هل حققت"راند"اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟
تعقيبا على بيان الجيش الإسلامي
هل حققت"راند"اختراقا جديدا في الساحة العراقية؟
د. أكرم حجازي
يصعب على المراقب أن يتحمل كل الأحداث الجارية على الساحة العراقية بهذه السرعة الهائلة، فما يكاد المرء يفلت من حدث عظيم حتى يجد نفسه واقعا، رغم أنفه، في حدث أعظم وأشد أثرا. فمن انشقاق كتائب ثورة العشرين إلى تشكيل حركة حماس العراقية، تلاها فتوى الشيخ حامد العلي بخصوص دولة العراق الإسلامية والإعلان عن تشكيل مجلس علماء العراق، فاجأ الجيش الإسلامي جميع محبي الجهاد والمجاهدين في العراق ببيان يحبس الأنفاس يرد فيه على خطابات البغدادي مدججا بحزمة من الاتهامات للقاعدة بالقتل والاعتداء على الممتلكات والترويع والتهديد واستعداء الجماعات الجهادية الأخرى والتكفير، وأظهر البيان خلافات على مسمى دولة العراق الإسلامية ومبايعة أميرها الذي سبق ووصف الممتنعين عن البيعة بـ"العصاة".
ولأنني تكفلت، دائما، بتحليل بيانات القاعدة والسلفية الجهادية محاولا بيان لغة القوم بألسنتهم أو توصيف الواقع السياسي بأكثر ما يكون من الموضوعية دون تدخل مني، فقد اعتقد البعض أنني سلفي جهادي أو مؤيد للقاعدة، ولكنني لست مؤيدا ولا معارضا بقدر ما أنا قارئ أتخصص في هذا الأمر ولعلي أجيد فهم لغة السلفية الجهادية مثلما ترغب هي أن تظهر، ولا يضيرني سيل التهم التي انهالت علي من كل حدب وصوب وكأن على الكاتب، حتى يكون مقبولا، أن يميل لهذه الجهة أو تلك رغما عن أنفه. وفي السياق لا بد من الإشارة، حسما للغط، فأنا لست عالما شرعيا ولا أتمتع بأي قدر معقول في هذا الجانب، فليعذرني من يقرأ لي في هذا الجانب.
على كل حال، قلة قليلة هي من رحبت بالبيان أو نددت به وبالجيش الإسلامي مقابل غالبية ساحقة أبدت غضبها وألمها وحزنها وعتبها على ما وصلت إليه الأمور بين أخوة الجهاد والسلاح والمصير، وتمنت أن تزول"الغمة"ويتصالح الطرفان وتعود القوى المجاهدة إلى سابق عهدها من العمل على هزيمة الولايات المتحدة وإقامة الدولة الإسلامية. ولما تكون هذه هي رغبة الغالبية فماذا يمكننا القول بحيث لا نبدو كمن يصب الزيت على النار أو كمن يقدم خدمة للعدو لاسيما وأن الطرف الآخر لم يصدر منه أي رد بحيث يمكِّننا من المقارنة بين قولين، وبالتالي التحدث بأقصى قدر ممكن من الحياد؟ وأخشى ما أخشاه أن يذهب البعض من العابثين وذوي النوايا الحسنة بما سأقول كل مذهب.
لا شك أن للبيان أكثر من قراءة سواء كان منفصلا عن الأحداث الجارية أو مندرجا في سياقها، ولكن في غياب أي رد، حتى اللحظة، من الطرف الآخر أو بقية الجماعات الجهادية في العراق سيبقى أي تحليل منقوصا ولا يعتد به طالما لم يأخذ بوجهة النظر الأخرى رغم توفر بعض المواقف منذ فترة وجيزة خاصة تلك التي وردت في خطاب البغدادي"قل إني على بينة من ربي"، فما هي حقيقة البيان؟ وما هي القراءات الأولية له؟ وبعض المسائل الخلافية بين الجانبي؟ وما هو مستقبل المشروع الجهادي في العراق في ضوء الأحداث الجارية؟ تلك هي محاور هذه المقالة الطويلة نسبيا، فعذرا وعذرا.
