فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 167

د. أكرم حجازي

بعد حملات إعلامية تمهيدية شنها العديد من الكتاب الموالين للسعودية، نجح الموقف السعودي مؤخرا في تحقيق أول اختراق من نوعه في الموقف العربي من الصراع مع إسرائيل منذ قيامها وحتى الآن. فلم يسبق أبدا أن تجرأ نظام عربي على نقد تيار مقاومة مسلحة للكيان الصهيوني إلى الدرجة التي يحمله فيها وحده مسؤولية ما يجري من حرب عدوانية مفتوحة على لبنان. ولا شك أن قيمة الاختراق السعودي تقع في مستويين:

مستوى الدولة: إذ أنه مهد الطريق لدول أخرى كي تجاهر في التعبير عن ذات الموقف المندد ولو بصيغة أقل كما هو حال الموقفين المصري والأردني، زيادة على مواقف مماثلة بعضها علني كالكويت وبعضها الآخر لازال متحرجا من المجاهرة به.

مستوى المجتمعات: إذ من الممكن ملاحظة شريحة اجتماعية قليلة أو كثيرة تتبنى الموقف السعودي.

هكذا سنكون في إطار أمة منقسمة سياسيا واجتماعيا على قضايا مصيرية في حالة تشبه إلى حد كبير الانقسام الذي عاشته الأمة العربية إبان الغزو العراقي للكويت سنة 1991. بيد أن خطورة الانقسام الحالي كامنة في كونه يمس المقاومة للمرة الأولى وليس النظام السياسي. فما هي حيثيات الموقفين؟

بالنسبة للموقف السعودي فهو بات يرى أنه يجب التمييز بين المقاومة الشرعية والمغامرات غير المحسوبة كما جاء في التصريح الرسمي، غير أن محتوى التمييز لم يكن واضحا ولا معروفا، فمن الصعب الحديث عن مقاومة شرعية وهو مصطلح جديد كل الجدة غير محدد المعالم سواء من حيث مفهوم المقاومة أو مفهوم الشرعية، فمتى يمكن اعتبار عمل مقاوم مثلا يحظى بمشروعية؟ ومتى يمكن اعتباره مجرد مغامرة غير محسوبة؟ ثم من هي الجهة المخولة بتحديد شرعية عمل مقاوم من عدم شرعيته؟ ثم إلى أي حد يسمح العمل المقاوم باستئذان (من) أو تنسيق (مع) أحد؟ وفي الحقيقة يمكن طرح عشرات التساؤلات التي يتوجب الإجابة عليها إذا ما أريد ضبط الأمور بطريقة موضوعية لا تنتهي كما يحصل بانقسام وتراجع عن تحمل المسؤولية وكأن المسألة باتت شخصية ليجري الحديث مثلا عن"إن المملكة ترى أن الوقت قد حان لان تتحمل هذه العناصر وحدها المسؤولية الكاملة عن هذه التصرفات غير المسؤولة وأن يقع عليها وحدها عبء إنهاء الأزمة التي أوجدتها".

أما الموقف المغاير فيرى أن الموقف العربي المتماهي في بعضه مع الموقف السعودي فيعبر عن عميق استهجانه واستغرابه لجهة أن المشكلة لم تكن بالمقاومة التي هي رد فعل بل بالاحتلال الذي يصنع الحدث ويفاقم من المشكلة. ففي كل المستويات العربية الرسمية والشعبية ومن أقصى اليمين إلى أقصى اليسار يعلمون جيدا أن مصيبة المصائب تكمن في إسرائيل وليس في المقاومة، والاستهجان الذي يعبرون عنه يمكن تلخيصه ببضعة نقاط مركزية:

• إن الموقف السعودي فاجأ كل قوى المقاومة في العالم العربي بالقدر الذي فاجأ الشعوب، وهو إن كان جريئا كما يرى البعض فلأنه لم يكن مألوفا أبدا ولأنه يصب في خانة الأطروحة الأمريكية والإسرائيلية بحيث يمثل بشكل مباشر أو غير مباشر تغطية للعدوان الإسرائيلي ويشجع هذه الأخيرة على المضي قدما بضرب كل نواة مقاومة سواء كانت شرعية أو غير شرعية، بل أنه يدفع إسرائيل إلى الاستقواء بالموقف العربي على المقاومة وعلى الشعوب معا مما يجعل الهوة بين الأنظمة وشعوبها تزداد اتساعا وصولا إلى صدام لا مفر منه، وهو طريق بالغ الخطورة قد يعني اندلاع حروب أهلية وإدخال العالم العربي في بوتقة التقسيم الحتمي والتفتت والتشرذم بما يخدم المخططات الأمريكية.

• إن الموقف السعودي ومن ورائه بعض المواقف العربية مستهجن ويبعث على الذهول لاسيما أنه يعبر ليس فقط عن نقده لحزب الله بل عن رفضه لأطروحة المقاومة برمتها، والدليل على ذلك سلسلة الضغوط الهائلة التي تعرض لها الفلسطينيون بعد أسر الجندي الإسرائيلي في عملية الوهم المتبدد، حتى أن الوساطة المصرية التي طالبت بإطلاق سراح الجندي دون قيد أو شرط ثم تراجعت إلى وجود ضمانات بإطلاق بعض الأسرى على دفعات بالغت في تهديداتها إلى درجة فرض عقوبات على قطاع غزة، وبع رفض الوساطة المصرية أعلنت مصر بلسان رئيسها أنها أنهت تدخلها بدعوى وجود ضغوط من أطراف إقليمية تحول دون نجاحها ولا شك أن المقصود بها سوريا وإيران، وأن تفجر الموقف السعودي غيظا إثر عملية الوعد الصادق لحزب الله لم يكن إلا ذريعة للهجوم على نهج المقاومة وليس على حزب الله بعينه.

• إن الغالبية الساحقة من الدول العربية بما فيها سوريا مارست صمتا مطبقا على الجرائم اليومية التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، وقد بلغ هذا الصمت مداه الفاضح من العجز الكلي عن إدانة أبرز جريمة قتل نفذتها الدبابات الإسرائيلية ضد عائلة الطفلة هدى غالية وهي على شاطئ البحر وبقذيفتين فشلت الأولى ونجحت الثانية بإصابة الطفلة بحالة من الهستيريا، فكيف يتجرأ العرب على إدانة المقاومة فيما يفشلون بإدانة جريمة حرب إنسانية صارخة؟ مسألة تدعو فعلا للدهشة خاصة وأن الجريمة وقعت قبل أسر الجنود الثلاثة في لبنان وفلسطين ناهيك عن سلسلة الاغتيالات والجرائم اليومية التي لم تتوقف قط.

• لقد اعتبر عرب الإدانة أسر الجنود اليهود بغرض فك أسر آلاف المواطنين القابعين في السجون الإسرائيلية منذ عشرات السنين عمليات إرهابية ومغامرات غير محسوبة! بينما لم تستطع أية مبادرة دولية أو وساطة أو عبر عملية سلام أن تنجح في تحرير أسير واحد حتى بدا هؤلاء وكأنهم حبيسي القدر وليس العدو، فتم وضعهم في خانة النسيان التام وعدم اعتبارهم لا أولوية ولا في أية أجندة، ثم أن لهؤلاء أهل وأبناء وعائلات فلماذا تنشط الجهود وتتفجر المواقف العربية لإطلاق سراح الجنود بينما لم يصدر تصريح عربي واحد في يوم ما يذكر فقط بوجود أسرى يستحقون الحياة والعودة إلى أهلهم؟ ولماذا تدان عمليات أسر الجنود وتعتبر إرهابا واعتداء على دولة مستقلة ولا تدان تعنت إسرائيل ومماطلاتها في إطلاق سراحهم رغم توقيع عديد الاتفاقات؟ ولماذا تُمارس الضغوط لإطلاق سراح الجنود اليهود وتطالب المقاومة بالكف عن توتير الأجواء وتوريط الأطراف العربية بحروب هي في غنى عنها؟ وتبدو حرية ثلاثة جنود أثمن من حرية آلاف الأسرى؟

• بحسب التصريح الرسمي السعودي أو مواقف عرب الإدانة فقد بات من غير المسموح للمقاومة أن تمارس حقها في الدفاع عن نفسها بعيدا عن التنسيق والتشاور مع حكوماتها أو مع الحكومات العربية، ربما بهدف تحديد ما هو شرعي أو غير شرعي من أعمال المقاومة أو لتقدير مدى التداعيات المحتملة بحيث يبدو العمل المقاوم مغامرا أو عقلانيا. والحقيقة العقلانية قد تقبل بهذا الطرح لو أن الحكومات العربية مثلت في يوم ما مصدرا للثقة. فمن الثابت تاريخيا وعمليا أن المقاومة هي تمرد على وضع ظالم غير مقبول لا أخلاقيا ولا إنسانيا بعكس النظام السياسي للدولة الباحث عن الأمن والأمان والاستقرار مما يجعل العلاقة بين المقاومة والدولة علاقة شك وريبة. فإذا ما أضفنا إلى ذلك أن أغلب الأنظمة العربية تعاملت مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني واللبناني والعراقي ومثلهم باعتبارهم قضايا أمنية وليس قضايا سياسية وحقوق مغتصبة ومظالم كبرى فكيف يمكن خلق ثقة بين المقاومة والدولة؟ وفي السياق نذكر فقط أن أغلب الدول العربية لم تتقبل فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعة وأوصدت بوجهها الأبواب وقطعت التنسيق معها وهدمت كل الجسور وكذا فعلت مع حزب الله رغم أن حماس قبلت بمبادئ اللعبة السياسية وصرح رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل بأن أحدا لم يعرض علينا مشروعا حتى نبدي رأينا فيه. ثم وبدون مقدمات إلا من الصمت المطبق يخرج البيان السعودي ليطالب بتنسيق وتشاور قبل الإقدام على عمل غير محسوب، ولا أدري كيف تستقيم المعادلة؟

• لقد أصر الموقف السعودي على رأيه حتى في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذين رفض بعضهم تضمين البيان الختامي أية إدانة للمقاومة، ومن الطريف فعلا أن يستدل المعارضون للموقف السعودي بأن إسرائيل لم تستشر العرب في جرائمها التي ترتكبها طالع كل صباح، ولم تستشر العرب في هجومها على لبنان وتدميره وقتل سكانه، ونحن نتساءل لماذا تحاول السعودية فرض رؤيتها على الآخرين ولا تستطيع فرضها على إسرائيل؟ وفي السياق لا بد من الإشارة إلى أن خلو البيان الختامي من الإدانة أو تبني الموقف السعودي لم يعد يعن أن الموقف سقط بقدر ما بات يعبر عن حالة ستحسم الأيام القادمة مدى تأثيرها في الموقف العربي عموما لاسيما وأن سوريا التي تعرض مندوبها لهجوم من قبل الوزير السعودي ليست بمنأى عن تهمة النفاق السياسي التاريخي تجاه القضايا العربية الكبرى، وليس موقفها في المشاركة مع التحالف الغربي في حرب الخليج الثانية ببعيد عن الذاكرة مثلما هو موقفها الرافض رفضا قطعيا فتح جبهة الجولان المحتلة أمام المقاومة السورية أو العربية.

• لقد أقدمت إسرائيل على إعلان حرب على غزة ولبنان وممارسة قتل وتدمير شامل على خلفية أسر المقاومة لثلاثة جنود، والسؤال البسيط هو: بأية شريعة يساوي أسر جندي أو اثنين اغتيال أمة وتدمير دولة وتخريب مجتمع؟ ولا حتى في شرائع الغاب يحدث ما يحدث، ولكن من الواضح أن العرب باتوا أحط المخلوقات البشرية على سطح هذا الكوكب بدعم أمريكي بلا حدود وتواطؤ غربي إن لم يكن دعما صريحا لدى البعض، وبدلا من التفتيش عن الأسباب جاءت الإدانة أسهل وبما يتطابق مع الأطروحات الإسرائيلية التي أشادت بالموقف السعودي وأثنت عليه.

• ومن المدهش أيضا أن الموقف السعودي جاء في وقت تعرف فيه السعودية وكل العالم أن إسرائيل والولايات المتحدة هما اللتان خربتا ما يسمى بعملية السلام، ولم يكن الفلسطينيون هم المسؤولون ولا العرب عن حقيقة كذبة كبيرة يجري تسويقها على ظهور العرب وضحيتها الفلسطينيون بالتحديد اسمها عملية السلام. ومع ذلك رأى كتاب الإدانة أن المقاومة هي التي تفشل العملية كلما حصل تقدم، ولا أدري أنا كاتب هذا المقال ولا غيري على ما أظن أي تقدم حصل في عملية السلام المزعومة منذ أوسلو وحتى الآن؟ ولا أدري لماذا فشلت ولم يدعمها أحد من الشعوب؟ ولا أدري متى نجحت وأفشلتها حماس أو الجهاد؟ ولا أدري ما هو موقف عرب الإدانة من إعلان عمرو موسى في أعقاب اجتماع وزراء الخارجية العرب عن موت التسوية والاتجاه نحو رفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي بعد أن ثبت أنها ضحك على العرب وأن العرب لن يسمحوا لأحد بأن يضحك عليهم بعد الآن؟

والآن يأتي دور السؤال الكبير: إذا كانت إسرائيل لا تتحمل أسر جندي فهل سيبقى العرب رهينة التدمير كلما نجحت المقاومة في عمل ما؟ هل يعقل أن نعجز عن حماية بلادنا بسبب جندي؟ أو حتى لو كانت مغامرة من البعض؟ هل يجوز أن تلجأ إسرائيل إلى تدمير دولة كلما تعرضت لمقاومة ممن تُحتل أرضهم وتغتصب حقوقهم ويُعتقل أبناءهم وتُخطف حكومتهم ويُحاصر مجتمعهم ودولتهم؟

يتساءل سياسي عربي: أين هي دفاعات العرب؟ ويتساءل صحفي: أين مليارات الدولارات التي تنفق على الأسلحة؟ وماذا يفعل العرب في مخازن الأسلحة المكدسة لديهم؟ لماذا يشترونها إذا كانوا لا يستعملونها ضد أعداء الأمة؟

صباح يوم الأحد قصف حزب الله أهدافا في مدينة حيفا، وردت إسرائيل بقصف أهداف مدنية، وسئل ناطق باسم الخارجية الإسرائيلية: ما الذي تريدونه من حزب الله؟ فقال: يجب نزع سلاحه لأنه ليس من المعقول أن نبقى رهائن بيد أسلحته؟ وسؤالي هو: كيف تتحول الدول العربية إلى رهائن بيد أسلحة إسرائيل بينما تبيت هذه الأخيرة رهينة بسلاح حزب ظهر كجمعية خيرية قبل أن يتحول إلى مقاومة؟ مجرد مقاومة؟

بالتاكيد لست أنا من يجيب، ولكن أحد المحللين العرب يقول بصراحة أن للدول العربية أجندات سرية مع الولايات المتحدة غير الأجندات المعلنة أمام شعوبها. وأكاد أجزم أن القليل القليل من الدول العربية له أجندة وطنية، أما الغالبية الساحقة بما فيها سوريا فليس لها أية أجندة وطنية لا سياسية ولا اجتماعية ولا اقتصادية ولا علمية وليس لها أي تصور لكينونتها في إطار العالم، فهي لا تدري متى تتحالف ولا مع من تتحالف ولا يعنيها من قريب أو من بعيد كينونتها بقدر ما يعنيها استمراريتها. ومن الواضح أن الأجندة الوحيدة التي تمتلكها هي الأجندة الأمريكية والإسرائيلية، ذلك أن الخشية الدائمة من التورط تثبت بالقطع غياب أية استراتيجية وطنية ومبدأ الدفاع الذاتي والحصانة الوطنية قائمة بالدرجة الأساس على الاحتماء بمصادر الخطر بدلا من مواجهته. ولعل سائل يسأل: ما هي النتيجة المتوقعة لهذه الحرب والتي من المؤكد أنها ستنتهي عاجلا أم آجلا؟ والجواب يقع في احتمالين:

• إذا نجح حزب الله في الصمود فسيعني قطعا تغير في موازين القوى والدخول في مرحلة صراع جديدة مع إسرائيل والولايات المتحدة يستفيد منها العرب والفلسطينيون سياسيا ويضطر الإسرائيليون إلى التراجع تحت ضغط دولي شديد كي لا تتفجر الأوضاع إلى حروب إقليمية طاحنة لا تستطيع تحملها إسرائيل ولا غيرها. ولكن أي نصر لحزب الله سيعتمد بالدرجة الأساس على مدى تماسك الجبهة الداخلية بحيث لا تنخرها الانقسامات التي قد تؤدي إلى سقوط جديد يشبه سقوط بغداد.

• أما إذا نجحت إسرائيل في تضييق الخناق على حزب الله فستعمد إلى ضرب الفلسطينيين بشدة وتفكيك بناهم التحتية ونزع أسلحتهم وإجبارهم على قبول شروطها في التسوية. وسيعني مثل هذا الأمر تراجعا كبيرا جدا في مستوى المقاومة قد لا يبدو مريحا لا للعرب ولا لإسرائيل إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن أطروحة السلفية الجهادية ستفرض نفسها كبديل لا مفر منه إزاء غياب الخيارات الأخرى ولو ذات الطابع التنفيسي. فالثابت حتى الآن أن الجهة الوحيدة التي تمتلك أجندة واضحة هي السلفية الجهادية الداعية إلى إقامة الدولة الإسلامية بقوة السلاح كحل لجميع المشاكل العربية والإسلامية واستعادة الحقوق المغتصبة وطرد قوى العدوان والسيطرة على مصادر الثروة. وهي بلا شك أجندة معلنة وليست سرية وليست مرتبطة بأية تحالفات سياسية هنا أو هناك.

نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت