسكري و (3) إما الانسحاب النهائي عبر ارتكاب أفظع المجازر وتدمير العراق وتفجير الحروب الأهلية بحيث يشغلون الناس ببعضهم لسنوات عديدة وربما لعقود، وهو احتمال ضعيف (4) أو تسليم العراق لإيران كما يطالب بعضهم.
لكن الأهم أن الإعلام قدم أوباما كما لو أنه الرئيس القادم لبلد لم تعد في جعبته الكثير من القيم الليبرالية بقدر ما تجتاحه أشد القيم الرأسمالية وحشية في هذا الوقت من الزمن. لذا فالأرجح أن أمريكا، كالعادة، ستختار أمريكا حتى لو اقتضت الضرورة ترشيح أسود أو فوزه.
نشرت بتاريخ 04 - 03 - 2009