أولا: محتويات بيان الجيش الإسلامي
يمكن تقسيم بيان الجيش إلى ثلاثة أقسام يتعلق (1) بمقدمة تشمل منهج الجيش وفلسفته في محاربة قوى الاحتلال وأعوانهم ومواقفه الشرعية والسياسية منهم بالإضافة إلى سبل تنظيم العلاقة مع العامة من الناس والعلماء وأهل الاختصاص والخبرة وكذلك علاقته بالجماعات الجهادية الأخرى وموقفه من الأنظمة السياسية العربية فضلا عن بعض المواقف المتصلة بالحاكمية، أما (2) فيتعلق بما سماه البيان تجاوزات تنظيم القاعدة تجاه الجيش والجماعات الأخرى، ويختم القسم (3) بتوجيه أربع نداءات أولها إلى علماء الأمة"لتدارك المشروع الجهادي في العراق"وثانيها إلى قادة تنظيم القاعدة وعلى رأسهم الشيخ أسامة بن لادن للتدخل و"تصحيح المسار"وليس الاكتفاء فقط بالتبرؤ من أفعال القاعدة، وثالثها إلى"كل منتسب إلى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين"وأخيرا إلى"إلى كافة الجماعات والفصائل الجهادية (كي) يناصحوا إخوانهم في تنظيم القاعدة".
أما النقطة الثانية من البيان فقد استغرقته بالكامل، واشتملت على سلسلة من الاتهامات يصعب تصنيفها بالنظر لتعددها وتنوعها فضلا عن أنها قُدِّمت بشكل غير منظم، ومنها اتهامات ضد القاعدة من المفترض أنها تمس الجيش مباشرة بحيث"أصبحوا ومن أهم ما يهمهم النيل من هذه الجماعة المباركة بإذن الله، بشتى الوسائل والأساليب"، وهي بالنص مع بعض التصرف في النقل:
•"رمي الجماعة بشتى التهم الباطلة الجائرة فمرة ينسبونها للبعث ... ومرة ينسبون الجماعة إلى مناهج وتيارات إسلامية أخرى وهو محض كذب، وأخرى ... ينسبونها إلى جهات مخابراتية"، و"اتهام قيادة الجماعة بتهم واهية واهنة كبيت العنكبوت"، ولكن دون أي تحديد مباشر، و"تهديد بعض أفراد الجماعة بالقتل إن لم يبايعوا القاعدة أو أسمائها الأخرى"؛ وقتلهم"بعض الإخوة ظلما وعدوانا من المجاهدين في هذه الجماعة تجاوز عددهم الثلاثين حتى الآن"، و"اتهام الجماعة بالتآمر مع الصحفي (يسري فوده) والموساد"، و"تسميته (أبو عمر البغدادي) المجاهدين بحزب الله السعودي ... والعجيب أنهم يضيفون لهم الموساد أيضا!!!!!"، وهذه النقطة أثارت لغطا واستهجانا من قبل أنصار القاعدة باعتبار أن البغدادي لم يقصد الجيش الإسلامي بها لا من قريب ولا من بعيد، ولست متأكدا من أن هذه النقطة قصد بها البغدادي الجيش الإسلامي مثلما أنني لست متأكدا من أن البيان يحصر التسمية بالجيش الإسلامي أو أنه يتحدث بصيغة الجمع عن المجاميع الجهادية.
كما اشتمل البيان على اتهامات قال بأنها تتعلق بتجني البغدادي"على الأمة جميعا وعلى منهج سلف الأمة وعلى علمائها بإيراد أحكام وقضايا عجيبة"، ويذكر منها:
•"اعتبار ديار الإسلام جميعا ديار كفر"، و"القول بأن الجهاد فرض عين ـ بهذا الإطلاق ـ منذ سقوط الأندلس"، و"وحكمه (البغدادي) على طوائف أهل الكتاب في بلادنا بأنهم أهل حرب لا ذمة لهم".
كما أورد البيان سلسلة طويلة من التهم التي تمس الجماعات الجهادية الأخرى وعامة الناس أهمها وأبرزها اتهامات للتنظيم بالعدوان والتعالي وممارسة القتل، مثل:
•"الاعتداء على بيوت الناس وأخذ أموالهم ..."، و"رمي الناس بالكفر والردة (أصبح) أمرا مألوفا مشاعا"، واستحلال القاعدة"قتل طائفة من المسلمين وخاصة الأهداف السهلة مثل أئمة المساجد والمؤذنين والعزّل من أهل السنة ومنهم أعضاء في هيئة علماء المسلمين"، و"التعالي على المسلمين المجاهدين ... ومحاولة إلغاء جهاد الآخرين"عبر"التشهير الإعلامي"الذي مارسه البغدادي وأبو حمزة المهاجر في خطاباتهما، ومناصبة"الجماعات الجهادية الأخرى العداء، وتحوله إلى مواجهات مع بعض الجماعات مثل كتائب ثورة العشرين ... بين الحين والآخر في أبو غريب كان من أحدثها قتل أحد قادتهم الميدانيين وهو الأخ حارث ظاهر الضاري"، وقتل"بعض أفراد جيش المجاهدين وبعض أفراد أنصار السنة، وهددوا الجبهة الإسلامية (جامع) "، وحكم البغدادي"على جميع أبناء الجماعات الجهادية بأنهم عصاة، ... وذكر أنها تدعو عشائرها وأصحابها إلى الدعة والراحة!!! ... وسمى بيعته بواجب العصر وهذا خطير جدا لمن فهمه!!"، و"اتهم الجماعات بالانخراط القوي والانضمام إلى خنجر ثلاثي الرؤوس الخ وهم (ج) طائفة الحساد واستدل بحديث ضعيف"، و"بأنها تريد معاهدات مع الأمريكيين ... واشترط إذن دولته ..."، علما أن الجيش لا ينكر التفاوض مع الأعداء وفق ضوابط شرعية كما يقول البيان، و"جعل الأخ أبو عمر تحريم الدش وتغطية وجه المرأة من الثوابت التسعة عشر التي ذكرها (في خطابه) ". وأخيرا نفي الجيش لما ظهر وكأنها اتهامات له بتلقي دعم مادي من دول عربية أو أية جهات أخرى بما فيها أموال النفط.
ثانيا: القراءة الأولية للبيان
الملاحظة الأولى:
يتحدث البيان بصيغة الـ (نحن) والـ (هم، هؤلاء، وا) ، والمقصود بالأولى الجيش الإسلامي وكافة الجماعات الجهادية فيما الثانية هي تنظيم القاعدة. وهي صيغة كان على الجيش الإسلامي أن يحذر منها كون (1) الجماعات الأخرى لم يصدر منها حتى اللحظة ما ينفي أو يؤكد ما ورد في البيان على لسانها ولأن (2) الحديث بصيغة الجمع يترتب عليه تحريض أكثر مما هو تناصح أو تظلم من بعض الجماعات الأخرى بما فيها القاعدة. فإذا كانت دولة العراق طالبت بالبيعة ولم"يعترف بها أحد"فهل كلفت الجماعات الأخرى الجيش بتوجيه الاتهامات للقاعدة نيابة عنها؟ فمثل هذا الأمر، على خطورته، لم يرد بالبيان ولم تؤكده أو تنفيه أية جماعة إسلامية.
ومن جهة ثانية اتهم البيان القاعدة كمجموع، وكان من المفترض أن يتحدث عن ممارسات لأفراد من القاعدة أو محسوبين عليها، وينبه، من باب الحذر، إن كانوا مندسين أو عملاء، أو ممن ينسبون أنفسهم للقاعدة حتى لا يقع التعميم والظلم وأخذ الكل بجريرة الجزء وحتى لا تزر وازرة وزر أخرى. ولكن الصيغة التي كتب بها البيان من شأنها أن تثير الضغينة باعتبار أن الجميع سيشعر أنه بات مستهدفا بالتكفير والقتل والعدوان ... إلخ.
كما يُلاحظ على البيان، الذي يبدو أنه صيغ على عجل، استعماله صيغ تهكمية وساخرة، وبعضها مهين (بكلام سمج) رغم أن مثل هذه العبارات من المفترض أنها وردت في سياق مسائل خلافية على الأقل من وجهة نظر الجيش ومع ذلك استعلمت بغرض الطعن، ولا أدري سببا لذلك.
الملاحظة الثانية:
لا ريب أن الجيش الإسلامي موضع ثقة وحب واحترام وإعجاب، وما ورد في بيانه كان أولى، بحكم العرف، أن يُحَل بين قيادات الجماعات الجهادية كافة وبصريح العبارة، ولو صدر بيان تحذيري مثلا لاختلف الأمر، ولكن في الوقت الذي يشكو فيه الجيش من تشهير القاعدة به وبالجماعات الأخرى يأتي البيان، بالنسبة للكثير حتى من المحبين، متحاملا على القاعدة ومشهِّرا بها! مما يبعث على التساؤل والحيرة: فما الذي يجعل البيان يعج بذات الاتهامات التي وجهتها أطراف أخرى ابتداء من مشعان الجبوري وانتهاء بتوصيات مؤسسة"راند"والمالكي ومجلس عشائر إنقاذ الأنبار وممن هم مثلهم أو ممن اندرجوا في البحث عن حلول سياسية محمومة؟ وكيف تبدو القاعدة في حين تنظيم مقاومة يُرمَى خصومها من الحكومة وبعض القوى والعشائر بأصحاب الافتراءات والكذب وحتى العملاء، وبعد أقل من حين تتحول إلى تنظيم قاتل وتكفيري؟!
الملاحظة الثالثة:
أكثر ما يثير التساؤل هو توقيت صدور البيان في ذات الحين الذي يعرف فيه الجيش الإسلامي بخطط"راند"وغيرها وبالهجمة الإعلامية المنسقة والمعلنة ضد القاعدة دون الجماعات الجهادية الأخرى، فمن باب أولى كان على الجيش التضامن معها وتنبيهها وتحذيرها وحتى نقدها بشدة، إن لزم الأمر، ولكن الابتعاد عن التشهير بها حتى لا تصب كلماته في خانة الأعداء بقصد أو دون قصد وكي لا تتوتر الساحة الجهادية، وأكثر من ذلك يربط الكثير من أنصار السلفية الجهادية والقاعدة بين تزامن صدور البيان وفتوى الشيخ حامد العلي فيما يتعلق بالموقف من مبايعة البغدادي. فبحسب التساؤلات المطروحة ثمة غرابة بأن يصدر الجيش بيانا يتضمن اتهامات بالقتل تواتر صدورها بالجملة وبشكل ملفت للانتباه خاصة بعد إعلان دولة العراق الإسلامية، وثمة غرابة مماثلة أيضا أن يفتي الشيخ حامد العلي بعدم شرعية قيام الدولة بناء على طلب من أحد الناس، وكان بإمكانه أن يفتي بذلك حين الإعلان عن الدولة أو بعدها بقليل أو اختيار توقيت مناسب لا يستفيد منه الأعداء في هذه الظروف بالذات، بل أن البعض تمنى لو أن الشيخ بعث بها سرا إلى البغدادي مباشرة.
الملاحظة الرابعة:
فيما خلا بعض الاختلافات الفقهية والاجتهادات يلاحَظ الكثير من الاتهامات ذات الطابع الجنائي التي كيلت للقاعدة، وهذا ما جعل البعض يطمئن ويخفف من وقع الحدث بالإشارة إلى أن الاتهامات لا ترقى البتة إلى الأدلة ولا البراهين، وبالتالي لا يمكن تثبيت أية إدانة بمقتضى اتهام لأن من شأن ذلك الوقوع بدائرة الحرام وشهادة الزور خاصة لمن يراقب الأمر، فمثل هذه المسائل، ما لم تكن هناك نية لتصعيدها، اعتادت الجماعات المسلحة وحتى الأحزاب والمنظمات والمؤسسات حلها بعيدا عن وسائل الإعلام عبر لجان تحقيق وتحكيم يتفقان عليها ولا يجوز تركها للعامة أو وسائل الإعلام كي تقرر فيها وتكون مشعل فتنة بيد الأعداء.
الملاحظة الخامسة:
أثارت بعض الاتهامات الواردة في بيان الجيش حفيظة بعض الأوساط الجهادية التي وصفت الجيش بالتحامل على القاعدة لاسيما في بعض الاتهامات التي سيقت ضدها خاصة وأن بيانات صدرت تنفي وتوضح الكثير من الاتهامات التي وصفها كاتب كبير في شبكة الحسبة بذات الطابع المشعاني (نسبة إلى اتهامات مشعان الجبوري لقاعدة) مشيرا في الوقت ذاته أن البيان بمثل هذه الاتهامات هو بيان مشبوه لأنه من الصعب التصديق بأن الجيش يقع في مثل هذه المطبات بهذه السهولة رغم نشره البيان على موقعه الإلكتروني. وزيادة على ذلك فإن ما ورد في خطابات البغدادي والمهاجر تجاه الجماعات الأخرى بما فيها الجيش لم يكن تشهيرا بقدر ما كان"حبا فيهم وحرصا عليهم"ورغبة جامحة في التوحد معهم والاستقواء بهم.
الملاحظة السادسة:
فيما يتعلق بالبيعة فهي مسألة، ولا شك، خلافية بين الجماعات الجهادية والدولة، ولكن هل وصف البغدادي لقادتها بـ"العصاة"جريمة تستحق الإدانة أو إشهار العداوة والبغض؟ وهل هي من باب التكفير؟ فالرجل قال فيهم خيرا واعتبرهم"أخوة في الدين"ولم يخوِّن أحدا أو يكفره، وقبله فعل أبو حمزة المهاجر الذي قال فيهم ما يشبه الغزل ولم يأت على ذكر أحد من الجماعات بأي سوء بقدر ما بدا متوسلا لهم اللحاق بركب الدولة تحت راية واحدة وأمير واحد ولا بأس أن يحتفظ كل جيش أو جماعة بتشكيلها وقائدها في ظل الدولة، أما ما يتعلق بالبيعة لمجهول فيرد أنصار السلفية الجهادية بتساؤل طريف ولا يخلو من وجاهة:"إذا كان البغدادي والمهاجر مجهولان فهل من قادة الجماعات الأخرى من هو معلوم حتى تكون هذه نقيصة؟"فالحقيقة أنهم كلهم ملثمون وكلهم ممنوعون من استخدام أية وسائل إعلامية رسمية إلا ما تسعى له هذه الوسائل من إجراء مقابلات معهم بين الفينة والأخرى.
ثالثا: بعض المسائل الخلافية بين القاعدة والجيش الإسلامي
كما يقول الكثير بأن بيئة العنف لا تولد إلا عنفا، وقد سألت أحدهم في يوم ما عن مدى قدرة الجماعات الجهادية التزام الشريعة فعلا؟ فقال لي: لو كانوا كذلك لتوحدوا منذ زمن ولما ظهروا على جماعات عدة واستمروا في ظهورهم هذا، ولأننا مراقبين للوضع ولسنا متعايشين معه فلا أعتقد أن أحدا منا يمكنه تأكيد أو نفي مثل هذا الرأي.
منذ بدء تطبيق الخطة الأمنية ببغداد جرى الحديث عن خطة محكمة ستقصم ظهر الاحتلال، ولم يكن أحد يدري حقيقة ما هي الخطوة المنتظرة إلى أن اتضح أن معالم الخطة الأمنية هي هجمات إعلامية ضد تنظيم واحد هو تنظيم القاعدة ومن ورائه دولة العراق الإسلامية. وقلنا في حينها أنه ثمة فرق بين خطاب الفتنة وخطاب السياسة، وأن خطاب الفتنة لا بد له من هدف سياسي ولا ينفع الحديث عن الفتنة بقدر ما يجدي اتخاذ إجراءات عاجلة من قبل جميع القوى على الأرض لسد جميع الثغرات وقطع الطريق على المتربصين بأسرع وقت ممكن حتى لا يستغلها أحد. وها نحن نشهد في بضعة أسابيع وحتى أيام انشقاق كتائب العشرين وبعدها تأتي فتوى الشيخ حامد العلي ثم يأتي بيان الجيش الإسلامي ثم الإعلان عن تشكيل مجلس علماء العراق، وبعد ذلك يمكن توقع أي شيء آخر.
بطبيعة الحال لا تتهم هذه المقالة أية جماعة بالتكفير والغلو، وما سأكتبه هنا هو تصور مصدره واقع المنتديات التي تعكس بتصوري فضاءات إعلامية قوية جدا، وحوارات واسعة النطاق لمختلف الاتجاهات الدينية مما يجعلها تتمتع بتمثيل معقول يعكس إلى حد بعيد حقيقة الواقع الاجتماعي والسياسي والتنظيمي وربما الميداني، فمن شاء فليقبل هذا التصور ومن شاء فليرفضه، فهذا كل ما لدي ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فلنبدأ بتوضيح بعض الأمور.
1)رغم التحفظات التي أبديناها على اتهامات بيان الجيش الإسلامي للقاعدة، فما ورد منها تتناقله ألسن كثيرة منذ زمن بعيد، وسواء صحت هذه الاتهامات أو بطلت فلعلها نتيجة ثغرات في الأداء الإعلامي الذي قدمته القاعدة في العراق سهلت لهذه الاتهامات وغيرها سبيلا للنفاذ. وكان الأولى بها ملاحقة مثل هذه الاتهامات منذ البداية ومحاصرتها، ولعلها تعلم جيدا ويعلم أنصارها وأنصار السلفية الجهادية عموما بالكتابات المبكرة لأبي مصعب السوري والتي حذر فيها من خطورة آفة التكفير على المشروع الجهادي برمته في نص شهير له حول تجربته على الجهاد في الجزائر وكيف نجحت أجهزة الأمن العالمية ومؤسسات الأبحاث باستغلال هذه الآفة ضد الجماعات المجاهدة وتمكنت من اختراقها كما حصل في الجماعة المسلحة في الجزائر، بل أن الاختراق وصل إلى مستويات قيادية بما في ذلك أمير الجماعة ذاتها.
وإذا كان مثل هذا الأمر ينطبق على واقع الحياة الاجتماعية في العراق فهذا نذير بخطر شديد يتربص بالجميع من مجاهدين ومدنيين. صحيح أن أحدا من غير المجاهدين لا يستطيع التقرير بمصداقية مثل هذه المسائل كما يفعلون، وقد يبدو صحيحا أيضا أن الواقع مختلف تماما وكل ما في الأمر لا يعدو كونه تهويلا، ولكن الأصح أن فكرة التكفير ربما يكون مروجوها والمدافعين عنها، من الخصوم والأنصار على السواء، قد نجحوا في تفعيلها بحيث تستوطن الإعلام ومؤسساته وتغدو، كما لو أنها، حقيقة واقعة. وبطبيعة الحال سيتقاذفها الناس على اختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وسيكون صعبا دفعها بسهولة أو التحكم بها.
وفيما يتعلق باتهامات القتل فواقع الأمر أن العامة من الناس لا يعنيها إن كانت الاتهامات صحيحة أو باطلة بقدر ما يعنيها أنها اتهامات قائمة، وعلى فرض صحتها فلا ينفع بيان للتبرؤ منها وإدانتها لأن المطلوب في مثل هذه الحالات قطع دابر هذا السلوك ورد الحقوق لأصحابها إما بمعاقبة الجناة وإما بتقديم ما يبرر القتل وإلا أصبح توجيه تهم القتل، وليس القتل كما يقول بيان الجيش، مشاعا، وعلى فرض بطلانها فإن تناقلها على الألسنة كاف لإثارة الشبهة وتقديم المبررات لرواد الفتنة كي يعيثوا في الأرض فسادا. وهذا ينطبق على كل المظالم الأخرى وسواء تعلق الأمر بالجيش الإسلامي أو القاعدة أو أية جماعة أخرى.
2)لغة الاستعلاء والاحتكار وحتى التكفير كتلك التي تضعك بين خيارين إما مبايع فائز أو خائب خاسر. هذه بلا شك لغة استفزازية للآخرين ممن لم يبايعوا على الدولة ولا الإمارة، وهنا بالضبط سيكون سهلا على الجيش الإسلامي أو أية جماعة أخرى أن تظن بنفسها هدفا للتحقير والدونية والعصيان وهي ليست كذلك مما يجبرها على الشعور بأن الطرف الآخر يمارس احتكارا للجهاد ويقدم نفسه وحده كوصي عليه ودونه"إلغاء جهاد الآخرين". فالمديح الدائم، مثلا، للخطابات وكأنها معصومة، وحتى لأسخف المقالات والأخبار يأتي على خلفية"قل خيرا أو اصمت"، ومن يعلق عليها بمحتوى استعلائي، حينا، لا يفعل ذلك إلا من باب تسجيل المرور أو المبالغة في النصرة بلا مبرر. وبالتأكيد فالصمت ليس تعبيرا عن الرضى بقدر ما هو اختصار لطريق المواجهة وكظم للغيظ. ومن جانب آخر يأتي البعض إلى منتدى بمقالة أو خبر وتراه مرتجفا من تقريظه والتهجم عليه أو إلغاء عضويته فتراه يحذر من أنه مجرد ناقل ليس إلا! أما التعالي على الآخرين ما أن تختلف معهم في صغيرة أو كبيرة فهي إحدى السمات الرائجة في رحاب المنتديات، فإذا ما انتقد الجيش الإسلامي القاعدة أو اتهمها، حقا أو ظلما، ترى الدنيا تقوم ولا تقعد عند البعض ويغدو الجيش"صنيعة مخابرات فرنسية"أو هذه الدولة أو تلك، أو تسود لغة"بالناقص عنه"أو أن"أمره انكشف"كما حصل مع الشيخ حامد العلي وقس على ذلك حوادث كثيرة. وفي الحقيقة أكثر ما يلفت الانتباه في المنتديات سرعة الردود على أحداث كبرى أول ما تستدعيه التروي والصبر والتحقق وليس الرد السريع الذي غالبا ما يأتي متهورا واستفزازيا حتى لو اتصف بحسن النية.
3)إعلان الدولة الإسلامية. في الواقع، كما قلت، لست على علم شرعي كي أبدي رأيي بهذه المسألة، ولست أيضا على دراية دقيقة بالواقع السياسي والميداني للجماعات الجهادية في العراق كي يكون لي الحق في تأييد أو رفض هذه الدولة، ولكن لي بعض الملاحظات أو لنقل التساؤلات ليس إلا، فالواقع العراقي متشابك ومعقد ويمثل اليوم حدث الساعة في العالم أجمع وعلى مدار اليوم. ولا شك أنه ثمة اختلافات في السياسة والمنهج بين الجماعات السنية كافة، فمن ناحية يبدو بعضها قريبا من الآخر وبعضها بعيدا جدا وبعضها لا مبالي وبعضها انتهازي مائع ومتأرجح وبعضها ربما يميل لهذه الجهة أو تلك، ومن ناحية ثانية ثمة من يقاتل لدنيا وآخر يقاتل لدولة مستقلة وثالث يقاتل لدولة إسلامية في العراق فقط ورابع يقاتل للخلافة، ومن ناحية ثالثة ثمة من ينظر إلى الأنظمة السياسية العربية باعتبارهم طواغيت وآخر يعتبرهم أشقاء وثالث ينظر لهم بعين الريبة ورابع يعتبرهم متآمرين وحلفاء للأعداء، وعلى مستوى الجماعات المسلحة لدينا تنظيم القاعدة والجيش الإسلامي وجيش الفاتحين وأنصار السنة وكتائب العشرين وجامع والبعث وعشرات الكتائب الأخرى القريبة من هذا والبعيدة عن ذاك، وعلى المستوى السياسي لدينا هيئة علماء المسلمين والحزب الإسلامي وجبهة التوافق وغيرهم. والسؤال هو: إزاء هذا التنوع والتعقد، هل من الحكمة إعلان دولة إسلامية في العراق والطلب من هذه المجاميع، بهذه التشكيلات، مبايعتها؟ أم أن الحكمة قضت بإعلان الدولة لقطع الطريق على القوى العبثية كي لا تضيع جهود المجاهدين كما تقول القاعدة أو دولة العراق؟