فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 167

استيقظ نحن في حرب!

استيقظ نحن في حرب!

د. أكرم حجازي

الأربعاء: 8/ 2 / 2006

بهذه العبارة أعلاه يخاطب أحد المواقع المتضامنة مع الصحيفة الدنمركية رواد منتدياته، فثمة صورة لنسر آمن يصحو فزعا على صوت يقول له: WAKE UP ! We"re at war! . هكذا إذن لم يعد ثمة مبرر للزعم باطلا بوجود حوار بين الإسلام والغرب، فهذا زعم كذبته عشرات الوقائع التي يعتدي فيها الغرب على الإسلام والمسلمين ماديا باحتلال أراضيهم ونهب خيراتهم واعتبار الإسلام عدوا له وتشويه الديانة الإسلامية وأخلاقيا في هجمة شرسة ومنسقة يقودها الإعلام الأوروبي والغالبية الساحقة من ساسته ضد الرسول الكريم والإسلام والمسلمين عامة، وعلى أية حال فالعدوان بات مكشوفا وصارخا، وإذا كان الغرب في تشويهه لصميم العقيدة الإسلامية ممثلة بخاتم الأنبياء يريد منا اعتذارا على اعتقادنا بدين محمد أو إنكارا لنبوته أو الاعتراف بخطأ اقترفه محمد بحق موسى وعيسى عليهما السلام، فليكن معلوما لديه أننا:"

• لا نستطيع وليس لنا الحق في أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعضه ( ... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ... البقرة-85) ، ولن نقبل بتعظيم قول إلهي: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ... الأنفال-61) وتهميش آخر: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ ... الأنفال-60) لننال رضا سادة الغرب، ولن نتنازل عن كلمة ولا حرف ولا حتى فاصلة أو نقطة أو حركة صوتية أو حكم تلاوة لنكون كمن ( ... يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ... النساء-46، والمائدة-13) . ولن نتجاهل أية آية أو خبر من السماء من مثل: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاء ... النساء- 89) أو ( ... وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ... آل عمران 118) .

• إننا أمة لا يمكن لأحدها أن يصح له إيمان إن لم يكن الرسول أحب إليه من أمه وأبيه وكل العالمين وحتى من نفسه، لذا فإن حب النبي بالنسبة إلينا هو من العقيدة ومن صميمها وليس نتاجا لها سواء كان محمد حي أو ميت، ولما نكون كذلك فلن نقبل بالإهانة ولا بالمس بما نعتقد تحت أي ظرف كان.

• كما أننا وعلى نفس المستوى ودون أن ينقص من ذلك مقدار ذرة لن نقبل المساس بأي من الأنبياء بدء من سيدنا نوح أو إدريس وانتهاء بسيدنا محمد خاتم الأنبياء. فالإيمان بالرسل ركن مركزي من أركان الإسلام، وعليه فلن نسمح لأحد بالتطاول على نبي أو رسول كائن من كان، وليعلم الغرب أن كل المحرمات والأعراف والقوانين والشرائع تسقط إذا ما تعرض الإسلام أو المعتقد أو الرموز الدينية للتهديد أو السخرية.

والآن علينا أن نقر كمسلمين أن الاحتجاجات التي تجتاح العالم بسبب الرسومات الكاريكاتورية المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم ليست بمستوى الإهانة التي تلقاها المسلمون والرسول والعقيدة الإسلامية ناهيك عن التراث العربي الإسلامي والشعوب والأمم والتاريخ والحضارة وما إلى ذلك. وأجزم أن الغالبية الساحقة من العالم الإسلامي لم تطلع حتى على الرسوم، ولو شاهدو ما رسمته الصحيفة الدنمركية وحللوا ما تشتمل عليه الصور لأدركوا أنهم بصدد تحد صارخ لهم وعلى كل المستويات، تحد أمعن وخطط ودبر له بشكل متعمد وخبيث وعنصري وبغيض وعن سبق إصرار وترصد وبأعمق ما يتصوره العقل كل حاقد وكاره للإسلام والمسلمين. وإذا تحققنا جزئيا من الحادثة سيتوفر لدينا الكثير من الدلائل على النوايا المبيتة للصحيفة:

• بداية فقد نشرت صحيفة يولاند بوسطن الدنمركية في عددها الصادر بتاريخ 30/ 9/2005 صفحة تحتوي إثنا عشر رسما كل واحد منها موقع باسم رسام! أي أن الاثني عشر رسما ليست لرسام واحد، وهذه طريقة تدل على خبث بغيض أرادت منه الصحيفة أن تتحمل المسؤولية المباشرة كمؤسسة بدلا من أن تحملها لكاتب بعينه.

• وهي بلا شك فكرة منسلة من ميراث بغيض تلقته الصحيفة على ما يبدو من زمن النبوة حين أشار إبليس على دهاقنة قريش في حينه وهم يتشاورون في كيفية التخلص من محمد بأن يختاروا من كل قبيلة رجل وينهالون على محمد بضربة واحدة فيتفرق دمه بين العرب.

• أما الرسوم ذاتها فمنها عشرة جسدت شخصية الرسول الكريم ببشاعة غير معهودة، أحدها يقدمه بعمامة عربية محاطة بالهلال وفي عينه اليسرى نجمة خماسية، وثانية بعمامة سوداء أفغانية أو باكستانية موشحة بالشهادتين في الجبين وقنبلة يخرج منها فتيل تفجير مشتعل ولحية كثيفة ووجه ممتلئ وعينان شريرتان وثالثة تصوره واقفا هزيلا مرتديا زيا أفغانيا أو باكستانيا ولحية شنيعة المنظر وبعمامة يخترقها هلال يبدو على شكل قرنين على الرأس ورابعة بلباس قروي يجر حماره خلفه وهو يمسك بعصىً طويلة بيده وخامسة شديدة القبح تصوره مستلا خنجره وذو لحية شوكية حادة وعينان معصوبتان وخلفه امرأتين منقبتين ولكنهما شديدتي الرعب بنظرات عيونهما وأخرى يبدو فيها همجيا وهو يلقي بيانا فيما يشهر أتباعه سيوفهم وأخرى لأشباح موشحة بنجمة داوود والهلال يصفون الرسول بكلمات تحقيرية كالأحمق والغبي ... إلخ

• والمطلع على موقع الصحيفة والمواقع المناصرة لها مثل ( http://www.Jyllands-Posten.com ، http://joshuapundit.blogspot.com ، http://www.democracyfrontline.org/blog ) سيجد أمامه سيلا من الردود التي تمجد الرسومات وتثني على فكرة الصحيفة وتنهال سخرية وسبا على الإسلام والمسلمين والنبي الكريم مظهرة إياهم جميعا إرهابيين وإباحيين. بل وأكثر من ذلك يتباهون بأنهم في حرب ضد الإرهابيين من فلسطينيين وغيرهم من الأوباش الذين يعادون حرية التعبير ويخصصون مواقع وروابط للتضامن مع الدنمرك والتحريض على السخرية والكراهية والعنصرية بأشكال تقشعر لها الأبدان لحجم ونوع الكره الذي يكنونه للمسلمين، ومن العجب العجاب أن هذه الحملة الشعواء تروج عالميا على أنها دفاعا عن حرية التعبير ولا أدري أية حرية هذه التي تجيز لهم البوح بكل هذا الحقد الأعمى وهم أنفسهم يسمونها حرب بل وسيجد القارئ في هذه المواقع صورا أشد قسوة وإهانة مما نشرته الصحيفة.

• زد على ذلك أن المحاكم الدنمركية وبأحكام قضائية شرَعت الإهانة وكل هذا الحقد بحجة حرية التعبير ورفضت مجرد النظر في دعوى رفعتها الجالية الإسلامية ضد الصحيفة.

• كما أن الإساءة ذات طابع عنصري كون الغرب يمجد المحرقة اليهودية المزعومة والتي طعن في صحتها عشرات المفكرين الأوروبيين والأمريكان ممن باتوا يعرفوا بـ"المؤرخين الجدد"، هذه المحرقة استصدرت المنظمة الصهيونية العالمية قرارا دوليا يحرم التشكيك بها وتعرض منتقديها للمساءلة القانونية بحيث تخرج تماما عما يتبجح به الغرب من حرية تعبير أما المس بأقداس أكثر من مليار مسلم وتجريحهم والسخرية منهم يقع في صميم حرية التعبير ليدلل بصفاقة على النفاق الأوروبي والنوايا المبيتة والبغيضة ضد الإسلام.

• لقد كادت المسألة حقا تتلاشى بفعل ضعف الردود العربية والإسلامية الرسمية والشعبية على الرسومات لولا أمرين حاسمين أججا المسألة ودفعاها كي تتحول إلى قضية رأي عام عالمي، وهما:

الأول: سماح الصحيفة الدنمركية لإحدى الصحف النرويجية بإعادة نشر الرسوم مما يؤكد الإصرار على توجيه الإهانة تلو الأخرى للمسلمين، ولتذكير من فاتته الرسوم منهم بأن التحدي ما زال قائما.

الثاني: رد شيخ الأزهر الطنطاوي لدى اجتماعه بالسفير الدنمركي الذي اعتبر المسألة حرية فكر وتعبير بينما قال شيخنا:"لا يجوز المس بشخصية محمد لأن محمدا ميت ولا يستطيع الدفاع عن نفسه"، وهو دفاع أقبح من ذنب الصحيفة نفسها بما أنه يأتي من شخصية كان يفترض بها أن تتحدث باسم المسلمين وتطالب باعتذار علني وصريح وواضح من الصحيفة والحكومة الدنمركية على السواء بل والتهديد باتخاذ إجراءات عقابية إن لزم الأمر. بيد أن الشيخ الذي يتمنى العالم الإسلامي عليه عدم التدخل في الشؤون الإسلامية يصر أن يبقى على الدوام في صف المخالفة وتحقير القضايا الإسلامية كبيرها وصغيرها. ولا شك أن المسلمين لم يتناسوا موقفه المقيت من حظر الحجاب في فرنسا واعتباره القرار الفرنسي آنذاك سياديا. ولا أدري إلى متى يبقى هذا الشيخ جاثما على صدر هذه الأمة المنكوبة بمواقفه.

• هكذا غدت المسألة بالغة الإهانة سواء في رد شيخ الأزهر أو في رد السفير الدنمركي، والأسوأ من ذلك أن سلسلة أخرى من الصحف النرويجية أعادت نشر الرسوم في نوع من التضامن مع الدنمرك ما لبث أن تحول إلى هجمة شرسة من قبل الصحف الأوروبية لاسيما فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا ونيوزلندا وغيرها ممن اصطفت إلى جانب الدنمرك وصحيفتها في تحد حضاري سافر للإسلام والمسلمين لدرجة أن وزير الداخلية الفرنسي يقول: [" we must defend freedom of expression. And if I had to choose, I prefer the excess of caricature over excess of censure."] / يجب أن نرفع صوتنا عاليا للدفاع عن الحرية، ولو خيرت بين دعم الرسوم أو تلقي اللوم لاخترت الرسوم"، كيف لا وملة الكفر واحدة."

• ولم يتوقف مسلسل الإهانات على رسومات الصحيفة كونه طال كتابا ومعلقين ومؤلفين آخرين ألفوا كتبا ضد الرسول وزوجه عائشة والوحي والبراق.

• كل هذا يحدث في الوقت الذي يطالب فيه المسلمون بمجرد اعتذار أخلاقي وليس شكلي يعبر عن احترام الأديان وإبعاده عن ساحات الصراع السياسي كما يطالب الغرب ذاته ولكن الإصرار كان على عدم الاعتذار واعتبار المسالة حرية فكر مما أجج الاحتجاجات في العالم. وإن كان على الصحيفة لزاما أن تبوح باعتذار فليكن على الطريقة التي غبرت بها:"آسفون على الرسوم إن تسببت بإيذاء مشاعركم ولكن هذه حريتنا في التعبير عما نعتقد"! ولنا الحق في نشرها!"."

