فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 167

د. أكرم حجازي

بادئ ذي بدء من الضروري الإيضاح أن المقالة تركز على أطروحتين، الأولى: تلك التي حملت الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين مسؤولية ثلاث حروب دامية أسفرت عن مليونين من الضحايا أو يزيد بدء من الحرب العراقية الإيرانية وانتهاء بالحرب العدوانية الحالية. والثانية: تركز على أولئك الذين روجوا لها والدور الذي يلعبونه على مستوى حاضر الأمة العربية ومستقبلها. أما المقالة بكليتها فتندرج، جزئيا، في إطار إعادة توصيف الوقائع من جهة ومراجعة الذات من جهة أخرى بعد الهزيمة المنكرة في العراق.

لو نبدأ بتوصيف النظام السياسي في العراق فلن نخلص إلا باستنتاج للتعرف على نظام لم يعد يخفي على أحد من حيث بنيته الحزبية والسياسية والأخلاقية القمعية تاريخيا، وهي بنية تماثل ما هو كائن في الدول العربية ذات الحزب الواحد أو المتعددة الأحزاب وحتى الخالية من أي تواجد حزبي. فالنظام السياسي العربي بمختلف تلاوينه وتشكيلاته، وإن كان متفاوتا بدرجة دمويته، هو نظام، في محصلاته، عاجز تاريخيا وفاسد ولا أمل به لا على المستوى المحلي ولا على المستوى القومي فضلا عن انعدام وزنه على المستوى الدولي وحتى الإقليمي. ومن يرى غير ذلك فليحدثنا عن إنجازات هذه الأنظمة سياسيا أو اقتصاديا أو اجتماعيا أو علميا ... الخ

والسؤال هو: إذا كان هذا هو الحال فلماذا وصف النظام في العراق دون غيره كما لو أنه الفاسد الوحيد أو القاتل الوحيد أو الدموي الوحيد أو الوحشي الوحيد أو الديكتاتوري الوحيد ... إلى آخر القائمة؟ وهل من بين الآخرين أبرياء من دم هذه الأمة واضطهادها وهوانها؟ هل بدد صدام حسين وحده طاقة الشعب العراقي ومن ورائه الأمة العربية؟ وهل حافظ الآخرون على طاقات شعوبهم قبل أن يتحدثوا عن طاقات الأمة؟ وهل دافعوا عن الأمة العربية؟ وقادوها نحو التقدم والوحدة والتنمية؟ وحرروا الأراضي العربية المحتلة؟ وهل العلم في بلادنا العربية يحتل القيمة الأعلى في السلم الاجتماعي؟ وهل الإنسان العربي هو فعلا أغلى ما نملكه؟ ما الذي حصل منذ انتصاب الدولة القطرية في وطننا العربي غير الإذلال والهوان؟ ومن مِن أفراد الشعب العربي استطاع أن يسند ظهره لأية دولة عربية في مواجهة طغيان تركيا، مثلا، عندما تهدد بتحديد تدفق مياه نهري دجلة والفرات؟ أو حتى إريتريا الضعيفة التي لم تكد تحصل على استقلالها عندما تحتل! جزر حنيش اليمنية وتهاجم! سيدتها الاستعمارية أثيوبيا وتهدد السودان بل وتلعب دور إسرائيل الثانية في وطننا العربي؟ ومن منا يستنجد بدولته فيما لو تعرض لظلم أو عنصرية في أوروبا أو أمريكا أو أستراليا؟ وعندما تكون دولنا بهذا الهوان والضعف منفردة ومجتمعة فبمن نحتمي؟ وأية هيبة بقيت لنا إلا الاستنجاد بهيبة الكويت صاحبة الصولجان الأمريكي؟

مليون سؤال وسؤال يطرح إذا فتحت المحاسبات ودفاتر الأنظمة، وليجرؤ أحدهم على التنحي أو يتحول إلى قديس في عصر الوحوش ويلتزم بحقوق شعبه وطريق حريته بدون صواريخ أمريكا وحماية الغرب ورضا إسرائيل. مليون سؤال يطرح على هذه الأنظمة ونحن نعرف أنهم عاجزون عن الإجابة ونحن الشعوب، ويا للمفارقة، أعجز منهم عن محاسبتهم.

لنلق نظرة تأريخية على الماضي القريب لنرى إن كان صدام حسين هو المسؤول عما جرى للعراق والأمة العربية وحده أم أن هناك شركاء في المسؤولية؟ فقد ظل العراق يدور في الفلك الأمريكي حتى انتهاء الحرب العراقية الإيرانية 1988. ولم يكن صدام حسين إلا رجل أمريكا الأول في المنطقة بعد الثورة الإيرانية. ولأن هذه الثورة كانت مفاجئة وناجحة ومرعبة لكل دول المنطقة وفي مقدمتها إسرائيل وتهدد علنا بتصدير الثورة إلى الدول العربية والإسلامية بدء بدول الخليج العربي فلم تجد أمريكا والغرب مفرا من إشغالها وإضعافها والتضييق عليها إلا بالبحث عن وكيل قادر على مواجهة إيران كدولة عظمى في المنطقة فكان العراق هو المعني أولا وآخرًا بشن حرب على إيران، واشتعلت الحرب الدموية بين الطرفين بتوريط العراق ومباركة ودعم من الأمم المتحدة وأمريكا والغرب ودول الخليج ومصر والأردن واليمن حتى أنه لم يبق إلا بضعة دول في العالم وقفت على الحياد أو إلى جانب إيران.

خلال الحرب نشطت حرب الجواسيس وسماسرة السلاح وتحمس البعض لدخول حلبة الصراع وصرح الرئيس المصري السادات آنذاك بأن الإمام الخميني أكثر مخلوق يكرهه على وجه الأرض في الوقت الذي كان رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن من أعز المخلوقات على قلب الرَّيس، أما ميناء العقبة الأردني فقد خصص كخط الإمداد الاستراتيجي للعراق يزوده ويدعمه كقاعدة آمنة بما يحتاجه من الأسلحة والعتاد والأغذية تحت بصر وسمع إسرائيل ونشوتها باندلاع الحرب وتحيات جماهير الدعم المالي في الخليج وغرامهم بالمنقذ الفريد ... أما سوق السلاح فانتعشت هي الأخرى بعد أن دمرت القوتين، وشرعت بريطانيا وإيطاليا وألمانيا بتزويد العراق بأحدث الأسلحة من الطلقة حتى طائرات سوبر إيتندر أما فرنسا فعلاوة على أنها أكبر مصدر للسلاح، خلال الحرب، إلى العراق فقد عرضت خدمات سلاحها الجوي للعراق فأجرته طائرات الميراج 2000 وباعته أحدث أنواع ترسانتها الصاروخية الشهيرة باسم إكسوزيت بشرط أن يستخدمها في الحرب على الفور لا أن يخزنها. في ذلك الوقت كان العراق يدافع عن العالم وخاصة دول الجوار من تفشي خطر الأصولية. كان بطلا أمميا وقوميا بامتياز. وضحاياه من العراقيين كانوا شهداء، وكثر الغزل والشعر والمدح للعراق كما في القرون الخوالي عند العرب.

كل هذا لا يتذكره الآن عرب أميركا وبريطانيا، لا يتذكرون منه إلا تدمير صدام حسين للطاقات العربية ويتناسون أن صدام حسين على الرغم من دمويته المتميزة كان له طموح لم يجاره به أحد من زعماء العرب لما عقد العزم على بناء دولة عصرية واستعادة علماء العرب والعراق من المهاجر ممن اشتهروا فيما بعد بالكفاءات الوطنية إلى العراق في الوقت الذي كان فيه الآخرون يهربون من بلدانهم بحثا عن فرص عمل في أوروبا وأمريكا تشغل شهاداتهم التي لم تجد في موطنها مأوى لها ولو إداريا.

ولا يتذكر عرب أمريكا أن العراق كان واحدا من الدول ذات الدخل المرتفع لأبنائها (12 ألف $) قبل أن يفقروه في التآمر عليه ويبتزوه ويشغلوا عجلة التنمية في بلدانهم على حساب استمرار الحرب ويتحول أصحاب النفط والغاز وأعراب الخليج، فقراء مدينين للبنوك الأمريكية والأوروبية. وأراضيهم مرتعا للقوات الغربية وفي مقدمتها أمريكا هذا إن لم يكن بعضها محتلا بالكامل.

كما لا يتذكر عرب أميركا أن العراق خاض الحرب مع إيران بالنيابة عنهم وبتصفيق منقطع النظير حتي يريحهم من مصيبة تصدير الثورة إلى بلدانهم لئلا يصبح حالهم كحال أباطرة أوروبا التي ارتعدت زمن انتصار الثورة الفرنسية 1789 ولما شكل نابليون وحشا كاسحا يتهدد عروشهم.

أما الذي لا يرغبون في تذكره وينبغي تذكيرهم به فهو القضية الفلسطينية التي استراحوا منها حتى أن بعضهم دعم الحرب بجنون كي لا تهدأ وتمنوا لو أنها لم تتوقف حتى لا يذكرهم أحد بها فيزعج مسامعهم بها. اتهموا صدام حسين بأنه أهلك شعبه في حرب لمدة ثماني سنوات مع إيران وكلهم يعرفون وبالوثائق الدامغة أن العراق طالب بوقف إطلاق النار رسميا وبشكل نهائي صيف العام 1982 لما هزمت قواته في الأراضي الإيرانية واضطر إلى فك الحصار عن مدينة عبدان حتى انسحابه التام من مدينة خور مشهر آخر الأراضي الإيرانية المحتلة من العراق. وظل يطالب بوقف إطلاق النار حتى أيار /مايو 1988 لما وافقت إيران على قرار مجلس الأمن رقم 598.

كل القوى الدولية والإقليمية وطرفي النزاع مسؤولون مسؤولية مباشرة أخلاقية وسياسية ودينية وتاريخية عن اندلاع الحرب واستمرارها بما في ذلك إيران وعلى أعلى مستوى وليرحم الله الإمام الخميني عندما سئل عن موافقة إيران على القرار الدولي أجاب:"إن الموافقة على قرار وقف الحرب أصعب من تجرع السم"! فلماذا يتجاهلون الحقائق والوثائق لو كان بهم ذرة من ضمير؟

بعد الحرب تحول العراق إلى قوة عظمى في المنطقة ينبغي تحطيمها حتى لا تتوجه لتخريب التوازن القائم. وشرع يلملم أوضاعه الداخلية ويرتب علاقاته الدولية والإقليمية. بدأ بالكويت العزيزة فما هي المشكلة؟ المشكلة أن حقل الرميلة النفطي العراقي يقع على الحدود مع الكويت وفيه ثلاثون بئرا نفطية ظلت الحكومة الكويتية تشغله طوال سنوات الحرب. حسنا. الآن جاء وقت الحساب؛ فالكمية التي وقع استخراجها وبيعها مطروحا منها خدمات تشغيل الحقل تبقي للعراق حقوقا مالية تقدر بـ10 مليارات $ ينبغي أن تعيدها الحكومة الكويتية لأصحابها بعد أن وضعت الحرب أوزارها خاصة أن العراق الخارج من حرب دامية بحاجة لها لإعادة الإعمار وتسديد ديونه إلا أن الكويت رفضت إعادة مستحقات العراق.

في الأثناء كانت أمريكا قد أرسلت إلى المنطقة السفيرة إيلان غلاسبي وهي بدرجة سفير فوق العادة مما يعني ديبلوماسيا أن الولايات المتحدة في المنطقة في حالة استنفار كامل وخطير. هذه السفيرة زارت كل الدول العربية واجتمعت بقادتها الواحد تلو الآخر بلا استثناء ومن بينهم القيادة العراقية التي اشتكت من الصلف الكويتي إزاء الحقوق العراقية في حقل الرميلة فنصبت السفيرة بخبث ولؤم مبيتين للعدوان على العراق لاحقا فخا سياسيا كان كارثة على المنطقة لأن أحدا من العرب ناهيك عن العراق لم يفهم اللغز؛ إذ اعتبرت السفيرة الأمريكية أن موضوع حقل الرميلة والقضايا الأخرى المعلقة هي قضايا ثنائية بما يوحي للعراق أن مشاكلكم مع الكويت لا علاقة لأميركا بها؟

لم ينفذ صبر العراقيين من التفاهم مع الكويتيين وتوسطت السعودية لعقد مباحثات رسمية بين الجانبين في مدينة جدة، وعين العراق طه ياسين رمضان رئيسا للوفد العراقي وسعد العبدالله رئيسا للوفد الكويتي، ولما عقد الاجتماع بين الجانبين فشل لأن العراقيين لم يذهبوا للتفاوض مطمئنين إلى ردود الفعل الدولية لا سيما الأمريكية أما الكويتيين فمطمئنين أيضا إلى نفس القوى الدولية. وفي هذا السياق، وقبل يومين من موعد الاجتماع، بعث سعد العبدالله بمذكرة إلى أمير الكويت جابر الأحمد يعلمه فيها أنه تحدد موعد ومكان المباحثات في جدة ويطلب منه تعليمات فرد الشيخ جابر ببضعة كلمات بخط يده وتوقيعه:"التمسك بما اتفق عليه ولدينا دعم أصدقائنا أميركا وبريطانيا وفرنسا"!

بطبيعة الحال كلا الطرفين أصم أذنيه وكلاهما مسلح بحماية الولايات المتحدة الأمريكية التي، إن أحسنا النوايا، نصبت فخا ليقع كلاهما والعرب فيه. وما أن دخلت القوات العراقية الكويت حتى فرغت البلاد من قيادتها وكادت أن تفرغ من أهلها وغدت الإدانات للتدخل العراقي تنهال على العراق من كل حدب وصوب. فما الذي حدث غداة التدخل العراقي؟

فجأة ودون مقدمات طالبت الدول الغربية بانسحاب العراق تلاها تصريحات نارية عن وجوب نزع سلاحه وصوِّر صدام حسين كما لو أنه هتلر العصر الذي ذبح 45 مليون أوروبي. أما الموقف العربي فانقسم على نفسه بعضه طبل للحرب ورقص فرحا لها والبعض الآخر حاول حل المسألة سلميا. كل هذا يحدث وحشد القوات الدولية في الخليج جار على قدم وساق وكأن القيامة قامت انتصارا وكرامة للزهرة المنكوبة! تزعم الرئيس المصري حملة الإدانة العربية ضد العراق وكان الطرف المعارض للإدانة يرى فيها غطاء من الجامعة العربية لأمريكا كيما يسهل عليها شن عدوان مدمر على الأمة العربية بغطاء دولي عبر قرار يصدره مجلس الأمن. وهذا ما حصل علما أن قرار الإدانة الذي اتخذ بأغلبية 11 صوتا والصادر عن الجامعة العربية كان مخالفا لمواثيقها قاطبة على غير العادة من القرارات السابقة فضلا عن أن صيغة اتخاذ القرار في الجامعة على أي مستوى، فيما خلا القضايا الإجرائية، يتخذ بالإجماع عادة.

والحقيقة أن النية المصرية والخليجية وأطراف النزاع الدولي باتت معقودة على الإدانة قبل انعقاد مؤتمر القمة العربي الأمر الذي أجج المشاعر والانقسامات مما حدا بالعراق المتجه قبل القمة إلى الانسحاب فعليا من الكويت إلى التعنت ورفض الانسحاب.

ثانية يقع العرب والعراق ليس في فخ المؤامرات الدولية بل في فخ المصالح من جهة لمن راهنوا على الحرب ضد العراق وفي فخ الحماقة التي ارتكبها العراق بالرغم من معرفته بأن الموقف لم يعد في صالحه. نقول هذا ونحن نجزم أن نسبة إفلات العراق من الحرب الثانية لم تزد عن نسبة إفلاته من الحرب الأخيرة.

وأخذ الوقت ينفذ وتنقلب الحقائق بإجرام صدام حسين ووحشيته وعدوانه على إيران وجاهر خافيير بيريز ديكويار الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك وفي آخر يوم من ولايته باتهام العراق بغزو إيران! إلى أن وجه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب إنذارا إلى العراق بالانسحاب من الكويت حتى منتصف ليلة 16/ 1/1991 وإلا فالحرب واقعة لا محالة.

ولكن، وإنصافا للتاريخ والحق، خرج الملك فهد في مبادرة على التلفزيون قبل مدة وجيزة جدا من اندلاع الحرب في محاولة لإبعادها، وهو الذي استقدم القوات الأمريكية والبريطانية، يدعو فيها الكويتيين دون تسميتهم بالتنازل لأشقائهم العراقيين عن جزيرتي وربة وبوبيان المتنازع عليهما لحاجة العراق لهما للكويت حاجة بهما إلا أن عاصفة من ردود الفعل ضربت واشنطن من رأسها حتى أخمص قدميها احتجاجا على المبادرة لدرجة أنهم وصفوا الملك فهد الذي اضطر للتراجع عن المبادرة بالجنون.

كانت الحرب الثانية واقعة لا محالة ولكن لماذا تقع بدعم عربي وإصرار من الرئيس المصري الذي انتفض أمام إحدى شبكات التلفزة الغربية محتجا على تأخر القوات الأمريكية، حسب رأيه، في مهاجمة العراق:"ما تضرب .. بتعمل إيه لحد دي الوقت .. دي الفرقة 82 المحمولة جوا ما تخرجش من أرضها إلا إزا كانت حتضرب .. الله! بتعمل إيه لغاية دي الوقت؟".

كل هذا ويحملون صدام حسين وحده مسؤولية الحرب الثانية وهذه الحرب العدوانية الظالمة التي رفضها العالم أجمع والتي لم تتمتع بأية شرعية أخلاقية أو قانونية أو إنسانية حتى من نفس أولئك الذين درجوا على تشريع الحروب ضد الشعوب وكأن الرجل باتت وظيفته كبش فداء عن الجميع، فلماذا لا يكونوا هم شركاء في المسؤولية؟ أم أنهم الأبرار الذين برئت أياديهم وألسنتهم من الشوائن؟

وبعد؛ هل هو الهوان في أعمق صوره؟ أم هو التآمر على البقرات السمان؟ أم هو آخر العلو والاستكبار لحضارة وحشية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية على قدر ما يبوح لنا به المؤرخون؟

إنه العجز والهوان والدهرية الخالية من أية مرجعية قيمية توجه علاقاتنا ومواقفنا وسلوكاتنا وهو الحقد الأسود وعمى البصر والبصيرة وواحدة منها تكفي لأن تذهب بأمة من الأمم إلى حضيض الإنسانية. فلا يزعمن أحد أنه يدافع عن مصالح بلاده أو حياضه أو ملكه، ولا يزعمن أحد أن الإطاحة بصدام أزال المشكلة أو جنب الشعب العراقي مصائبه، ولا يزعمن أحد أنه بمنجى من الكارثة، ولا يزعمن أحد في هذا الوقت براءته من أحفاد العلاقمة الذين سلموا بغداد لهولاكو وجيوشه.

إن المرارة التي يشعر بها ذوي الضمائر من غير العرب والصحفيين الغربيين الذين ساءلوا زملاءهم العرب عن الموقف العربي ونوم الشارع العربي قبل الحرب انعكست خزيا وعارا يصعب تداركه علينا وعليهم، فبعض الإعلاميين العرب والمراسلين في أوروبا والولايات المتحدة والأمم المتحدة جاهروا على الفضائيات العربية بأنهم لا يجدون جوابا عندما تعرضوا لمثل هذه الأسئلة من زملائهم بل أنهم لاذوا بصاع من الخزي لا يدرون ما الإجابة في حين رأينا عربا آخرين من مؤيدي الحرب لم يتورعوا عن خلع جلودهم من أجسادهم ليعلنوا تأييدهم للحرب وفرحتهم بها وتنعمهم بموسيقى القصف ومشاهد الدمار في بغداد.

في الكويت، إلا من رحم ربي، انتشوا بالحرب على العراق وغضبوا كالغزاة بسبب المقاومة العراقية واستغربوا من المظاهرات والاحتجاجات التي عمت العالم رافضة للحرب والقتل وزعموا أنهم اختاروا للشعب العراقي الحرية بواسطة الآلة الحربية الأمريكية القاتلة التي سبق وأن اختاروها لأنفسهم لما دخلت القوات العراقية بلادهم سنة 1991وكأن العراقيين الذين تمترسوا ببلادهم وعاد الكثير منهم إليها ليكونوا سندا لها في محنتها وكلوا الحكومة الكويتية، التي فرت من بلادها، باستدعاء أمريكا لتحريرهم.

هذه الحكومة ومن لف لفها من مثقفين ومضللين ومتهودين ومتأمركين ما فتئت تظهر من الحقد على العرب وخاصة الفلسطينيين منهم ما لم تظهره أمة على وجه الأرض مهما بلغت حدة عدائها مع أمة أخرى. ولو كان لأمة من الأمم الحق في هذا القدر من الحقد والغيظ وأزيد منهما، بسبب احتلال دام بضعة شهور، لكان من حق الفلسطينيين أن يحقدوا على كل أمة العرب إلى أبد الآبدين وأن يستدعوا كل جيوش الأرض، لو استطاعوا، لما أصابهم من جرائم عربية كما يصيب العراق الآن. بيد أن فلسطين والفلسطينيين إرهابيون لا يستحقون فضل المحررين الجدد في أمريكا وبريطانيا كيما يحرروهم (أسوة بأشقائهم الكويتيين) من هذا الكابوس الذي زرعه صدام حسين في بلدهم وأسماه إسرائيل!

بعد كل هذا أُتي بمن حاول أن يقنعنا أن المشكلة في صدام حسين الذي أغرق المنطقة في الحروب وتسبب في عدم الاستقرار وقتل من شعبه ما قتل وجلب علينا مصائب أمريكا التي كانت نائمة واستفاقت مذعورة على أمنها وأمن العالم والعرب من وحش الغاب الذي سيلتهم الحضارة والكويت زهرة الأمم.

ويتجند لهذه المهمة، ولحسن الحظ، كل المتهمين والمشبوهين والقتلة والمجرمين والمتورطين والمتأمركين والمتصهينين أفرادا ودولا ومؤسسات للإطاحة بـ"هذا الوحش"الذي آن له الأوان لأن يتنحى.

ومثال هؤلاء على الساحة العربية بعض الذين كانوا يساريين أو قوميين ... وعرفنا بعضهم تاريخيا مناضلين وقادة ومفكرين وساسة وإعلاميين وباحثين وفنانين ... إلخ وبعضهم ما زالوا قادة ووزراء ومسؤولين ورسميين في بلدانهم وقد باتوا اليوم من أشد المدافعين عن أمريكا بحجة أنها"قائدة الحضارة الإنسانية المعاصرة"ولأنها"تمتلك التطور في الطب والهندسة والعلوم .. فعلينا إذن أن نحاورها لا أن نعاديها"، وحسب هؤلاء كان علينا أن نذهب هذا المذهب منذ زمن المرحوم السادات"الذي لم نستطع فهم خطواته آنذاك لما زار إسرائيل 1979 ووقع معها اتفاق سلام".

هؤلاء هم أنفسهم الذين يتطاولون على الأمة والعقيدة والتاريخ والتراث والأنبياء والرسل وحتى على كتاب الله والذات الإلهية، وهم أنفسهم الذين يحرصون على علاقات وثيقة مع إسرائيل والصهيونية والولايات المتحدة ويجهدون في الدفاع عن التطبيع وإحباط كل جهد شعبي ومقاومة، وهم أنفسهم الذين لا تعجبهم اللغة العربية التي بات التحدث بها فصاحة ضربا من ضروب التخلف. هذه اللغة التي هي لغة أهل الجنة حيث لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر والتي تتسع لكل موجودات الجنة باتت في عرفهم قاصرة! عن مسايرة العلم والمعرفة وروح العصر، وهم أنفسهم الذين يتاجرون بقضايا المرأة ويسعون إلى تحويلها لمجرد جسد وسلعة.

هؤلاء هم أنفسهم الذين مارسوا القمع والتضليل والعزل والتهميش والإرهاب الفكري على من يخالفهم الرأي تراهم اليوم يحاولون فعل الشيء ذاته مدعومين بلغة الخطاب الرسمي العربي وسمائه وفضائه الجديدين، لذا تفتح لهم أبواب المؤسسات الحكومية قبل الخاصة ويتقلدون المناصب العليا ويمنحون الوظائف والمكافآت والأوسمة ويسرحون ويمرحون في شتى أصقاع الأرض متمتعين بالحصانات والحماية من دولهم ومن الغرب وتؤسَّس لهم ولأمثالهم المنتديات وجماعات السلام وتعقد لهم المؤتمرات والندوات وترخص لهم مراكز الأبحاث ليعبروا عن آرائهم ويبثوا سمومهم باسم حرية الرأي والتعبير التي تحظر على غيرهم.

بعض هؤلاء تولوا قيادة الأمة في سنوات المد القومي واليساري ولم نكن نسمع منهم في المهرجانات الخطابية والاجتماعات والمؤتمرات والمحاضرات إلا تمجيدا للوحدة العربية أو تبشيرا بالثورة الاشتراكية وبعد أن تجذرت الدولة القطرية وانهار الاتحاد السوفيتي فجأة تحولوا على الفور إلى مدافعين صلبين عن الرأسمالية والرجعية والإمبريالية مبشرين بالسلام والأمن والمجتمع المدني والديمقراطية بحجة تغير الظروف والواقعية والعقلانية فلم يفقد هؤلاء بريقهم ومناصبهم ومكاناتهم التي كانوا عليها، فهم قادة وقت الثورات وقادة في عز الهزائم.

ولما كانوا قادة أو في موقع المسؤولية لم يكن لهم من هم إلا التحريض والتعبئة والفصل والعزل هذا وطني وهذا رجعي وهم بهذا يدينون أنفسهم بما يتفوهون به، ذلك أنهم ينفون عن أنفسهم أية واقعية أو عقلانية فيما مضى. واليوم يفعلون الشيء ذاته في خروجهم عن التيار العام. فهل كانت الثورة والتحرير والتقدم والوحدة مفاهيم زائفة؟ أو غير واقعية؟ وهل تحققت آمال الأمة العربية في الوحدة والتحرر؟ وهل من الواقعية والعقلانية التخلي عن أحلام الأمة؟ وهل من الواقعية والعقلانية أن يعظ غير الواقعيين الأمة من حيث فشلوا؟

هؤلاء نجدهم كالخفافيش على غالبية الفضائيات العربية والإذاعات الدولية بلا خجل أو وجل وبلا أدنى طرفة عين بل وملء الفم والعين يدافعون باستماتة عن الأطروحات الأمريكية والصهيونية من على شاشات التلفزيونات وأمام عشرات الملايين من المشاهدين وعديد المتصلين للتعقيب على أقوالهم ولأنه لا حياة لمن تنادي؛ فإن مما أدرك من كلام النبوة أنه إذا لم تستح فاصنع ما شئت.

واقع الأمر أن المسألة لا تتصل بتاتا بوجهة نظر ولا بتحليل للمعلومات أو رصد للأحداث أو تنوع في الآراء أو تشاؤم بقدر ما تتصل بالانتهازية، ذلك أنهم واعون بما يفعلون ويعرفون حق المعرفة ما تقترفه ألسنتهم في حق القضايا الوطنية والدينية والأخلاقية والمصيرية لأمتهم ولا نبالغ إذا قلنا الحضارية. فمهما كان الثمن المدفوع من الأمة ومهما كانت النتائج المترتبة على سلوكهم الذي لا تبرره أية مرجعية فالأمة بعرفهم كلها في الميزان ومصالحهم بميزان آخر مأمون حتى باتوا بلا أية عقيدة أو انتماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت