في بعض الأحايين نلحظ مقارنات بين إعلان تشكيل الإمارة الإسلامية في أفغانستان وإعلان الدولة في العراق، بيد أن الفرق كبير إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الأولى تشكلت على أنقاض تشكيلات المجاهدين وصراعاتهم الدامية بعد الانسحاب السوفياتي من البلاد والحال في العراق ليس كذلك. قلت أنني لا أمتلك العلم الشرعي كي أبدي رأيي بالمسألة ولكن من وحي الواقع السياسي ألا تشعر القاعدة أنها تضخمت في العراق وحملت أوزار الآخرين في غير أوانها بفعل إعلان الدولة؟ نظريا ربما يكون الجواب صحيحا، ولكن واقعيا فكما يقولون:"أهل مكة أدرى بشعابها".
بقيت ملاحظة في هذا السياق، فالقاعدة هي إحدى الأدوات الضاربة لتيار السلفية الجهادية، ولكن تحولها إلى دولة ربما يكون ألحق بها الضرر من حيث لا تدري. فهي انتقلت من تنظيم لا مركزي، ولكنه شديد الصرامة وقادر على السيطرة ومراقبة جميع عناصره وتشكيلاته المسلحة، إلى تنظيم يتحدث عن نفسه رفقة جماعات أخرى بوصفه جيش الدولة. والسؤال: ألا يمكن أن يشكل هذا التحول مدخلا للغلو؟ ثم من يضمن ألاّ تعبث بعض القوى والمجرمين بأمن الناس ثم يجري تحميل المسؤولية للقاعدة ومنها إلى الدولة؟ وفي حالات مماثلة من الاختراق أو الغلو أو التستر أو الادعاء، وبقطع النظر عن الفتوى وظروفها، ألا تبدو نصيحة الشيخ حامد العلي بالعودة إلى الوضع الفصائلي أكثر جدوى وأأمن على المشروع الجهادي؟
بالتأكيد لا نستطيع الإجابة، ولو أن التبريرات التي قدمت لإعلان الدولة كانت كافية وصريحة للعامة وللنخبة لما كانت الطعون فيها بهذه السهولة، ولما اضطر الكثير لإثارة التساؤلات بين الحين والآخر والتوجس الدائم من قادم الأيام.
4)ثم لا بد من إيراد مسألة بالغة الأهمية وهي اشتراط الفقه على العامة كما لو أن العامة على توحيد كامل، والحقيقة أنه لا العامة قادرة على تقبل التوحيد الكامل ولا الأمة مهيأة لتعيش لحظة حرية بعد. فإذا كان المجاهدون على صبرهم وعظمتهم وتضحياتهم، في أيامنا هذه ونمط حياتنا هذا وطول عقود أو قرون غياب الشريعة، يمكن أن يقعوا في الخطأ وربما الشرك من حيث يدرون أو لا يدرون فكيف بعامة الناس التي وصفها سيد قطب في يوم ما بأنها تعيش جاهلية القرن العشرين؟
وأذكر في هذا السياق توصيات د. نوري المرادي التي وجهها إلى فصائل المقاومة العراقية أنقل فيها ما ورد في البند الثاني:"أن يخفف فصيل قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اشتراط الفقه على العامة، فلا يضع معها سياسة الحرب في غير موضعها".
وحين ألقى الشيخ البغدادي خطابه الأخير كنت بحق مشغولا بخطاب الظواهري ولم يتسن لي تحليل خطاب البغدادي، والحقيقة أنني امتنعت عن ذلك لأن مضمون الخطاب بدا لي مليئا بالطلاسم التي تحدث عنها بيان الجيش الإسلامي فضلا عن بعض المواقف والفقهيات التي شعرت أنها سهلة المنال في الظروف الحالية، وخشية من الفتنة آثرت الصمت لأن الناس لا يهمها المسائل التوافقية التي لا يختلف عليها أحد بقدر ما يهمها التوقف عند الاختلافات مهما صغرت. ومن هذه الاختلافات سأعقب على مسألة تحريم الأطباق اللاقطة.
فالتلفزيون هو جهاز عام من أساسيات أي منزل ومن أساسيات الإعلام المعاصر ومن المستحيل الاستغناء عنه بالسهولة التي يجري بها تحريمه، فضلا عن أنه موضوع إثارة بالغة بما أنه يمس العامة من الناس، أفرادا وجماعات، لا فقط هذه الشريحة أو تلك. وكباحث أكاديمي كنت قد أنجزت دراسة عن المجتمع والفرد في الفضاء السيبيري (فضاء الانترنت) وتطور العلوم الرقمية، وأذكر أن بل غيتس صاحب شركة مايكروسوفت قال في تصريح خطير جدا قبل ثلاثة سنوات: أننا ما زلنا في مرحلة نزع القشرة عن العلوم الرقمية مما يعني أن أحدا لا يمكن له أن يتنبأ أين تصل مدياتها. ونفس الرجل قال قبل بضعة أسابيع أننا بصد دمج التلفزيون في الكومبيوتر في السنين الخمس القادمة مما يجعل هذا الجهاز التقليدي في خبر كان، هذا فضلا عن أن البث عبر الانترنت سيغدو مع المستقبل القريب جدا متماثلا مع البث الفضائي وبأسعار ضريبية وليس اشتراكات شهرية أو سنوية، وسؤالي هو: كيف يمكن الإفتاء بقضايا تقنية ذات حساسية بالغة وتتقدم بسرعة مذهلة لدرجة أن العالم من البيت إلى الشارع سيتركب على منتجات العلوم الرقمية؟ ألم يكن من الأولى استشارة خبراء ومتخصصين في هذه المسألة قبل إصدار الفتوى؟ ألم تستغل هذه الفتوى للطعن بالقاعدة والدولة على خلفية ما يروج من تفتيشها للبيوت بحثا عن المستقبلات والأطباق الطائرة؟ ثم لماذا تقحم القاعدة نفسها في مسائل، بالقطع، ليس هذا أوانها؟
لا شك أن العالم استمتع كثيرا بشخصية جوبا القناص المسلم الفذ الذي يتربص بأعدائه الدوائر، فقد أثبت جوبا، صاحب العضلات المفتولة المتمتع بمواصفات المقاتل الإسلامي العالمي الذي أخذ على عاتقه مهمة دفع صائل الجبابرة من القوى المعادية، وذو الرصاصة السهم التي لا تخطئ عدوها، صلابته وشجاعته والتزامه بعمله وبالمهمات الموكلة إليه بصورة أثارت الإعجاب والتقدير لكل من شاهده، ولعل الفضل في سمعة الجيش الإسلامي تدين بالدرجة الأساس لجوبا، إذ أنه ببساطة كان وما يزال كل الجيش الإسلامي الذي انفرد بجدارة بهذا النمط من المواجهة ما يدفع إلى الحسد والغيرة، وفي حين أن العالم الإسلامي، صغيره وكبيره، جعل من جوبا مثله في الإرادة والقتال والبطولة والثبات والإثخان في العدو والرجولة في زمن تعز فيه الرجولة حتى بات العدو الضحية هو وحده الذي لا يعجبه جوبا. ولكن ما يؤسف له أن بيان الجيش الإسلامي ظهر كرصاصة جوبا التي مست هذه المرة، ليس القاعدة وحدها، بل كل العالم الإسلامي الذي بات لسان حاله كمن يقول: لِمَ يا أخي؟ لِمَ يا جيشي؟ أكنت شريرا لهذا الحد؟ وهل أنا العدو؟
فالبيان تعامل مع القاعدة باعتبارهم قوم من العدوانيين والشريرين والاستعلائيين ووو، وإذا كان البيان يتساءل عن عدد التهم المتبقية في جعبة القاعدة كي تستعملها في الخطابات القادمة فالحقيقة أن الجيش لم يتبق له من التهم لكي يضيفها في البيان رغم أنه يشير على أن ما خفي كان أعظم. وهذه لغة أبعد ما تكون عن العتاب خاصة وأنها تقع في مرمى الإعلام وليس في مرمى الحوار الداخلي.
بالتأكيد لا يمكن لعاقل ولا لمسلم موحد أن يتقبل القتل وكأنه نزهة لأن مثل هذا الأمر يودي به في الجحيم والغضب الإلهي، وأولى بالمجاهدين أن يتحرصوا في مثل هذه المسألة فلا يستبيح أحدهم القتل إلا بشروطه الشرعية وفي أضيق الحدود. وكما قلنا فبيئة العنف تولد العنف، ولا يوجد في العالم أجمع ولا في التاريخ أن اجتمعت أمة لدحر الغزاة عنها دون أن يقع منها وفيما بين قواها تجاوزات هنا أوهناك لمليون سبب وسبب، ولكن تبقى مصلحة الجميع في طرد المحتل هي الأهم، ودون ذلك الوقوع في الفتنة والاقتتال وضياع الجهود. والمعلوم أيضا أن القوى المعادية لا يمكن لها أن تترك الساحة لخصومها وهي تتلقى الضربات الواحدة تلو الأخرى، ولا بد من توفر أقصى قدر من القناعة والحكمة بأن أية نتيجة منحرفة هي بالقطع من فعل القوى المعادية وعملائها بما في ذلك تصعيد نبرة التكفير التي بات يتحدث فيها كل من هب ودب بحيث تبدو الصورة المقدمة عن الجهاد في العراق عبارة عن جماعات سلفية جهادية تكفيرية ليس الجيش الإسلامي أو غيره من الجماعات بعيدا عنها، وأخرى متناحرة أو أنها قاب قوسين أو أدنى من التناحر.
لا أعتقد أننا وقعنا في يوم ما على بيان من القاعدة تشكو فيه ظلم الجماعات الأخرى، ولكننا سمعنا الكثير ممن يسمها بممارسة القتل دون مبالاة وكأنها ذهبت للعراق حبا في القتل، وهي لغة لو صدرت من العدو لاحترز من توجيه تهم عشوائية لن تفضي لأية نتيجة تخدم مخططاته أو مصالحه، وإذا كانت القاعدة تقتل من لا يعجبها من مؤذنين وأئمة وأفراد هنا وهناك فكيف سيحتضنها المجتمع؟ ومن سيدافع عنها أو يؤويها؟ ولماذا تقاتل أعدائها؟ وهل قتل آلاف العناصر والقادة منها وقع بأيدي الجماعات الأخرى أم بأيدي القوى المعادية؟
لذا من الأجدى قبل توجيه أية اتهامات، لأي طرف، وجوب التحقق الكامل والفوري من الحوادث مثار النزاع وليس المسارعة بالاتهام أو تبني اتهامات أطراف أخرى لم تثبت كما هو الحال، مثلا، بالنسبة للشهيد حارث الضاري، كما أن الواجب الديني والأخلاقي والحقوقي يفرض على الجيش الإسلامي وكل الجماعات الأخرى، إن كانت مهتمة حقا بآخرتها، أن تتحقق بتجرد ولغاية مرضاة الله من اتهامات موجهة بحق عناصرها أو بحق الآخرين.
في دراسة مؤسسة"راند"كانت الفكرة ذات الأولوية هي عزل القاعدة عن بقية"الجماعات الإرهابية في العالم"وليس عن بقية الجماعات الجهادية أو حركات التحرر، فكل القوى المعادية لهم إرهابيون وشعوبهم إرهابية ودينهم إرهابي وحتى نبيهم إرهابي، أليست هذه لغة الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة؟ ومن الجدير التذكير بأنه قبل غزو العراق واحتلاله كان البلد قد تعرض لحصار ظالم وجائر ولم يكن السبب، آنذاك، وجود القاعدة في العراق ولا تحالفها مع صدام حسين، وفي فلسطين لم تكن حماس قاعدة حتى تفرض الولايات المتحدة هذا الحصار الجائر على الشعب الفلسطيني حتى اليوم، وفي لبنان لا توجد قاعدة حتى تدمره إسرائيل نيابة عن الولايات المتحدة، فالعدو بالنسبة للغرب والولايات المتحدة خصوصا ليس القاعدة وحدها بل كل من يقاوم المشاريع الأمريكية، فلماذا نبلع الطعم تلو الآخر ونقع في الخديعة تلو الخديعة والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين! فهل كنا مؤمنين حتى نلدغ من الجحر ألف مرة؟ فعلى أي أساس بلعت القوى السنية وبعض الجماعات الجهادية الطعم الذي ألقت به"راند"؟
رابعا: مستقبل المشروع الجهادي في العراق في ضوء الأحداث الجارية
لا بد من تقرير بعض المسائل فيما يخص مستقبل المشروع الجهادي في العراق، ومنها:
1)هوية تنظيم القاعدة في العراق
الاعتقاد الذي تم ترويجه بين الناس، ولمّا يزل، وحتى بين عامة الجماعات الجهادية في العراق مفاده أن القاعدة هي تنظيم وافد وليس تنظيما محليا، هذا ما يحتج به الحزب الإسلامي الذي صرح زعيمه طارق الهاشمي قبل أيام أن الحكومة على استعداد للتفاوض مع جميع الجماعات المسلحة في العراق إلا تنظيم القاعدة، وهذا ما يصرح به الكثير ابتداء من الحكومة وانتهاء بأغلب القوى السياسية الشيعية وحتى بعض القوى السنية. هذا الاعتقاد هو المشكلة الخفية التي قد تنفجر في أية لحظة وتصيب الكثير بالذهول. فهذا الاعتقاد صحيح بحدود معينة، فالقاعدة قاتلت بلا اسم في الشهور الأولى تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي الذي أسس فيما بعد جماعة التوحيد والجهاد، ولكن بعيد صدور بيان الـ 26 عالما في السعودية (5 - 11 - 2004) والذين أفتوا بجواز ذهاب الشباب إلى الجهاد في العراق باعتباره محتلا جاءت الطعون في الفتوى على خلفية غياب الراية، وتساءل بعض الشيوخ حينها: تحت أية راية سينضوي هؤلاء الشباب ويقاومون ويُقتلون؟ فما كان من بن لادن إلا أن أعلن عن تشكيل"قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين"وتعيين الزرقاوي أميرا لها لسد ذريعة غياب الراية. ويعلم الجميع أن التنظيم بذل جهودا جبارة في المقاومة، وكان مخزونه البشري يتكون بالدرجة الأساس من العرب والمسلمين وبدرجة محدودة جدا من العراقيين. غير أن هذا المخزون نفذ وأعلن التنظيم أواخر العام الماضي عن مقتل أكثر من أربعة آلاف من مقاتليه في العمليات عدا المعتقلين، وفي إحدى الدراسات الغربية أشارت الإحصائيات إلى ما نسبته 10% فقط من المقاتلين في العراق هم من الأجانب، بل أن أحدث التصريحات (الجمهورية المصرية، 7/ 4 /2007) وردت في تقرير استراتيجي أعده ضابط أميركي كبير بعد عودته من العراق هو الجنرال باري ماكفري الأستاذ بأكاديمية ويست بوينت العسكرية الأمريكية الذي قال"أن من بين أكثر من مائة ألف مقاتل هم قوام الجماعات المسلحة في العراق"ليس بينهم أكثر من 500 مقاتل أجنبي"! أي ما نسبته 0.05%! فماذا يعني هذا الرقم لمن يزعم أن القاعدة تنظيم وافد؟ يعني ببساطة أن القاعدة أمست تنظيما محليا وليس وافدا، وبدلا من التبجح والعنترة والتضليل ينبغي مواجهة الحقيقة التي لن تعجب المتربصين لأن الأعداء على علم بذلك."
2)توجهات الجماعات الجهادية
أيا كانت توجهاتها فهي في معظمها لا تخرج عن (1) تشكيلات ذات طابع علماني و (2) أخرى ذات طابع إسلامي وطني و (3) ثالثة إسلامية ذات طابع مرحلي فيما يتعلق بالحاكمية و (4) إسلامية ذات طابع عالمي. بمعنى أن بعض الجماعات يسمح لها توجهها بالاستمرارية، ولا يشكل العراق بالنسبة لها إلا منطلقا نحو إقامة الدولة الإسلامية وإقامة الخلافة كتنظيم القاعدة والجماعات الأخرى المنضوية في إطار دولة العراق الإسلامية، ومنها جماعات تؤمن بما تؤمن به القاعدة ولكنها مرحلية التفكير والعمل كالجيش الإسلامي، أما النوعين الآخرين فيؤمنان بمفردات التحرير والاستقلال والتعايش الوطني بعيدا عن أية توترات سياسية أو طموحات أو مرحلية ما.
وبطبيعة الحال ليست هذه التقسيمات إلا من باب التوضيح وليس الحسم بالتوجهات الجوهرية للجماعات، فلكل منها قراءاتها واجتهاداتها ومبرراتها، وقد توجد قوى أو جماعات لا تنضوي تحت هذا التيار ولا ذاك، والمهم ملاحظة التنوع والاختلاف في أطروحاتها.
3)ثمة سعي حثيث لدى الجهات السنية لاحتواء الساحة الجهادية في العراق، ومثل هذا الأمر لم يعد خافيا. فتشكيل حماس العراقية كان الهدف منه واضحا وهو طرح إطار تمثيل سياسي افتقدته ساحة الجهاد في العراق. وفي بيان الانشقاق عن كتائب العشرين أعلنت حماس أنها ستطرح نفسها عبر تشكيل عسكري يسمى حماس - العراق وبموازاته"بناء مؤسسات ومكاتب سياسية وإعلامية وقانونية كجزء من المشروع السياسي المتكامل"، وتلا ذلك إعلان تشكيل"مجلس علماء العراق"بغرض"سد الفراغ في ساحة العمل الشرعي والفقهي في العراق"، هكذا حدد مهمته في البيان الختامي، وبالتأكيد فقد جرى وما زال يجري التمهيد لمشروع سياسي ما في العراق.
وما نلاحظه بناء على كل ما سبق أن الفعل السياسي في الساحة العراقية في طريقه إلى التبلور غير آبه بأية عواقب أو مجازفات قد تكون خطرة جدا، فإذا كانت المشكلات الواقعة مع تنظيم القاعدة هي مشكلات ميدانية وسلوكية تتعلق في مخاطر تهدد المشروع الجهادي فعلى القاعدة تقع مسؤولية كبرى في إزالة الغموض والقيام بمصالحة عامة وشاملة مع كل التيارات الجهادية بقطع النظر إن كانت مدانة أو بريئة ولكن من باب سد الذرائع وقطع الطريق على مصادر الفتنة، وهذا أولى أن ينطبق على الجيش الإسلامي ولا يشترط شروطا أحسب أن أحدا لن يوافقه عليها كالطلب من قادة القاعدة بالتدخل لأنه يعرف أن الرجل تغيب عن أحداث عظيمة سابقة ولولا أن ظروفا قاهرة تمنعه من الظهور لكان فعل، فالمسائل الأمنية بالذات عزيزة على القاعدة لأن رأسها مطلوب للجميع، ثم ماذا لو كان الرجل قد أفضى إلى ربه فهل تعلق مثل هذه المسائل الحساسة والعاجلة على مشجب الغيب والتخمين؟ وهل كلما حصل خلاف بين جماعة وأخرى توجه البعض إلى بن لادن كي يحسم المسألة؟ أهكذا يدار الجهاد وكأن قادته قاصرون؟ أو كما لو أنه بلا قيادة شرعية أو ميدانية أو سياسية؟
آخر ما يمكننا قوله أنه إذا صلحت النوايا ولم يكن ثمة مراهنات سياسية فمن الممكن رأب الصدع وإعادة اللحمة والسكينة إلى الجميع كي يتفرغوا لمقاتلة أعدائهم والاستعداد للمراحل القادمة بشرط أن يتفق الجميع على ما يشبه العهد بينهم تدعمه لجان لفض النزاعات والخلافان على الفور. أما إذا كان هناك ثمة مراهنات سياسية فأحسب أن هذه المقالة لن يكون لها أية قيمة فيما أوردته من تحليلات. وما يمكن قوله في هذه الحالة أن الجيش الإسلامي ومن هم في خطه سيكونون أكثر الخاسرين، إذ أن معاداة القاعدة وتمسك الجيش بمنهجه، وسط عملية سياسية مشبوهة، لن يكون له أي معنى أو فائدة تذكر، وسيحول بينه وبين أية مكاسب سياسية مستقبلا لأن إقامة دولة إسلامية غير مسموح به على الإطلاق فضلا عن أن القوى الأخرى لن تقبل به إلا إن غير منهجه، وإن ثبت هذا الأمر في الأيام والأسابيع القادمة فسيعني، على الأرجح، بداية قوية جدا لدخول الساحة الجهادية في حالة استقطاب محموم بحيث تنضم بعض الجماعات القريبة من القاعدة إلى البغدادي فيما تنضم الأخرى إلى جناح قد يعلِن عن نفسه بين الفينة والأخرى كممثل سياسي للمقاومة، وسيكون مجلس الإفتاء الجديد جاهزا لتشريع هذا السلوك وتحريم ذاك. إذا ما أثبتت الأحداث هذه الافتراضات فستكون"راند"قد حققت اختراقا جديدا، وسيكون العراق مقدما، لا محالة، على حرب أهلية ليس من المستبعد أن تضرب المشروع الجهادي في الصميم.
نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009