• ولأن الإساءات المتعمدة للرسول الأعظم لم تتوقف؛ ولأن المسلمين شعروا بأنهم مطعونين في حضارتهم وثقافتهم ودينهم وأخلاقهم ونبيهم ومعتقداتهم؛ ولأن المسلمين فقدوا الثقة في الأنظمة الرسمية فقد خرجت جموع الغاضبين لتهاجم بعض السفارات الدنمركية.

• ومع ذلك وبدلا من تفهم غضبة المسلمين واحتواء الأزمة بما ينبغي خرج علينا أحد المعلقين الدنمركيين في إحدى الفضائيات العربية بكل وقاحة ليصف لنا ما حصل في دمشق بأنه صنيعة"عصابات إجرامية"! هكذا ببساطة، فالغاضبون على حقهم في الاعتقاد وحق نبيهم مجرد عصابات إجرامية، ذلك أن نبيهم إرهابي ومجرم وله عيون شريرة وحادة ولحية شوكية مرعبة وقاتل دموي يستل خنجره من عباءته على الدوام ليقتل أو يهدد وبالتالي فإذا كان النبي محمد يتحلى بهذه الصفات فمما لا شك فيه أن أتباعه كذلك، وبهذا الفهم والحقد شكل الاعتداء على السفارة جرما عظيما وبات المسلمون عبارة عن مجرمين فيما لو تعرضوا للسفارات الغربية وهو ما لم يحدث أن وصف به الأكراد وهم مسلمين لما احتلوا نحو ثمانين سفارة تركية في العالم بعد مؤامرة اعتقال الزعيم الكردي أوجلان، وإزاء هذه الحال أخذت أوروبا تذكر العالم الإسلامي بأن المعاهدات الدولية تلزم الدول المضيفة بحماية السفارات والبعثات الدبلوماسية لديها ونسيت أن ذات المعاهدات تقر بحق الاعتقاد واحترام معتقدات الآخرين وعدم المس بمقدساتهم.

• بل أن رئيس الحكومة الدنمركية ظل يصر على أن المسألة حرية تعبير وذهب أبعد من ذلك بتحميله ما يسميه بالمتطرفين مسؤولية تصعيد التوتر والتحريض على العنف وأن مثل هذه المسألة الخلافية يمكن أن تحل بالحوار، ولا شك أن مثل هذا التصريح ينطوي على فهم أعوج للإسلام والمسلمين ولمكوناتهم الاجتماعية، فالمسؤول الدنمركي كغيره من مسؤولي الغرب يعتقدون أن المجتمعات الإسلامية تعاني من فصم ثقافي بين الدين والحضارة الحديثة وبالتالي يمكن المساس بها وامتطائها وإهانتها كنوع من التسلية وأن المشكلة ما كانت لتتفاقم لولا أولئك المتطرفين الذين يقودون الاحتجاجات والذين يسعون إلى توظيفها سياسيا، ومن الصحيح أننا نعاني ذلك بسبب قوة الحضارة الحديثة التي تنازعنا في ميراثنا ولكن ما ليس صحيحا أبدا أن يعتقد الغرب بأن عامة المسلمين على اختلاف سلوكياتهم وقناعاتهم والتزامهم يمكن في لحظة الحسم أن يتنكروا لحضارتهم ومعتقداتهم بالذات ويتحولوا إلى قطيع أغنام يمكن سوقه إلى حيث يشاء الراعي. ومن المؤسف أن بعض الدول العربية والإسلامية ركبت الموجة في استغلال الأحداث لتؤكد على نبذ التطرف والمغالاة في الدين وتحذير القوى الاسلامية على اختلافها من استغلال الأحداث لتحقيق غايات سياسية، وكأن هذا هو وقت تصفية الحسابات مع خصومها.

أخيرا أنصح بأن تنشر الفضائيات العربية والصحف وكل وسائل الإعلام هذه الرسومات على كل مستوى ونطاق بدلا من محاكمة معيدي النشر حتى لو كان هذا النشر في كثير من الأحايين حق يراد به باطل.

نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت