د. أكرم حجازي
كل من يتابع شأن السلفية الجهادية في فلسطين لاحظ بالقطع تدافع الخطابات والكتابات، ولما يزل، الأمر الذي يشعر معه المتابع بحيرة كالتي أشعر بها الآن في أعقاب الخطابات الأخيرة لرموز التيار الجهادي. وأقصد بالتحديد المصادر الستة على التوالي:
• خطاب الشيخ أسامة بن لادن: (السبيل لإحباط المؤامرات - 29/ 12/2007) .
• مقالة أسد الجهاد2 الأولى: (توقيت دخول تنظيم القاعدة إلى فلسطين - 29/ 1/2008) .
• خطاب أبو عمر البغدادي: (الدين النصيحة - 14/ 2/2008) .
• خطاب الشيخ أسامة بن لادن: (السبيل لخلاص فلسطين - 20/ 3/2008) .
• مقالة أسد الجهاد2 الثانية: (تبرؤ قادة الجهاد الراسخين من قادة حماس المذبذبين - 22/ 3/2008) .
• خطاب د. أيمن الظواهري: (هبوا لنصرة أهلنا في غزة - 24/ 3/2008) .
إذن ثمة ثلاثة شهور تقريبا هي إجمالي الفترة الزمنية التي صدرت فيها هذه المصادر وهي مخصصة جميعها لفلسطين مع الإشارة على أن الأول ركز على العراق مشتملا في نفس الوقت على إشارات قوية فيما يخص فلسطين. ولا شك أن الجميع توقف عند الفترة الزمنية المحدودة جدا والتي لم تتجاوز بضعة دقائق خاصة للخطابات الثلاثة الأخيرة (اثنين لبن لادن وواحد للظواهري) فضلا عن تميزها بمواقف حاسمة من القضايا المطروحة فيها، وكأن القاعدة بهذا الأسلوب تبعث برسالة واضحة أن عصر الإسهاب في الشرح والنصح والتوجيه بالنسبة لها قد توقف. فهل تفسر هذه العجلة ما بعضا من الحيرة التي خلفتها الخطابات؟ لنتابع المسألة.
الثابت أن خطاب"السبيل لإحباط المؤامرات"اشتمل على إدانة لقيادة حركة حماس السياسية، لكن الجديد فيه بالنسبة لفلسطين هو تجديد القسم الشهير لبن لادن على نصرة فلسطين وأهلها، ولأن الكثير من الخصوم والأنصار عابوا على القاعدة (أو تساءلوا عن) سبب غيابها عن توجيه بعض نشاطها إلى فلسطين أشار بن لادن في خطابه إلى انشغال القاعدة بمصاولة الأمريكيين وحلفائهم في أفغانستان والعراق، ولعل هذه الفقرة كانت كافية لتهدئة الخواطر:"إنني أطمئن أهلنا في فلسطين خاصة بأننا سنوسع جهادنا بإذن الله ولن نعترف بحدود سايكس بيكو ولا بالحكام الذين وضعوا الاستعمار". وبعد شهر واحد بالضبط ظهرت مقالة أسد الجهاد الأولى حاملة حزمة من التعليمات والتوجيهات والمطالب التي تمنى على الفلسطينيين أن"يسترشدوا بها"تحضيرا لاستقبال"المهاجرين من المجاهدين"، وحظيت المقالة بترحيب وتفاعل كبيرين على مستوى الفلسطينيين والأنصار خاصة وأنها جاءت كمن يزف لهم البشرى. وفي خضم حرارة المقالة، وبعد أسبوعين بالضبط، ظهر الخطاب الشديد للبغدادي وهو يندد بقيادة حماس السياسية ويدعو:"المخلصين من كتائب القسام"إلى الاستقلال عن حركة حماس.
هذه المصادر الثلاثة تمثل المرحلة الثانية من توجهات السلفية الجهادية نحو فلسطين بعد انتهاء المرحلة الأولى التي تميزت بخطابات النصح والعتاب والغضب دون أن يتمخض عنها أية نتائج فيما يتعلق بتوجهات حماس السياسية. وإذا حاولنا تلخيص أبرز ما ورد في خطابات المرحلة الثانية يمكن القول:
• الالتزام بالقضية الفلسطينية؛
• الإعلان عن نية القاعدة بتوسيع جهادها؛
• الشروع بحملات إرشادية للفلسطينيين توطئة لدخول القاعدة؛
• بدء المواجهة مع إسرائيل.
ومن الواضح أن فلسطين كانت محور المرحلتين الأولى (النصح والعتاب) والثانية (الإرشاد والتوجيه) ، أما المرحلة الثالثة (اللحاق بساحات الجهاد) فيمكن ملاحظتها في المصادر الثلاثة الأخيرة وهي تقطع كل أمل بالنظام السياسي العربي الذي أعلن فعليا انتهاء حالة الحرب مع إسرائيل ابتداء من موافقته على المبادرة العربية للسلام في قمة بيروت مرورا بالتغطية على العدوان الإسرائيلي على لبنان صيف العام 2006 وانتهاء بمؤتمر أنابوليس أواخر العام 2007 والعدوان الواقع على غزة فضلا عن تصريحات الأمير تركي الفيصل عن سعي العرب لدمج إسرائيل بالجغرافية العربية بالإضافة إلى التصريحات الفلسطينية الرسمية وهي تتبرأ من كل ما له علاقة بالمقاومة والصراع مع إسرائيل. لذا فهو حين يدعو على غسل الأيدي من المراهنة على النظام السياسي العربي نراه يدعو"الأمة المسلمة"، في ذات الوقت، إلى التخلص من:"قيود علماء السلاطين, وكذا من قيود قادة الجماعات الإسلامية التي أصبح من منهجها الاعتراف بالحاكم ... أو تلك الجماعات الأخرى التي تضخم عندها الحذر حتى وصل إلى درجة الخوف المُقعد عن القيام بالجهاد".
هذه هي الخلفية السياسية التي ظهر فيها خطاب بن لادن:"السبيل لخلاص فلسطين". وهو خطاب يتحدث عن القتال"لا يفل الحديد إلا الحديد". لكن أطرف ما فيه على الإطلاق هو الآلية التي يتحدث عنها لنصرة فلسطين، ففي المرحلة الثانية كان التركيز على فلسطين والاستعداد لانطلاقة يجري التحضير لها من الداخل، بينما في المرحلة الثالثة فالمسألة جد معقدة وتبعث على الحيرة! فهو يتحدث بصريح العبارة عن العراق:"أقرب ميادين الجهاد اليوم لنصرة أهلنا في فلسطين"، ويطالب:"أهلِ الشامِ كل الشام أهل الأرض المباركة أن ... يقوموا بما يجب عليهم من نصرةٍ لإخوانهم المجاهدين في العراق"، بل ويذهب أبعد من ذلك وهو يطالب الفلسطينيين الذين هاجروا من فلسطين في أعقاب اغتصاب فلسطين ممن يعيش أغلبهم في دول الجوار:"والذين حيل بينهم وبين الجهاد على ربى القدس ... أن يسارعوا بأخذ مواقعهم في صفوف المجاهدين في أرضِ الرافدين".
لعل بن لادن يبدو منسجما في خطاباته خاصة وأنه لم يعلن في خطابه السابق عن توسيع جهاد القاعدة باتجاه فلسطين حصرا بخلاف ما تمناه الأنصار. فالنصرة يمكن أن تكون عبر العراق ويمكن أن تكون بأيد فلسطينية، وبدلا من القعود خاصة لأولئك الفلسطينيين الذين لا يجدون سبيلا إلى الجهاد في فلسطين يمكن لهم أن يتجهوا نحو العراق، ولا شك أن الظواهري كذلك، ففي خطابه رفضا صريحا لأطروحات تقليدية:"لا مكان اليوم لمن يقول إننا يجب أن نقاتل اليهود في فلسطين فقط"، لكنها مثيرة وهو يحرض على استهداف اليهود خارج فلسطين بما ينسجم مع أطروحات بن لادن في:"توسيع الجهاد"ليشمل:"كل أرض الشام"خاصة وأن الخطة:"أحكمت حول غزة، ... وقوات حرس الحدود والأمن المصرية ... ، تمنع المدد عنهم، وتضيق عليهم في أقواتهم وعلاجهم، وتمنع النفير إليهم، وتحول دون إخلاء جرحاهم، وإيواء عائلاتهم، وتحْكم الحصار من الجنوب والغرب ...". والأهم في خطاب الظواهري أنه يدعو المسلمين إلى تبني معادلة قوامها:"لنضرب مصالحهم في كل مكانٍ، كما تجمعوا علينا من كل مكانٍ". فما هي الحصيلة التي بين أيدينا؟
الحصيلة أن مقالات أسد الجهاد لا زالت تتوجه نحو فلسطين والفلسطينيين بخلاف توجهات قادة القاعدة، فهل ما يجري تقاسم أدوار في التحريض؟ أم أن مقالات أسد الجهاد اجتهادات شخصية لا علاقة للقاعدة بها؟
في خطاب البغدادي وردت إشارتين مهمتين في السياق إحداهما تتحدث عن استعداد دولة العراق الإسلامية لاستقبال الفلسطينيين وتدريبهم وتقديم الدعم لهم:"إنَّنا مستعدّون لتدريب كوادركم, بدءً من العبوات وانتهاءً بتصنيع الصواريخ"، وهي إشارة يمكن فهمها في دعوة بن لادن فلسطينيي المهاجر للتوجه إلى العراق، والإشارة الثانية عن إخراج القوات الأمريكية والصحوات العشائرية للمجاهدين من الأنبار كونها الأقرب إلى فلسطين خاصة وأن بعض الصواريخ يمكن لها أن تطاولها وبالتالي فإخراج المجاهدين منها كان هدفا استراتيجيا لحماية إسرائيل. لكن في مقالة أسد الجهاد الثانية فالحديث يجري عن:"الهجوم الشامل على دولة اليهود"، وعن:"ضربات موجعة بيننا وبين اليهود في داخل فلسطين وخارجها"، وبلهجة الواثق من نفسه يعتبر أن ما ذكره البغدادي عن الأنبار هو:"إشارة وعلامة لموعد الهجوم الشامل على إسرائيل من الداخل والخارج، وذلك سيكون بعد استعادة الأنبار".
لكن لماذا يعطي البغدادي إشارات بهذا المعنى وقد كانت الأنبار بيد المجاهدين قبل أن تسيطر عليها جيوش أبو ريشة؟ وهل تحدثت القاعدة فعلا عن هجوم شامل مرتقب على إسرائيل؟ وهل مثل هذا الأمر، إنْ صح، يجري التعبير عنه عبر وسائل الإعلام بهذه السهولة؟ ثم كيف يمكن للقاعدة أن تتهيأ للدخول إلى فلسطين بينما تدعو فلسطينيي المهاجر إلى الالتحاق بساحة العراق؟ ومهاجمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية خارج فلسطين؟
لولا أن الجبهة الإسلامية العالمية تبنت مقالتي أسد الجهاد لما توقفنا عندهما كثيرا، فلا هوية الرجل معروفة كقادة القاعدة ولا مكانته في التنظيم كذلك، وهذا من شأنه أن يمس مصداقية القاعدة ويشتت الجهد، إذ كيف يمكن أن تكون فلسطين محور الجهد الإعلامي للقاعدة بينما يتلقى الأنصار خطابات متباينة بعضها يدعو إلى الاستعداد في فلسطين وذاك يدعوهم للحشد في العراق وثالث يحرضهم على ضرب المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟ ورابع يبشرهم بقرب الهجوم الشامل على إسرائيل؟ لا شك أنها مفارقات عجيبة، لكن ماذا إن كان أسد الجهاد ظلا لأحد كبار القادة أو، على الأقل، مطلعا على خفايا الأمور؟ ألا يؤشر هذا الأمر على أن المعادلة الراهنة في فهم خطابات القاعدة باتت مغلفة بالكثير من التعمية بحيث يصعب ملاحقة جواهرها؟
قبل يومين رصدت مقالة ثالثة للكاتب د. جون بطرس وشّحتها بعض الشبكات الجهادية ببنر برّاق، ولم أجد لها أثرا في وسائل الإعلام، كسابقاتها، يعقب فيها الكاتب على خطاب بن لادن لأوروبا، ورغم أن المقالة اتسمت بالكثير من العاطفة إلا أن ما لفت انتباهي فيها ترجيح الكاتب بأن القاعدة قد أنهت الإعدادات للضربة وإلا ما كانت لتستعمل عبارة:"الجواب ما ترى لا ما تسمع"، وهو تحليل لاقى ترحيبا من الأنصار وتجاوبا واسعا مع المقالة. وإن صحت توقعات الكاتب فالقاعدة ربما تكون فعلا تتوارى خلف ما يبدو تناقضات في سلسلة المصادر السابق ذكرها وهي المرة الأولى التي نلاحظها بهذا الحدة، أما إن أخطأت فالأرجح أن تطرفا في فهم مقاصد الخطابات وتحميلها ما لا تحتمل قد وقع. وفي كل الأحوال تبدو القاعدة على عجلة من أمرها، وفي مثل هذه الحال ما من وسيلة للتحقق أجدى من ترقب الأحداث القادمة وصدور المزيد من الخطابات.
نشرت بتاريخ 02 - 03 - 2009