فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 167

وفي هذا السياق بالضبط ربما تكون السلفية الجهادية قد أعادت النظر في المراهنة على خطوة إيرانية تبقي فقه التحييد ساري المفعول لفترة أطول، وفي ذات السياق أيضا يأتي خطاب البغدادي العاتي ضد إيران كدولة مجوسية صفوية خطرة على الأمة الإسلامية سواء داخل العراق أو خارجه، وكذلك تصريحات أبي يحيى الليبي، مما يوحي بوجود تيار داخل السلفية الجهادية يدفع لحسم الموقف مع إيران، أو أن الكفة، على الأقل، باتت تميل لصالحه بحيث قد نشهد في الشهرين القادمين تصريحا من الظواهري بإيران وليس تلميحا. كل هذا ربما شكل مقدمات موضوعية لنفاذ صبر القاعدة ومن ورائها السلفية الجهادية اللتان شعرتا باليأس من تحقيق أي تقدم في العلاقة مع إيران ومنها مسألة الأسرى، وليس أدل على ذلك مما ورد على لسان البغدادي وهو يخاطب الإيرانيين وروافض العراق:"لكل أجل ميعاد".

بطبيعة الحال بات الإيرانيون مع تهديدات البغدادي بين المطرقة والسندان، فالأمريكيون والغرب والدول العربية من جهة والسلفية الجهادية من جهة أخرى، لذا لم يكن أمام المحللين الإيرانيين إلا الاعتراف بأن إيران تأخذ تهديدات القاعدة فعلا على محمل الجد. إذ أن إيران:

• تدرك عمق تغلغل الفكر السلفي لدى القوميات السنية الأخرى في أراضيها والخطر الداهم الذي يمكن أن تمثله فيما لو استدعيت العناصر والقوى النشطة والمسلحة منها للمس بها وبمنشئاتها وهو ما فعله البغدادي في خطابه؛

• كما تدرك عداء النظام الرسمي العربي لها وتخوفه من النفوذ الشيعي وما يسمى بالمشروع الصفوي؛

• وتدرك أن أذرع السلفية الجهادية تحاصرها عن اليمين (القاعدة في أفغانستان) وعن الشمال (دولة العراق الإسلامية) ، وفي مناطق عديدة من العالم، ويمكن لها أن تؤذي إيران بسهولة رغم ما يترتب عليها من تكاليف باهظة في حالة فتح الجبهتين أقلها تشتيت الجهد عن مقاتلة الأمريكيين؛

• وتدرك خطورة أحداث المسجد الأحمر والتململ الكبير في البلاد وما قد ينجر عنه من فوضى عارمة وإعادة صياغة لتحالفات القبائل والإسلاميين لإسقاط الرئيس الباكستاني برويز مشرف، وكذا خطاب الظواهري العاجل بدعوة علماء باكستان إلى الجهاد وما يترتب عليه من تداعيات إذا ما استجابت القبائل الموالية لطالبان وهو ما ابتدأ فعلا بإلغاء الاتفاق مع الحكومة والإعلان عن شن حرب عصابات فضلا عن إعلان أحد قادة طالبان مولوي فقير محمد الجهاد ضد برويز مشرف؛

• وتدرك أن البغدادي محصن عقديا وشرعيا في حربه عليها عبر فتاوى أصدرها علماء السنة في الجزيرة العربية عامة ضد الشيعة تبيح للسنة الاقتصاص منهم في العراق والرد عليهم بمثل اعتداءاتهم، وهي فتاوى صالحة لإيقاعها على الشيعة في إيران وغير إيران إذا لزم الأمر؛

• وتدرك إيران أن معاداتها للسلفية الجهادية قد توقعها في ورطة هي بغنى عنها، وتفقدها القدرة على تتبع جماعات مقاتلة ذات طابع زئبقي لم تنجح الولايات المتحدة الأمريكية حتى الآن في النيل منها وبالتالي فستبدو حربها ضد القاعدة أو دولة العراق الإسلامية كما لو أنها حرب ضد أهل السنة؛

• وتدرك أن حربا تجارية على الشيعة في العالم، إذا ما استجاب لها أهل السنة وتجارهم، قد تحدث فوضى اقتصادية عارمة في إيران ونقمة في صفوف الشيعة على السياسة الإيرانية في العراق والمنطقة.

ماذا ستفعل إيران وقد باتت تحت الحصار؟ وماذا ستفعل الدول العربية ذات التركيبة المذهبية المتعددة؟ وهل ستنفذ أذرع السلفية الجهادية في أفغانستان والعراق تهديداتها؟ وهل تنجح السلفية الجهادية في تحريك قواها الاجتماعية والاقتصادية في مقاطعة تجار الشيعة حيثما وجدوا؟ تساؤلات تشي بخطر العبور الإقليمي للقاعدة نحسب أن أحدا غير قادر على تحمله، فلننتظر ونراقب ماذا سيحصل خلال الشهرين وما بعدهما.

نشرت بتاريخ 28 - 02 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت