د. أكرم حجازي
ها نحن نستقبل في فلسطين الشهداء بالعشرات يوميا ومثلهم وأضعافهم من الجرحى، هو قتل جماعي يصيب العائلات الفلسطينية شيوخا ونساء ورجالا وأطفالا، وتدمير مستمر للبنية التحتية، وترهيب وترويع للآمنين على مدار الساعة. وفي لبنان بدأنا نستقبل أولى طلائع الشهداء والضحايا بالعشرات فضلا عن التدمير والتهيؤ لدفع أثمان باهظة وردود مؤلمة وتهديد باحتلالات تعيد البلد إلى عشرين سنة خلت كما يرغب بني يهود. ومع ذلك لم نسمع حتى الآن ردا عربيا واحدا أو تعليقا ولو أبترا، ويا له من عجب العجاب، فما هي قواعد اللعبة بين الأمس واليوم وغدا حتى يصمت العرب صمتا يبدو معيبا بقدر ما هو مريب؟
لقد بات من العبث ترديد الاسطوانة إياها بأن إسرائيل ليست لها خطط تسوية أو حلول ما تجاه الصراعات التي تخوضها ضد العرب والفلسطينيين منهم على الخصوص. فالحديث يجري بوضوح عن استراتيجية أمريكية صهيونية لتصفية الصراع والقضاء المبرم على أي شكل من أشكال المقاومة، لذا فالمشكلة ليست في تسوية تعثرت ولا في غياب شريك ولا في أسر جندي ولا في قتل آخر ولا في إطلاق صاروخ هنا أو هناك فضلا عن أننا نعرف وإسرائيل تعرف ومعها أمريكا والعالم أجمع أنها كانت تتحمل إبان المرحلة اللبنانية آلاف الصواريخ على مستوطناتها الشمالية ليل نهار وتتلقى عشرات العمليات العسكرية والاستشهادية ولم تكن لترتكب هذه الجرائم أو أن تستخدم هذا القدر الهائل من العنف والتدمير الذي تقوم به هذه الأيام لمجرد أسر جندي، فما الذي يجري حقيقة؟
ما يجري بالضبط هو شعور إسرائيلي وأمريكي وأوروبي أن الوقت حان لتفكيك بنى المقاومة الفلسطينية والعربية إلى غير رجعة وبأي ثمن، وقد أو ضح الرئيس الأمريكي بعيد هجمات سبتمبر فلسفته هذه خلال الاحتفال السنوي للأمم المتحدة حين قال في خطابه"ليكن معلوما أنه لم يعد مقبولا ارتكاب أعمال إرهابية ممن يعتقدون أنهم يكافحون من أجل التحرر"، وواضح من التصريح أن الفلسفة الأمريكية تتطابق مع نظيرتها الصهيونية التي تساوي بين الإرهاب والحق في المقاومة.
ولا شك أن مثل هذه الفلسفة ستعمد إلى البحث عن أنظمة سياسية عربية تقبل بأطروحة بوش، ومنعا لأي إعاقة محتملة للمشروع الأمريكي تم اللجوء إلى تهيئة شرائح جديدة بعضها استكمل تأهيله والبعض الآخر يجري تأهيله على قدم وساق لكي تتسلم مقاليد الأمور في بلدانها، ولا شك أيضا أن المراقب يلحظ مثل هذه القيادات القادمة في جميع البلدان العربية بلا استثناء وهي تتحدث وبجرأة بمنطق أمريكي صهيوني صريح ناقم ومندد ومستنكر لكل محاولة للمقاومة سواء جاءت من حماس أو الجهاد أو حزب الله أو أي تنظيم مقاوم أخر في أي بلد كان بما في ذلك مقاومة الكتاب والسياسيين والمفكرين وأمثالهم. وفي حادثة ظريفة وذات دلالة صارخة على شيوع قيادات ذات هوى أمريكي وإسرائيلي أن رئيس جامعة عربية كنت أعمل بها تلقى تهديدا ذات يوم ردا على محاولاته تنفيذ برنامج إصلاحي بسيط من أحد المسؤولين الإداريين الذي قال بالحرف الواحد:"إذا كان يعتقد أن رئيس الدولة يدعمه فنحن يدعمنا بوش"!
وفعلا فقد بذلت إسرائيل والولايات المتحدة جهودا جبارة لوضع هذه الفلسفة موضع التنفيذ، ووضع الأنظمة السياسية العربية في خانة التهديد والرعب من محاولة الدفاع عن قوى المقاومة تحت وطأة التهديد باستبدالها وإزاحتها بالقوة عن سدة الحكم وإحلال السادة الجدد محلها ممن يسميهم البعض خونة السياسة والوطن وليس جواسيسها فقط. وعليه بات من المحظور التعرض للسياسات الأمريكية والإسرائيلية وحتى الأوروبية التي لحقت بهما مهما بلغت هذه السياسات من جنون القتل والترويع والتدمير والتخريب، وعلى طريقة منتديات الانترنت واللغة الرقمية فلا البيان السياسي متاح ولا التنديد والاستنكار متاح ولا حتى التنفيس الشعبي متاح ولا عقد قمة متاح ولا التحذير من خطر تفجر الأوضاع متاح ولا أي شيء من هذا القبيل ما لم يخضع لشروط التسجيل.
ولكن بقليل من التأمل سيتضح لنا وللأمريكان وأدواتهم:
• أن النظام السياسي العربي لم يفعل شيء يذكر منذ أكثر من خمسين سنة تجاه القضايا العربية الكبرى، بل أن العالم الإسلامي برمته سار من هزيمة إلى هزيمة ولم تحقق أية قوة إسلامية أو عربية نصرا على قوة أجنبية معادية منذ مائتي عام، أما المقاومة فقد نجحت بعض الشيء في إبقاء القضايا الكبرى موضع تداول عالمي ولو بتضحيات كبيرة كي لا تختفي وتتعرض للإبادة. هذا لم تتنبه له الإدارة الأمريكية التي تعتقد أن مبدأ القوة يمكن أن يهيمن دون رادع، ويمكن له أن يعيد سحب بعض الانتصارات ومنع اعتبارها نماذج ناجحة بيد أصحابها كما هو الحال بالنسبة لتحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي.
• وما لم تنتبه له القوة الأمريكية والإسرائيلية أن قوى المقاومة فهمت قواعد اللعبة جيدا ومهرت في تحصين ذاتها بالتدريب واكتساب الخبرات وإعادة النظر في استراتيجياتها وتكتيكاتها وحتى في أيديولوجياتها وتحالفاتها. كما فهمت أن مراحل العمل النضالي المشفوع بالعاطفة والحماس قد ولى وأن عهد السرية والكتمان سيسود بمحتوى يجعل من مواجهتها والتجسس عليها وضربها بالغ الصعوبة للأعداء.
• وما لا تريد أن تنتبه له أيضا أن القوى المحلية المناهضة للمقاومة والمسايرة للمشروع الأمريكي غدت مكشوفة ومفضوحة ورخيصة وهي تستضاف على مواقع العدو وتتحدث صراحة عن تحقير النضال والاستخفاف بالمشاعر والمس بالمقدسات والطعن بالحقوق والتاريخ وترويج الرذيلة والفسق والفجور لضرب الثقافة والدين وتخريب عقول الأجيال، ومن ثم تتمتع بالثناء الأمريكي والإسرائيلي وتحظى بالإشادة والمكافئات السخية لقاء ما تقدمه من خدمات. ومن سوء الطالع لهذه الشريحة أنها تحظى برضى من بعض مشايخ السلطة الدينية الرسمية وحكوماتها المنبوذة شعبيا الذين بصمتهم بدت عوراتهم وكأنهم يوافقون على ما يقولون لاسيما عندما يجاهر أحدهم بالقول أن إسرائيل دولة ذات سيادة وأنها تعرضت لاعتداء من قبل إرهابيين فلسطينيين اخترقوا حدودها، أو عندما يتحدث أحدهم مستنكرا بأن هؤلاء لم يستشيروا الحكومات العربية لما قاموا بخطف الجنود الآمنين فلماذا (يتساءل) يستنجدون ويستغيثون ويعلو صراخهم لما تحاول إسرائيل استعادة جنودها! وكأن مثل هؤلاء الكتاب استشاروا ربهم أو شعوبهم بما يتفوهون.
• كما أن الضغط والإذلال والقهر والقتل بلا حسيب أو رقيب لن يدفع الشعوب ولا قوى المقاومة إلى الاستسلام والتسليم بقدر أمريكي هو بالنسبة إليها زائل حتما مقارنة بالقدر الإلهي. وواقع الأمر أن عدد الضحايا من المدنيين أضخم بكثير من عدد الضحايا من المقاتلين الأمر الذي تسبب بتدفق أعداد هائلة من المدنيين للالتحاق بصفوف المقاومة كأفضل خيارات النجاة من التعرض لقتل عشوائي لا جدوى منه، فأنْ تقتل بين المقاومين خير لك عند الله والناس من أن تقتل وأنت في بيتك.
لذا من المستحيل قبول فكرة أن إسرائيل توغل في جرائمها لأنه ليس لديها برنامج سياسي، وأن الولايات المتحدة تناصرها في السراء والضراء، أو أن حزب العمل انحاز إلى اليمين أو أن وزير الدفاع الإسرائيلي غبي في تحوله من حمامة إلى صقر أو أن الجنرالات هم من يقودون الحكومة في إسرائيل، إذ أن واقع الأمر يفرض علينا القول أن ما يجري منذ أكثر من عقد من الزمن هو حرب شاملة تتغير أدواتها بين التصريح السياسي والحصول على تنازل حينا وبين الاستخدام الكامل للترسانة العسكرية إن لزم الأمر. وأن الحرب المعلنة حاليا من قبل إسرائيل وأمريكا وأوروبا على العالم العربي لاسيما الفلسطينيين واللبنانيين منهم هي حرب حاسمة لها هدف واحد ووحيد ليس من بينه تحرير الجنود الأسرى ولا ردع حزب الله أو الفلسطينيين بل فرض قواعد اللعبة وتثبيتها حتى لو كان الثمن سفك جماعي للدماء لا يستثني أحدا وتدمير كلي للبلدان على طريقة العراق والبوسنة والشيشان وأفغانستان لتسهيل مهمة الكرازايات الجدد في المنطقة.
مثل هذا الأمر إن تحامقت الولايات المتحدة وأصرت على المضي به وتغطرست إسرائيل وأخذتها العزة بالإثم فعليهم أن يستعدوا لملاقاة السلفية الجهادية الساعية أصلا لاستدراجهم إلى ساحات مواجهة جديدة، وإلا فكما اقترح د. محمد المسفر أمس في قناة الجزيرة التهيؤ لحركة شعبية محتملة كان قد جرى تداولها فعلا إبان الاستعداد لغزو العراق ولها روادها والمدافعين عنها والمفكرين بها وهي إغلاق الممرات الدولية المائية، ذلك أن العدوان الصريح والبشع والجنوني لا يريد أن يقيم اعتبارا لأي كان إلا اعتباراته. وإذا حوصرت الشعوب ولم يعد لها من مخرج فستضطر إلى التفتيش عن مخارج أخرى بما في ذلك قبول فكرة الدخول في الحرب.
إذن إنها الحرب فاستعدوا.
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009