فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 167

د. أكرم حجازي

قبل بضعة أيام تلقيت مثل غيري من الزملاء الكتاب رسالة رائعة ونبيلة فعلا من الأخوة في الملتقى الفتحاوي تحثني على إنصاف حركة فتح من حملات التشويه الظالمة التي تتعرض لها من هذا وذاك. والحق أنني كنت أدرك منذ زمن أن فتح في ورطة قبل أن يلجأ الملتقى إلى تنظيم حملة إعلامية لنصرتها والاتصال بالكتاب لإنصاف الحركة التي أثقلتها سنون النضال المريرة وهموم شعب مغتصب الحقوق ومشرد في المنافي ومنبوذ بين بني البشر وحكامهم، ومطعون في كرامته حتى لدى أولئك الذين ما زلنا نعتقد أنهم يحبوننا أو يحترموننا كما نسمع في وسائل إعلامهم. ولكن لشدة الهجمات وشراستها على الشعب الفلسطيني كنا نطأطئ الرأس ونقول ثمة أولويات علينا الانصراف لها إلى أن وقعت الطامة الكبرى بتوقيع اتفاقيات أوسلو من قبل عصبة لم تكن في يوم ما موضع احترام أو تقدير من أي كان وليس من الشعب الفلسطيني فحسب.

وإذ أعتذر للقراء الكرام بداية عن الانقطاع عن الكتابة لمدة قاربت على الأسبوعين لظروف قاهرة، فإني وإذ أعود عبر بوابة الملتقى الفتحاوي، إنما لأستفسر من الأخوة عن بعض الأمور في حملة النصرة. فعلى حد علمي أنني لم أكتب مرة واحد ضد حركة فتح كي أطالَب بإنصافها، وعلى العكس من ذلك دافعت عن تيار البناء في الحركة، أي عن تيار الحق بنفس القدر الذي دافعت فيه عن فتح وتاريخها وقادتها ورمزها الشهيد أبو عمار وأبطالها وصمامي أمانها وعن أبناء فتح وعن مناضليها وعن المهمشين فيها وعن المغلوب على أمرهم وعن المهضومة حقوقهم وعن المطعون بنزاهتهم وأمانتهم.

أما عن التيار العارض، تيار التدمير والتخريب، تيار المتزلفين والعملاء وتيار أوسلو والمحقرين لنضال الشعب الفلسطيني وتضحياته وجهاده والمنتفعين والمجرمين والقتلة والبلطجية والمنفلتين من أي خلق أو نضال أو رابطة إنسانية أو دينية أو نضالية أو أخلاقية بل ومن كل عقال فقد كنت وسأظل لهم بالمرصاد مع زملائي في الحقائق الذين لا أعرفهم شخصيا ولم ألتق بواحد منهم أمثال مؤمن بسيسو ونضال حمد ويونس العموري وجميل حامد وعبد الستار قاسم ورشاد أبو شاور وغيرهم الكثير .... لأن كرامة الشعوب والأمم وأخلاقها وعقائدها ومصالحها وحقوقها لا يمكن أن يتسيدها من هو مطعون بأمانته ونزاهته أو من اعتقد منهم أنه بلغ نهاية التاريخ وباتت مقاليد الأمور بيده وليذهب ما عداه إلى الجحيم.

أنا لست من حماس ولا من هذا التنظيم أو ذاك، ولم أدافع عن حركة حماس ضد حركة فتح، ولم أحقر حماس أو فتح، ولم أنحز لهذا الطرف على حساب طرف آخر. فقد كان دفاعا عن الحق والضمير والأخلاق والكرامة الوطنية. فأي فتح التي يطلب مني إنصافها أيها الأخوة الطيبون وقد كنت ممن يدعو إلى إنصافها والدفاع عن بنيها وأحرارها قبل أن يجهزوا عليها ويورثوها فتحا مائعة مدمرة؟ إن كان تيار البناء وإعادة التقييم فأنا على استعداد لأن أكون رهن الإشارة، أما إن كان تيار الهدم وهو ما أستبعده ويستبعده كل شريف وحر وعاقل فأنا خصيمهم إلى أن يثوبوا إلى رشدهم أو يرحلوا. لأنه لم يعد كما قال الزميل رشاد أبو شاور قيادة لفتح يمكن أن نحتكم إليها، ولا مؤسسة ولا استراتيجيا ولا طموح ولا أي برنامج سياسي يذكر يمكن أن ندافع عنه أو حتى نعارضه تحت سقف المؤسسات والتنظيم. وكل ما تمتلكه فتح حاليا هو تنازلات يقدمها التيار التخريبي ليبقى في الواجهة وليحمي مصالحه في قضية غدت حبيسة عصبة ضالة وبات الاستثمار فيها مربحا للغاية.

فهل يعقل أن يتوفى رجل نظيف بلغ التسعين من العمر ورئس في يوما ما اللجنة التنفيذية وتعجز فتح ومنظمة التحرير أو أي جهة فلسطينية عن إصدار مجرد بيان نعي يذكر الأجيال الجديدة الشابة صاحبة الحول والطول بأن يحيى حمود كان أحد أبطال شعبنا؟ وهل يعقل أن يخرج علينا أحد قادة فتح يباهي باستشهاد القائد جمال أبو سمهدانة بوصفه ابن فتح البار الذي دمر الدبابات الأسطورية لجيش الاحتلال ومرغ هيبة مؤسسات التصنيع العسكري في إسرائيل في الطين وخرب صفقات الأسلحة ثم ترفض قوى في فتح تتزعم التخريب والتدمير إياه اعتماد القائد شهيدا فلسطينيا بينما بيانات النعي والتهديد تصدر باسم القتلة من أصحاب فرق الموت وطلائع الموت؟ بل وتعجز كل اللجنة المركزية وقيادة فتح عن الرد بمن فيهم أولئك المصنفون أعضاء نظيفون؟ ولا يستطيعون أن ينبسوا ببنت شفة؟ لأنهم كانوا أسيادا منتفعين وباتو اليوم عاجزين عن لجم فراخهم.

أيعقل أن يخوض الشرفاء من كتائب الأقصى مواجهاتهم مع قوات الاحتلال في المدن الفلسطينية وفي غزة بينما توغِل إسرائيل في الأطفال على وجه الخصوص قتلا وفي الشبان والقادة اغتيالا؟ وفيما يستعد أولمرت لمذابح دموية شرسة في غزة وعلى مرآى ومسمع من أمام العالم أجمع بمن فيهم أشقاءنا الذين لم يستطيعوا إدانة جريمة اغتيال عائلة، بينما يقوم شباب الرينة ممن يجيدون القتل والعبث والتخريب بدون حساب، ونصب الكمائن هنا وهناك وقتل صفوة الشباب وهم في زهرة أعمارهم وإحراق مؤسسات وطنية وتدمير محتوياتها وضرب مصالح الناس في الصميم في سلوك بربري همجي لم يسبقهم إليه أحد إلا اليهود؟ بل وقتل عائلة بكاملها تماما مثلما فعل حبيبهم وربيبهم وداعمهم ومسلحهم السيد أولمرت أفندي؟

أيعقل أن يصمم فخامة الرئيس على إدانة المقاومة ووقف إطلاق الصواريخ ويصدر فتاوى فقهية جديدة بأن العمليات الاستشهادية هي انتحار؟ والمنتحر يدخل جهنم؟ وبعد أن قدمها كعمليات حقيرة ها هي تتحول إلى جرائم ضد الإنسانية؟ سبحان الله لم يعد ينقصنا إلا سماحة مفتي جديد اسمه محمود عباس؟ لماذا نرى في الخطاب الأمريكي والإسرائيلي تهديدا ووعيدا واضحا وضوح الشمس ولا نرى في تصريحات مسؤولينا إلا الميوعة إياها؟ ولماذا نسمع لغة سوقية في مجالس الأنس السياسية من شلل فرق الموت ومؤسسيهم ومسؤوليهم ولا نسمع منهم توضيحا أو تفسيرا؟ كيف لأبناء فتح أن يتقبلوا قيادة سوقية من النوع البذيء اللسان؟ وكيف لهم أن يتقبلوا أن يتحول الناطقون بأسمائهم إلى ناعقين كالغربان وقالبين للحقائق وشهاد زور وتزوير ومزيفين وقرفين؟ فهل مثل هؤلاء يؤتمن على قضية؟

أيعقل أن يحذر البعض في فتح من مشاريع أمريكية تقضي بتحويل الحركة إلى حزب سياسي أسمه حزب المستقبل بناء على توصية أمريكية في وثيقة رسمية، ثم تأتي القائمة الموحدة والتي أسميت بقائمة المستقبل لتخوض على أساسها فتح الانتخابات الأخيرة، وأن تعلن أمريكا رسميا أنها تدعم حملة فتح ماليا! ثم نقول هناك حملة تشويه منظمة تتعرض لها فتح؟ وما دخل حماس فيما يرتكب بحق الشعب الفلسطيني وكرامته وصورته من قبل مجرمي فتح كفرق الموت والدم وزعران الأجهزة الأمنية وبلطجية اللصوص والمنتفعين والمخربين والمشوهين للنضال والتاريخ الفلسطينيين؟ أما آن الأوان لنفهم أن المشكلة فينا؟ وأن السير في هذا المخطط الذي يدعمه تيار التدمير وسادته في الغرب والشرق والجوار سيقذف بالشعب الفلسطيني إلى جحيم الإذلال والانحطاط؟

سألت صديقا لي كان من كبار منظري فتح وممن يؤمنون بها وبمبادئها الأصيلة حتى اليوم: لماذا يتصرف هؤلاء بهذه السوقية ويتحدثون بما يؤذي ليس حركة فتح فقط بل حتى أولئك المناصرين للنضال الفلسطيني؟ لماذا تبدو ألسنتهم قذرة وفجة في العلاقة مع الآخرين؟ ولماذا يكذبون وهم يعلمون ويعلم العالم أجمع أنهم يكذبون؟ ولماذا باتوا لا يطيقون سماع كلمة حق حتى من أشقائهم ورفاق دروبهم الوعرة لما كانوا يناضلون معهم؟ فقال لي: لأنهم لم يتربوا في بيوتهم ولم يعرفوا الأدب ولا الوفاء ولا الأخلاق، وفاقد الشيء لا يعطيه.

ألم يكن من الحكمة والاحترام لجلالة القضية وحرمة الدماء وعظيم التضحيات وألم المعاناة وقهر الليالي والأيام ومرارة الغدر أن يترفع هؤلاء عن ألفاظهم الوضيعة وكذبهم المفضوح؟ أليس من الأولى مقارعة حماس بالحجة والبيان والمنطق بدلا من ركوب موجة اليهود التقليدية ودسائسهم ومؤامراتهم الدنيئة التي ندفع ثمنها منذ عشرات السنين؟ هل وصل بنا الحال إلى تمثل أحط القيم الإنسانية والسلوكات البشرية لتكون لنا منارا نهتدي به، ليحسب علينا العالم في يوم ما أننا شعب وضيع لا يستحق التحرر، وأنه فعلا من باع أرضه؟ وأنه بصدد بيع ما تبقى منها؟ ألا يدرك هؤلاء أية كوارث سيحملونها للأجيال القادمة؟

بل قولوا لنا: بمن تحتمون حتى تتجرؤون على كل المحرمات وترتكبون كل الموبقات؟ ثم تريدون منا أن نسايركم ونصفق لكم ونقول: أحسنتم؟

بالنسبة لي فوالله إني أزعم بأني ممن يعرفون تاريخ فتح وغير فتح، وقد قضيت سنين طويلة في البحث العلمي ونقبت في كل صغيرة وكبيرة في التاريخ الفلسطيني، ولكني أشهد أمام الله والناس أنني لم أجد فترة أشد خطرا ووضاعة وفتكا في الشعب الفلسطيني وتاريخه كما أجدها الآن. وأشهد أمام الله والناس أن إسرائيل ما كانت لتنظف الساحة الفلسطينية عن بكرة أبيها من القادة والمجاهدين وعتاة النضال إلا لتسلمها لأمثال هؤلاء الذين لا يرعون في الله إلا ولا ذمة، وأشهد أمام الله والناس أن تيار أوسلو لم تعد تعنيه من القضية الفلسطينية أية حقوق أو مكاسب للشعب الفلسطيني وأنهم مستعدون للسير بلا هوادة في تدمير ما تبقى من هذا الشعب. وأشهد أمام الله والناس أنهم يعملون على إسقاط حكومة حماس حتى لو كلفهم هذا حرب أهلية. وأشهد أمام الله والناس أنني إذ أدينهم وأعلن براءتي منهم فلست من حماس ولا الجهاد ولا أي فصيل فلسطيني، وأن شهادتي هي دفاع عن الحق في سبيل الحق وفي سبيل الله وليس تزلفا لأحد ولا بمتكسب مما أكتب.

أما الأخوة في الملتقى الفتحاوي فإني أشفق على جهودكم وأتطلع إلى نصرتكم ونصرة كل الأحرار والأخيار ولن أخذلكم أو أخيب ظنكم، وسأنتصر لما تنتصرون، ولن يصح إلا الصحيح.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت