فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 167

د. أكرم حجازي

على غير انتظار تفجرت الأحداث في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين في لبنان بين جماعة فتح الإسلام والجيش اللبناني مخلفة عشرات القتلى ومئات الجرحى من الجانبين. وصدق من قال أنها الحرب الأخطر على الساحة اللبنانية منذ أن هدأت حمى الحرب الأهلية التي عصفت بهذا البلد طوال خمسة عشر سنة لم يكن الفلسطينيون هم الذين بدؤوها بقدر ما كانوا أول ضحاياها. ولعل المتابع لوقائع هذه المذبحة الجديدة سيكتشف أنها تختصر إجمالي الحالة العربية والفلسطينية واللبنانية وحتى الإسلامية وما وصلت إليه من تبعية وانحطاط للقوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وسيكتشف المتابع، كما المواطن البسيط، مدى التفريط بالمصالح العليا للأمة وبيعها في سوق النخاسة وكأنها زوائد عن الحاجات. فلكل جماعة أو قوة سياسية قريبة أو بعيدة باتت لها مصالحها فيما يجري، وكل منها ضالع بشكل مباشر أو غير مباشر في الجريمة التي تحاك ضد هذه الأمة تارة في فلسطين وتارة في العراق وتارة لبنان وهكذا، وكل منها له أهدافه وتطلعاته. ولأن المقالة محدودة السعة فسنكتفي بعرض أبرز العناصر في المشكلة موضع النظر.

أولا: شاكر العبسي، من هو؟ وكيف يفكر؟

غداة الغزو الإسرائيلي للبنان صيف العام 1982، وبفعل ترتيب سوري مباشر، تعرضت حركة فتح ومنظمة التحرير لانشقاق كبير قاده بالخصوص ضابطان من الحركة هما أبو موسى وأبو خالد العملة اللذان شكلا ما عرف بتنظيم"فتح الانتفاضة"، ونجم عن الانشقاق اقتتال فلسطيني أخرج ما تبقى من القوات الفلسطينية من لبنان منهيا أي وجود سياسي للمنظمة فيه. ورغم أن كلا الضابطين يساريي التوجه إلا أنهما والحق يقال عسكريون من الطراز الرفيع أثبتت الساحات القتالية كفاءتهما. ولمعرفة بنية الانشقاق ينبغي التأكيد أولا أن الانشقاق وقع على خلفية دعوى الإصلاح بعد الهزيمة التي تعرضت لها المنظمة في لبنان إثر الغزو الإسرائيلي، وكانت الشعارات المرفوعة آنذاك محاكمة كل من قصر في واجبه، ولأنها شعارات جذابة فقد التحق الكثير من أكفأ الضباط والمقاتلين بفتح الانتفاضة بنفس القدر الذي التحقت فيه أغلب القوى المعارضة لفتح ولنهج الرئيس الراحل ياسر عرفات مضافا إليهم الكثير ممن اتهموا أصلا بالتقصير محاولين الاحتماء بالتنظيم الجديد كنوع من الدفاع عن الذات فيما اتهموا به.

كان شاكر العبسي أحد الضباط المتمرسين والجديين ممن التحقوا بفتح الانتفاضة وهو في ليبيا. وهو من مواليد مدينة أريحا الفلسطينية عام 1955، وعمره حوالي 51 عاما، حاول دارسة الطب في تونس أوائل سبعينات القرن الماضي إلا أنه ترك الدراسة بعد عام رغم تفوقه على دفعته، وتعلم الطيران فحصل على رتبة مدرب بعد 15 ألف ساعة طيران، ويحمل رتبة عقيد.

وقد أدانته محكمة أردنية سنة 2003 في قضية مقتل الديبلوماسي الأمريكي لورانس فولي بينما كان يقضي حكما في السجن في سوريا لمدة ثلاث سنوات منذ العام 2002 على خلفية التخطيط لتنفيذ عمليات مسلحة ضد إسرائيل عبر الجولان وليس بسبب انتمائه للقاعدة كما يشاع، وقضى منها سنتين وسبعة أشهر بعد أن توسط له أبو خالد العملة وأطلق سراحه وعينه مسؤولا عما يسمى بشؤون الوطن المحتل أو ما يعرف بحركة فتح بـ"القطاع الغربي".

قصة تحوله إلى الإسلام ليست معروفة بدقة بعد، لكن وكما يقول شقيقه د. عبد الرزاق فقد بدأ تحوله خلال عقد التسعينات حتى أن الرجل انتهى من حفظ القرآن منذ عام 1998. وأنه تتلمذ في العلم الشرعي على يد الشيخ عبد الرحيم الحلبي وهو شيخ سوري معتقل الآن في بلاده، وأنه تأثر به قبل الحرب على العراق.

وعن فهمه للصراع، فالعبسي رجل يؤمن بتعويم الصراع العربي الصهيوني ليشمل كل العالم الإسلامي ويكون لكل فرد أو جماعة فيه نصيب من الجهاد أو النصرة لأهل فلسطين، وهي نظرية تقع على النقيض من نظرية التوريط التي عملت فتح التاريخية على إخراجها للعلن في انطلاقتها التي أزعجت العرب سنة 1965، ولا يخفى على أحد التعبيرات التي رافقت اندلاع الصراع في نهر البارد من التمييز بين فتح أبو عمار وفتح الإسلام كدلالة صارخة على الفرق والتوجه، فلم يتحدث أحد من رموز السلطة ومنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية وسادات الصراع اللبناني عن فتح فقط بل فتح أبي عمار! بوصفها فتح الشرعية مقابل فتح الإسلام الجماعة التي تُرمَى بانتحالها اسم الجماعة الأصلية.

ومن جهتها تقول المصادر الأمريكية أنه على علاقة سابقة مع أبي مصعب الزرقاوي، وبحسب مصادر أخرى فالرجل ارتبط بالعبسي عن طريق شخص ثالث من مدينة السلط الأردنية عرف ساحات الجهاد في العراق وقد يكون معه الآن. واتفق معه على تجنيد وتدريب عناصر لإرسالهم إلى العراق. هذه الفرضية تعززها بعض التصريحات لمن هم محسوبون على القاعدة ممن لا يرون جدوى من الالتحاق بدولة العراق الإسلامية بدون تنسيق أو تدريب خاصة وأن الوضع في العراق لا يسمح بفتح معسكرات تدريب واسعة كما هو الحال في لبنان مثلا. كما تعززها بعض الأحداث التي وقعت على الحدود العراقية السورية وتسببت بصدامات مسلحة أسفرت عن مقتل أربعة عناصر من الجماعة بينهم اثنين من القادة هما أبو الليث الشامي وأبو عبد الرحمن الشامي أثناء محاولتهما عبور الحدود. أما الشاهد الأبرز فهو ذلك المعسكر الذي كانت تديره حركة فتح ثم سيطرت عليه"فتح الانتفاضة"، واستخدمه شاكر العبسي لعمليات تدريب واسعة النطاق نجح خلالها بتخريج المئات من المدربين للقاعدة في العراق وليس من العناصر. ولعله السبب الحقيقي الذي أودى به في السجن في سوريا. بل أن مثل هذا الأمر تواصل على نطاق واسع أيضا في مخيم نهر البارد في لبنان وفقا لما ذكرته صحيفة الهيرالد تريبيون انترناشونال الأمريكية بتاريخ 15 آذار 2007م.

ووفقا لمصادر صحفية أمريكية فقد اعترف شاكر العبسي بتقارب أيديولوجي بينه وبين القاعدة ولكنه نفى أي ارتباط تنظيمي بها، وحدد هدفين لجماعته في لبنان هما:

•"اصلاح مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية قبل محاربة اسرائيل"، وهو ما صرح به لوكالة رويتر للأنباء. لذا فهو لم يكن بصدد التحضير لأية مواجهة مع الأمن أو الجيش اللبناني بما في ذلك إسرائيل طالما أنه في مرحلة الإعداد. ولا شك أنها استراتيجية للعمل مستوحاة من الشريعة وليس من أي معطى سياسي أو أيديولوجي، مما يجعله قريبا جدا من فكر السلفية الجهادية في طريقة إدارتها للصراع.

• تشكيل قاعدة خلفية آمنة للجهاد في العراق عبر تدريب وإرسال المقاتلين.

وتأسيسا على ذلك تتخوف المصادر الأمريكية من أن يكون شاكر العبسي هو البديل الحقيقي لأبي مصعب الزرقاوي، فالتقارير الأمريكية تتحدث عن شخصية مؤهلة"لملء فراغ القيادة الذي خلّفه مقتل الزرقاوي"، وأنه"من النوع الذي أصبح تنظيم القاعدة يفتقر إليه ويسعى حاليًا لاكتسابه"، خاصة وأنها ترى فيه رجل يتمتع"بقدرات ميدانية على الأرض"، بل يعتبر، بحسب صحيفة الهيرالد تربيون، بأنه"يمثل واحدًا من أخطر العناصر من حيث قدرته على تجميع المجموعات والفرق الصغيرة من حيث الناشطين وتزويدهم بالمهارات والقدرات العسكرية".

والحقيقة أن الكفاءات العسكرية والتنظيمية عند العبسي هي من نوع خاص جدا، ومن شأنها أن تستجيب لشروط القيادة عند السلفية الجهادية. فهو (1) خبير ميداني محنك و (2) يحفظ القرآن و (3) على قدر من العلم الشرعي، والأهم يتجلى في كونه يعرف هذه الشروط قبل الإقدام على تشكيل فتح الإسلام، أما لماذا اختار هذا الاسم لجماعته فمن المرجح أنه ليس تيمنا بفتح أبي عمار بقدر ما هي عملية للتورية تتيح له الولوج إلى المخيمات دون عقبات كبيرة باعتباره مجرد جماعة فلسطينية تؤمن بالإسلام سبيلا للخلاص، وهو ما نجح به فعليا.

ثانيا: فتح الإسلام وتعقيدات النشأة

أعلنت فتح الإسلام عن نشأتها في بيان صدر عنها بتاريخ 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006. وليس مهما البحث في ثنايا البيان عما ورد به من منهجية أو فلسفة تعرِّف بها الجماعة عن نفسها بقدر ما يبدو مهما التأكيد على أن نشأة جماعة في بحر من التعقيدات المرعبة في الساحة اللبنانية يدل على اختراق كبير نجح العبسي بتحقيقه.

لا شك أن شاكر العبسي أثر أيما تأثير بعقل أبي خالد العملة الذي عينه أيضا مسؤولا عن فتح الانتفاضة في الشمال (نهر البارد) أسوة بقرينه في الجنوب (عين الحلوة) شقيق نمر حماد المستشار السياسي للرئيس الفلسطيني الذي طلب من أخيه التعامل مع عباس زكي وسلطان أبو العينين. والسؤال في هذا السياق: هل كان أبو خالد العملة على بينة مما يدور في رأس العبسي من خطط؟ على الأرجح نعم. فالعناصر تسربت تدريجيا نحو لبنان بعلم منه وتسهيل وبمساعدة"شخص آخر اسمه يوسف شديد (أبو العبد) وهو معتقل الآن عند السوريين"كما تقول أوساط فتح الانتفاضة، وأنه دخل إلى لبنان تحت غطاء فتح الانتفاضة وبهوياتها مستفيدا من مقاتليها ومخازن أسلحتها وإمكانياتها في مخيم نهر البارد قبل أن يعلن تشكيل فتح الإسلام.

وخلافا لما يروج بأن أغلب مقاتليها من العرب، فهي جماعة فلسطينية النشأة والقرار، والعناصر العربية فيها لا يزيدون عن بضعة عشرات لا أكثر ولا أقل، وأغلب كادرها المقاتل هو من مقاتلي فتح الانتفاضة ذاتها مضافا إليهم عشرات أخرى من العناصر اللبنانية بحيث يغدو إجمالي عديد الجماعة لا يزيد عن 400 مقاتل، غير أن قوة الجماعة تكمن في الرصيد الشعبي من اللبنانيين والفلسطينيين في مواضع أخرى من لبنان كعصبة الأنصار المتمركزة في مخيم عين الحلوة وجند الشام المجموعة الأقل تأثيرا أو أهمية مقارنة بالقوى الإسلامية الأخرى. ولئن كانت السلفية تتمركز في عدة مناطق من لبنان مثل"القاع والقرعون وكامد اللوز وعنجر ومجدل عنجر وشتورا"بحيث أثبتت المواجهات أن للجماعة"امتدادات جدية خارج المخيمات، وقدرات من النوع الذي يمكنها من القيام بأعمال ذات طابع أمني في أكثر من منطقة ولمدة طويلة أيضا"، فإن السؤال الأهم هو: هل يمكن لجماعة إسلامية جهادية بهذا الحجم والنفوذ أن تختفي عن أعين مراصد الأمن والاستخبارات العالمية والإقليمية طوال مراحل النشأة الأولى مضافا إليها نحو ستة أشهر من النشأة المعلنة؟ خاصة وأن التخفي في لبنان مسألة شبه مستحيلة على فرد فكيف بجماعة؟

بالتأكيد يصعب الإجابة بنعم. فالساحة اللبنانية بعد اغتيال الحريري باتت مشبعة إلى حد التخمة بالشحن الطائفي والتسلح والتمحور والاستقطاب وتشكيلات القوى ومراكز النفوذ والعمل الاستخباري والأمني في أوسع نطاقاته. والأسوأ من كل هذا انقسام القوى المتصارعة أفرادا وجماعات وطوائف إلى تيارين نسجا تحالفات خارجية معلنة إما مع الولايات المتحدة الأمريكية وكل من يدور في فلكها وهو ما عرف بتحالف 14 أيار أو مع إيران وسوريا وخط المقاومة وكل ما يدور بفلكهم. وبات من الصعب على أية قوة أن تفلت من هذين الفكين إن أرادت البقاء والاحتماء أو النشأة والظهور العلني وما يتطلبه من غطاءات أمنية بالدرجة الأساس. فأين مكانة العبسي من هذه التحالفات؟

يمثل حزب الله بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتحالف 14 أيار معضلة حقيقية ينبغي إزالتها خاصة بعد أن أثبت قدرته على خوض مواجهة عسكرية مفتوحة مع إسرائيل. فهو حزب منبوذ بما أنه يمتلك إطارا مسلحا شديد البأس وله القدرة على إعاقة مشاريع الولايات المتحدة في بلاد الشام وحرمان الطائفة المارونية من التلذذ بلبنان وحدها كما فعلت من قبل إبان وجود منظمة التحرير الفلسطينية فيه، فالطائفة النصرانية تسعى جاهدة إلى تطبيق برنامجها بإخراج لبنان من حلبة الصراع في الشرق الأوسط وحتى من الانتماء العربي والإسلامي برمته، ولا مانع من التصالح مع الدولة اليهودية والاحتماء بها وبالغرب ضد أية محاولة تعكر صفو حياتها وتطلعاتها. وتجد هذه الطائفة حلفاء لها باتوا على عداء مستحكم ضد سوريا وضد كل القوى التي تنادي بالمقاومة أو ذات الأيديولوجيات المناهضة لها، وبطبيعة الحال وجدت ضالتها في تيار المستقبل بوصفه تيارا رأسماليا بالدرجة الأساس لا يهمه شيء بقدر ما يهمه تنمية الرأسمال والمحافظة على وضع مستقر له. أما الحزب التقدمي الاشتراكي بزعامة وليد جنبلاط فهو أقرب إلى الانتهازية في تنقله من صف المقاومة إلى صف 14 أيار لا لشيء إلا لأنه مستفيد من الإمبراطورية المالية كما يقول الشقيق الأكبر لسعد الحريري.

غير أن المشكلة تكمن في السنة الذين يمثلهم تيار الحريري، وهؤلاء ليس لهم أي تشكيل عسكري تاريخيا في لبنان، وغالبا ما احتموا بمنظمة التحرير الفلسطينية، ولكنهم الآن، في ظل التسلح الطائفي باتوا بلا أي غطاء مسلح لهم. فالحرايرة (نسبة إلى آل الحريري) يسعون إذن إلى البحث عن قوى سنية تكون نواة لتشكيل مسلح مهمته الوقوف بوجه الطموح الماروني من جهة وبوجه النفوذ الإيراني عبر حزب الله من جهة أخرى. ولا ريب أن هذه المعادلة هي في واقع الأمر بعض من تعبير عن أجندة أمريكية سرية في لبنان بالدرجة الأساس كان الصحفي الأمريكي سيمور هيرش قد كشف عنها في تقرير له من 13 صفحة سبق أن نشرته صحيفة مجلة النيويوركر، وكذلك أجندة سعودية تولى بندر بن سلطان إخراجها إلى حيز الوجود منذ تم تعيينه مستشارا أعلى للأمن القومي في السعودية ومسؤولا عن ملف اللاجئين الفلسطينيين. لهذا ينظر الكثيرون إلى نشأة فتح الإسلام باعتبارها نواة لتيار سني في الشمال جرى إعداده لمواجهة التيار الشيعي في الجنوب، ولهذا السبب أيضا تتهم الكثير من القوى الحرايرة بدعم فتح الإسلام والوقوف خلف نشأتها. ولكن ما هي الحقيقة في ذلك؟

ثمة مؤشرات تدل على علاقة الحرايرة بدعم فتح الإسلام لا بنشأتها، فمن جانبه"يشير سيمور هيرش إلى تقرير المجموعة الدولية للأزمات، والذي ورد فيه أن سعد الحريري قام بدفع 48 ألف دولار كضمانة لإخلاء سبيل وإطلاق سراح أربعة من أعضاء إحدى الجماعات الإسلامية المسلحة ينتمون إلى منطقة الضنيّة، كان قد تم اعتقالهم بسبب محاولتهم إنشاء دولة إسلامية مصغرة في شمال لبنان، علمًا بأن تقرير المجموعة الدولية للأزمات أشار بأن العديد من مثل هؤلاء الإسلاميين المتشددين قد تلقوا تدريبهم تحت إشراف القاعدة. ويضيف التقرير بأن سعد الحريري قد استخدم لاحقًا أغلبيته البرلمانية من أجل إصدار العفو العام عن 20 شخصًا من عناصر الضنية الإسلامية المتشددين، وأيضًا عن 7 من المشتبه بهم في التخطيط لتفجير السفارتين الإيطالية والأوكرانية في بيروت". ومن جهتها تشير مصادر الخصوم إلى علاقة الحرايرة بمشايخ السلفية وتحالفها معهم مثل الشيخ الرفاعي مفتي الشمال ووصفه بـ"أشرس المتحمسين طائفيا لسعد الحريري ومن أخلص رجاله (وممن) دعا في الثالث والعشرين من شهر شباط الماضي كل الفصائل الإسلامية في طرابلس للتوحد ولحمل السلاح للدفاع عن السنيورة وحكومته".

ثالثا: الصفقة والحدث

بعيدا عن المؤشرات السابقة عن العلاقة بين الحرايرة وفتح الإسلام يمكن القول أن صفقة ما عقدت بين الجانبين بعد انتقال العبسي إلى لبنان، وتقول مصادر فلسطينية أن بهية الحريري هي من نسقها مع السعوديين في إحدى رحلات العمرة التي أداها أبو خالد العملة. وما أن عاد هذا الأخير حتى عقد لقاء مع عباس زكي مفوض عام منظمة التحرير في لبنان بهدف الاستفادة فلسطينيا من المضخة المالية للحرايرة. أما السلطات السورية فقد علمت بتحركات العملة واستدعته على الفور وخيرته بين الانزواء في منزله بما يشبه الإقامة الجبرية أو الاستعداد لدفع الثمن الباهظ، فما كان منه إلا اختيار الانزواء. وردت فتح الانتفاضة، من جهتها، بإقالته من عضويتها بعد أن اتهمته بأنه أساء للحركة ولتاريخها و"عطل كل إجراءات القضاء على فتح الإسلام طوال ثمانية شهور".

ولأن الاتفاق كان قد وقع فقد بدأت المخصصات الشهرية لفتح الإسلام تدفع بانتظام في حساب مسجل باسم شخص يدعى أبو جندل من فتح الإسلام شكل ما يمكن وصفه بضابط الارتباط المالي المسؤول عن سحب الدعم الشهري. وربما يكون هذا الدعم قد ساهم فعلا باستقرار الأمر للعبسي في نهر البارد حيث نجح في ضبط أوضاع جماعته وتحصينها مستفيدا من الضخ المالي، غير أن رياح السلفية الجهادية جرت بما لا تشتهي مضخة الحريري، فبعد أن شعر العبسي أنه يتعرض لضغوط شديدة تطالبه بتنفيذ ما اتفق عليه نكص على عقبيه ورفض رفضا قاطعا أن يكون أداة في يد أية قوة على الساحة اللبنانية باعتبار أن أي تحالف من هذا النوع سينتهي بتسليم لبنان للقوات الأمريكية والقضاء على ما تبقى من بذور مقاومة وإيقاع أكبر الأذى بالفلسطينيين واللبنانيين وعموم أهل السنة، واندفع حينها نحو الصحافة ووسائل الإعلام شارحا أهداف جماعته ومحذرا من المساس بها ومبينا أهدافه بكل وضوح دون أن تنجح مساعي التفاهم معه من جديد.

في الأثناء توقفت المضخة إلا من شهرين سابقين كانا في حساب الجماعة في بنك البحر المتوسط الكائن في أميون. إلا أن التعليمات التي وردت للبنك قضت بعدم صرف المبالغ المودعة في الحساب والتي بلغت نحو نصف مليون دولار، فاقترح أبو جندل مهاجمة البنك وسحب المبلغ خاصة وأن الجماعة لديها القدرة على ذلك وهو ما حصل فعلا. فمن بين 22 مليون دولار هي موجودات البنك تم سحب المبلغ الخاص بالجماعة تحت تهديد السلاح ولم يتم السيطرة على أية مبالغ دونه.

كانت هذه الحادثة هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فقد اغتيل أبو جندل على الفور أمام بيته علما أنه من مجموعة الضنية التي ساهم الحريري بإطلاق سراحها، واتهمت فتح الإسلام بالقتل والسطو على البنوك، واعتبرت خارجة عن الإجماع اللبناني، وانقلب عليها الحرايرة معتبرينها الأخطر على السلم اللبناني! وطالب جميع الفرقاء اللبنانيين باجتثاثها. أما تدخل الجيش اللبناني فيعزوه البعض إلى المقدم وسام الحسن مسؤول جهاز الأمن والمعلومات الذي أسسه الحريري الأب ليكون جهازا مستقلا يمده بالمعلومات، وهو جهاز مرتبط بكافة أجهزة الأمن في العالم وله اتصالات مشبوهة كونه منفتح على جميع القوى داخل لبنان إلى درجة يصعب التثبت من نشاطاته أو مراقبتها سياسيا. ولأنه تحول إلى أقوى الأجهزة الأمنية اللبنانية بدعم ورعاية من آل الحريري فقد اتهمه الخصوم وبعض أقرانهم بأنه هو من زج بالجيش في هذه الحرب، وهو من يشار إليه بالجهة الثالثة التي تقف خلف توتير الأجواء وإهانة الجيش. ولعل ما يدعم هذه الاتهامات ظهور شاكر العبسي على القنوات الفضائية بعد بضعة أيام من اندلاع المعارك ليؤكد أن الذين قتلوا الجنود اللبنانيين الاثني عشر هم أنفسهم الذين قتلوا وحرقوا ثمانية عشر مقاتلا من فتح الإسلام في طرابلس قبل اندلاع المعارك. وهو ما أكدته مصادر صحيفة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله من"أن الجنود اللبنانيين الذي قتلوا على مدخل المخيم في اليوم الأول لأحداث مخيم نهر البارد تم قتلهم على أيدي مجموعة ميليشيا مشتركة من جماعات الحريري وجنبلاط وجعجع، لزج الجيش في هذه الأحداث".

ثمة سؤال تكرر طرحه باستغراب منذ اندلاع الأحداث وهو: لماذا الآن تم تفجير الموقف مع فتح الإسلام؟ وهو سؤال وجيه. ولعلنا أجبنا في سياق هذا المحور عن السبب المباشر في تفجر الموقف. ولكن ثمة تحليلات تقول أن الأمريكيين هم الذين استعجلوا، وأن فتح الإسلام بهذا المعنى قد تكون وقعت في الفخ باختيارها مهاجمة البنك وسحب أرصدتها بالقوة بحيث جاءت العملية بمثابة استدراج لكمين أعد لها بإحكام من الجهة الثالثة التي قد تكون الأمريكيين حينا و14 أيار حينا آخر ووسام الحسن أو ربما حزب الله الساعي لإثبات ضعف الجيش لتأكيد حاجة لبنان إلى المقاومة وتجنب نزع سلاحه. وثمة من يشير إلى أن شاكر العبسي تعرض لخيانة حتى من رموز السلفية في شمال لبنان وهم الذين يتحالفون أصلا مع حكومة السنيورة والحرايرة، فما أن انقلب هؤلاء على العبسي حتى انقلب أتباعهم.

ولكن يبقى السؤال الأهم هو: لماذا الإصرار على اجتثاث فتح الإسلام سواء من الفلسطينيين أو من اللبنانيين؟ ولا شك أن أول ما يتبادر للذهن هو خشية المتورطين من افتضاح أمرهم على الساحة اللبنانية والدولية وأمام الجمهور، فالكذب والتضليل وحبك المؤامرات والدسائس آن أوان الكشف عنها إن لم يتوقف العدوان، ولعل المتابعين قد لاحظوا حجم الارتباك الواقع في الساحة اللبنانية لدى كافة الأطراف، حتى حسن نصر الله خرج لأول مرة يتحدث متسائلا: هل تريدون أن تأتوا بالقاعدة إلينا؟ فهو بالعادة يصفهم بالتكفيريين فما باله يسميهم، هذه المرة، بما يحبون؟ وهو لا شك لم يخف غبطته من الموقف التاريخي والمسؤول الذي عبر عنه شاكر العبسي بعدم تسليم لبنان إلى الأمريكيين.

رابعا: الموقف الفلسطيني

في الحقيقة فإن أسوأ ما يمكن الحديث عنه في هذه الأحداث هو الموقف الفلسطيني الذي لا يريد أن يخرج من بوتقة النفاق التاريخي الذي تميزت به الغالبية الساحقة من قيادات الشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور وإلى يومنا هذا. فهي قيادة تتعامل مع شعبها وكأنه الحائط الواطي والمنحط الذي عليه أن يدفع الثمن على الدوام. وهي قيادة تتعامل مع فتح الإسلام، بقطع النظر عن صحة تطلعاتها أو خطئها، كما لو أنها جماعة هبطت من المريخ وليست جزء من الشعب المنكوب بقيادته على مر التاريخ.

ويبدو أن هذه القيادة لا تستطيع أن تدرك، وقد تعودت العيش في أبراجها العاجية، أن الشعب الفلسطيني تاريخيا منبوذ ومهان سواء حمل السلاح أم لم يحمله، وسواء دافع عن نفسه أو هاجم عدوه، وسواء تعرض للإذلال والقتل أو للتجويع والحصار. ففي الكويت لم يحمل الفلسطينيون السلاح ضد الدولة، وفي العراق لم يحملوا السلاح ضد حكومة المالكي ومجرمي فيالق بدر وفرق الموت وكذا الأمر في سوريا وكذا الأمر في مصر، وفي صبرا وشاتيلا ذبحوا لكونهم فلسطينيين وليس لأنهم حملوا السلاح، وقس بقية الدول العربية حيث للفلسطينيين نصيب من المهانة والاحتقار، وعلى رأي المثل ففي كل عرس لهم قرص. فماذا فعلت القيادة الفلسطينية لهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت