فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 167

د. أكرم حجازي

صورة الوضع اللبناني بدون الوضع العربي أشبه ما تكون بصورة الوضع في العراق. فالمجتمع اللبناني تشظى إلى سلسلة من الانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية والدينية بشكل معقد، إذ نجد في مشهد التشظي سنة وشيعة ومسيحيين ضد سنة وشيعة ومسيحيين ودروز، وتشظي على خلفية ما يزعم بأنه وطني التوجه وأميركي التوجه، وآخر تطغى عليه الصفة الطائفية بين حزب الله الشيعي من جهة والتحالف المسيحي الدرزي من جهة ثانية، وكيفما قلبت الأمر سيلاحظ المراقب العديد من التشظيات في مستويات مختلفة. غير أن الملفت للانتباه أن حالة كسر العظم في لبنان بين الفرق المتصارعة تتجه إلى نقطة اللاعودة خاصة فيما يتعلق باستغلال كل فريق كسب القوى السنية محليا ودوليا، وعليه نجد في الخطاب الشيعي حشدا للسنة مثلما نجد في خطاب رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والحريري حشدا آخر، مما يعني أن القوى السنية انقسمت هي الأخرى على نفسها.

والواقع يشير إلى أن أحدا من الفرق المتصارعة لا يهمه أمر السنة لا من قريب ولا من بعيد بقدر ما تهمه مصالحه، فالحريري والسنيورة وأمثالهما لا تعنيهما المسألة السنية البتة ولا أي شكل من أشكال المقاومة، وهما يمثلان في الصميم الموقف العربي والأمريكي الرافض لأية مقاومة ناهيك عن أية ثقافة جهادية من أي مصدر كان، ومثل نسيبه الرئيس الفلسطيني محمود عباس يأبى السنيورة، وهو الناطق باسم فريق 14 آذار، استعمال كلمة"مقاومة"في أي بيان وزاري، ولسان حاله ومن معه كمن يتمنى أن ينتزع هذه الكلمة من قاموس اللغة العربية ويلقي بها في غيابات الجب. ولم تعد أهداف هذا الفريق خافية على أحد، ولم يعد موضع ثقة منذ زمن بعيد، وليس استعانته بشيخ الجماعة الإسلامية في لبنان فجأة أو استعماله لعبارات ذات طابع ديني في خطابه السياسي الذي يغازل فيه السنة إلا نفاقا وذرا للرماد في العيون وكأن السنة جوقة كومبارس يمكن أن يستأجرها هذا أو ذاك. ولكن ماذا عن الفريق الثاني؟ هل هو أفضل حالا؟

بطبيعة الحال فإن حزب الله باعتباره قلب الفريق الثاني المنادي بالمقاومة والتصدي للمشروع الأمريكي في لبنان يواجه استنزافا شديدا في مصداقيته من قبل السنة داخل لبنان وخارجه بسب تحالفاته المتقلبة والمشبوهة في لبنان وبسبب الوضع في العراق. فتحالفاته مع الإخوان المسلمين في لبنان لم تعد ذات جدوى كبير خاصة وأن الجماعة لا يعول عليها أحد ولا يرجى منها خيرا في مشروع المقاومة إزاء مواقفها التاريخية ومواقفها في العراق، أما تحالفه مع ميشيل عون فهو تحالف مصالح فقط لا غير وليس له أية علاقة بالمقاومة، فالجنرال يحضّر نفسه لكي يكون الرئيس القادم للبنان وهو ضعيف في طائفته بافتقاده إلى امتداد تاريخي وعائلي في حكم لبنان، ولهذا السبب نراه يتحدث عن ضرورة القضاء على الإقطاع السياسي وتعديل قانون الانتخاب وما إلى ذلك وهو الذي تحالف مع الأمريكيين والفرنسيين ويباهي بأنه من وقف خلف قرار مجلس الأمن الداعي إلى الانسحاب السوري من لبنان ونزع سلاح حزب الله في وقت كان عناصره في لبنان يخرجون في مظاهرات وهم يرتدون قمصانا تتوسطها النجمة السداسية التي يتخذها اليهود شعارا لهم.

أما حزب الله، فتحالفاته في العراق غلبت عليها الطائفية المذهبية لدرجة أنه استضاف باقر الحكيم قبل غزو العراق على فضائيته وروج له باعتباره قائدا وطنيا استعان بالأمريكان بسبب غياب الدور العربي في العراق، وأنه سيطالب الأمريكيين بالانسحاب من العراق بعد القضاء على نظام صدام حسين وإلا فسيعلن الحرب على الولايات المتحدة! وبعد الغزو الأمريكي شرعت قوات الحكيم المسماة بقوات بدر بعمليات قتل لا مثيل لها في تاريخ العراق ضد السنة، ونهجت جماعة مقتدى الصدر ذات المنهج عبر جيش المهدي وكذا فعلت وزارة الداخلية في العراق والأجهزة الأمنية عبر فرق القتل والموت والتصفية والاغتيالات والاختطاف والاغتصاب والتخريب على خلفية سياسية ومذهبية وحتى على الهوية وصولا إلى القتل على الاسم للأطفال والشباب والشيوخ والنساء، والأسوأ من هذا أن القتل طال النخبة من أهل السنة من علماء وفقهاء وطيارين وكبار الضباط ومثقفين وصحفيين وطلبة بصورة وحشية أحسب أن اليهود لم يجرؤوا على ممارستها، وبخلاف القتل العشوائي على أيدي الأمريكيين، حتى بلغ عدد ما يقتل من السنة سنويا لا يقل عن أربعين ألفا.

وقد يبدو مثل هذا الأمر طبيعيا في ظل مشروع أمريكي صهيوني يوظف بعض أدواته لخدمة مخططاته، وقد يبدو حزب الله بريئا مما يجري لأهل السنة، ولكن:

• أن يشترك الحزب بتدريب عناصر وتخريج قيادات من مليشيات المهدي وبدر لذبح السنة فهو ما يشكل إدانة دامغة للحزب إن صحت هذه الأخبار؛

• وأن يتجاهل حزب الله بلسان أمينه العام المقاومة في العراق ويلقي خطابا مدويا دون أن يأتي على ذكرها فهو موقف يثير ألف تساؤل؛

• وأن يستمر الشيخ حسن نصر الله في التمييز بين المقاومة الشريفة وغير الشريفة ويتحدث عن أن الموقف ملتبس هناك فهو كلام غير دقيق أبدا لاسيما وأنه يعلم علم اليقين أن مشروع المقاومة هو مشروع سني بصورة ساحقة، وأول أهدافه هي قوات الغزو الأمريكية وحلفائها قبل أن يضطر إلى مواجهة القوى الشيعية العميلة ممن ربطت وجودها ومصالحها بقوات الغزو وإيران؛ وأن نتائج عملياتها المدوية معروفة للقاصي والداني، وأن المواجهة اليومية هي وقائع صارخة تتناقلها كل وسائل الإعلام وهو ما لا تخفيه القوات الأمريكية ولا ساستها، ودون أن يكون لأحد قادتها فرصة الإدلاء ببيان من أية دولة في العالم إلا من شبكة الانترنت؛

• وأن يشخص قوى القتل في العراق بالقوات الأمريكية والموساد والتكفيريين وبقايا البعثيين فهي لغة طائفية تنسف أي حديث عن مقاومة شريفة وأخرى غير شريفة؛ بل تؤشر على انحياز طائفي ضد المقاومة؛

• وأن يصف قوى المقاومة بالتكفيريين وينكر عليهم الحق في ملاحقة العملاء والقوى الاستئصالية من أمن وميليشيات وحكومات مجرمة ترتكب أبشع المجازر وتنفذ عمليات تدمير واسعة النطاق وجرائم حرب مع القوات الأمريكية في الفلوجة وغيرها فهو موقف طائفي بامتياز ويصب في خانة قوى الغزو وحلفائه الدمويين في العراق؛

• وأن يصرح السيد خاتمي، بعيد الغزو بقليل، بأن لإيران نفوذ قوي في العراق لن تستعمله إلا في صالح استقرار العراق، ومؤخرا وزير الخارجية الإيراني بأن بلاده على استعداد لمساعدة الأمريكيين في العراق على أن يحددوا هم شكل المساعدة المطلوبة هي مواقف مخزية لا تصب في صالح الاستقرار ولا في دعم المقاومة ولا في تحرير العراق.

هذا غيض من فيض يعيشه السنة في العراق ولبنان وفي العالم، فلماذا لم يسمع أحد من السيد حسن نصر الله إدانة ولا تعقيبا على ما يجري في العراق اللهم إلا الصمت تارة والتفريق بين شريفة وغير شريفة تارة أخرى أو تكفيريين وبعثيين وعملاء؟ لماذا لا يحدد حزب الله والشيخ حسن نصر الله موقفا واضحا جليا من التحدي الطائفي للشيعة في العراق؟ لماذا لا يحدد موقفا واضحا جليا من عبد العزيز الحكيم ومقتدى الصدر والجعفري والمالكي وعملاء أمريكا على الأشهاد في العراق كما هو حاله في لبنان من فريق 14 آذار؟ ألم يرفض الحكيم وأقرانه تقرير بيكر - هاملتون ويطالب من واشنطن بعدم سحب القوات الأمريكية من العراق؟

يا شيخ حسن

صدقني أن الناس أثناء الحرب الأخيرة أيدت المقاومة وتعاطفت معها ضد إسرائيل ولم تفعل ذلك دفاعا عن حزب الله، ولم تنس أنها تعاني الأمرين من مثاقب بدر والمهدي وقدور طهي البشر، ولن تسامح على هذه الجرائم ولن تغفر لإيران أن تسلّم أفعانستان والعراق للأمريكي والإسرائيلي فيما تصفق للحزب في لبنان. وصدقني يا شيخ أن أحدا من عامة الناس لم يعد يصدق أن الترسانة الحربية الفتاكة لإيران بما فيها المشروع النووي يمكن أن يوجه في يوم ما ضد إسرائيل أو الغرب، وإلا فكيف يكون العدو واضحا في لبنان وغامضا في العراق؟ بل كيف يكون السنة هم العدو الأوضح بالنسبة لإيران داخل العراق ولا يكون الأمريكيون والبريطانيون والموساد وحلفائهم كذلك وهم الأولى بالعداء والأولى بالمقاومة والأولى بالقتال والأولى بالطرد قبل أن يضيع العراق شعبا وجغرافيا وثروة وقوة وتاريخ وعقيدة على يد عصابات لا تأخذها في الجريمة والحقد والبغض لومة لائم؟

يا شيخ حسن

كل العالم يعرف أن الأمريكيين احتلوا العراق بواسطة فريقين: أولهما القادمون على الدبابات الأمريكية من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وثانيهما القادمون عبر البوابة الإيرانية، وكلاهما ركب عجلة الحقد والانتقام والقتل والفساد والنهب والتخريب وسلخ العراق عن محيطه العربي وعمقه الإسلامي والتحالف التام مع القوى العالمية المتغطرسة، ولمّا يكن مثل هؤلاء ليسوا من المقاومة الشريفة أو غير الشريفة وليسوا من المحررين، فماذا يكونون يا شيخ؟ ألا تستطيع القول من هم؟

يا شيخ حسن

إن قراءة التاريخ بدقة أفضل من التستر خلفه، وكتائب العشرين في العراق إبان الانتداب كانت كغيرها من قوى المقاومة العربية قوى وطنية قطرية ضد الاستعمار ولم تكن قوى إسلامية ولا جهادية بالمفهوم المعاصر للجهاد، فالبريطانيين لم يكونوا معنيين بوحدة العراقيين سنة وشيعة بقدر ما كانوا يجهدون لترسيخ صيغة سايكس - بيكو وترقية النزعة التقسيمية إلى نزعة قطرية بحيث يغدو الكفاح ضد الاستعمار دفاعا مشروعا عن الوطن وحق الاستقلال وتقرير المصير وليس دفاعا عن أمة أو عقيدة، وبالتالي فطعم القوى الشيعية تاريخيا ظل ممزوجا بخيانات الدولة الصفوية التي يرون اليوم أنها تستعيد مجدها عبر إيران والحكيم والصدر والمالكي وأمثالهم.

يا شيخ حسن

إذا أردت أن تقاوم إسرائيل والمشاريع الغربية في المنطقة فعليك بمقاومتها في لبنان والعراق وفي كل مكان بحيث تكون بندقيتك نظيفة وموقفك متسق وذو مصداقية وليس بمائة وجه، وإحقاقا للحق فقد مد رموز السلفية الجهادية، خلال الحرب الأخيرة في لبنان، أيديهم لكم لفتح صفحة جديدة ومنفذا للنجاة لو أنكم أعلنتم بوضوح براءتكم من مخططات التصفية والتقسيم وجرائم عصابات بدر والمهدي وفرق الموت، ولكنكم آليتم على أنفسكم الركون إلى قوتكم العسكرية ونفوذكم وميلكم للطائفة ومتطلباتها، وإن لم تفعل وتصحح الموقف مجددا لاسيما وجرائم الصفويين ماضية في العراق بلا رحمة ولا أخلاق إلا من عمليات الردع والدفاع عن النفس بين الفينة والأخرى والتي تقوم بها القوى الإسلامية فسيقول لك الناس كما قال بكم الشيخ صبحي الطفيلي: ليس لك الحق أن تكون بطلا في لبنان وعميلا في العراق، وحينها لن تجد معك أحدا ولن يقول لك الناس إلا عبارة واحدة: وعلى نفسها جنت براقش.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت