حماس ولحظة الحسم
د. أكرم حجازي
استكمالا للقسمين السابقين اللذين تعرضا لمبررات خطاب الظواهري"فلسطين شأننا وشأن كل مسلم"الذي وجهه بتاريخ (12/ 3 /2007) إلى حركة حماس ولردود فعل الطرفين عليهما، نشرع اليوم في عرض القسم الأخير والأهم وهو تداعيات الخطاب على الساحة الفلسطينية. وكنا قد خلصنا في القسم الثاني إلى نتيجة مفادها أن الخلاف واقع في منهجين مختلفين: الأول تعبر عنه حركة حماس بوصفها إحدى تنظيمات جماعة الإخوان المسلمين والثاني عبرت عنه القاعدة بوصفها إحدى تنظيمات السلفية الجهادية. والسؤال الآن: ما هي التداعيات المحتملة لخطاب الظواهري على مسار الكفاح الفلسطيني ضد الكيان اليهودي المزروع في فلسطين؟
ثالثا: تداعيات الخطاب على الشأن الفلسطيني
لا ريب أن التدقيق في التداعيات مسألة بالغة الأهمية ليس بسبب أهمية الخطاب بل بما فجره من تناقضات ظل مسكوتا عنها دهرا طويلا. لذا فالحراك المنتظر سيقع في صلب الجماعة وفي صلب الحركة وفي صلب التيارات السياسية الفلسطينية قاطبة بل في صلب المجتمع الفلسطيني برمته شاء من شاء وأبى من أبى، فالفلسطينيون الآن إزاء حقائق جلية لا بد من التوقف عند بعضها.
1)فقد مثل خطاب الظواهري حدا فاصلا ينذر بزوال مرحلة الفكر الإسلامي الوطني وحلول مرحلة الفكر الإسلامي الجهادي بديلا عنه. وكنت قد رصدت رسالة تهنئة من جماعة جهادية فلسطينية موجهة إلى منتدى سلفي جهادي فلسطيني (قدس 4) افتتح منذ نحو ثلاثة أشهر تتحدث عن نفسها بوصفها جماعة سلفية جهادية نشطت منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي، وأنها عملت، بمعية تيارات الجهاد الإسلامي الفلسطينية والمصرية، على التحضير لانطلاقة سلفية جهادية مؤسسة على العقيدة. ولولا التعجل ودخول حركة حماس على الخط مما أسفر عن طغيان الإسلام الوطني الجهادي على الساحة لكان الوضع في فلسطينيا مختلفا منذ زمن بعيد.
مثل هذا المعطى، إن كان يدل على شيء، إنما يدل على نوايا قديمة وعلى حضور قديم نسبيا للسلفية الجهادية. أما وقد تلاشت العلمانية بكل رموزها وتلاوينها الأيديولوجية فلأنه شاع في المقابل الفكر السلفي الجهادي في العالم وأخذ يزاحم نظيره الوطني في ساحات مواجهة ذات طابع عالمي وليس محلي ولا إقليمي فحسب.
ومن المهم أن نلاحظ أن كافة التشكيلات السياسية في فلسطين تعاني الآن من فراغ فكري حاد من جهة وما يشبه التيه السياسي من جهة أخرى مما يجعل من التفكك سمة المرحلة المقبلة. وعلى مستوى الفكر السلفي الجهادي في فلسطين فنراه جليا قد استوطن ألوية الناصر صلاح الدين عبر شخصيتين جهاديتين هما جمال أبو سمهدانة وعبد الكريم القوقا اللذين اغتالتهما إسرائيل في العام الماضي، وعبر حشد كثيف من أعضاء وأنصار حركة الجهاد الإسلامي، وليس من المستبعد أن يكون قد شاع على نحو ما في حركة فتح ذاتها، أما كتائب عز الدين القسام فالأنباء تشير، منذ فترة ليست بالقصيرة وبعيدا عن التصريحات الإسرائيلية، إلى غالبية ساحقة باتت تعتنق فعليا الفكر السلفي الجهادي، وأنها تنظر بارتياب للحركة السياسية التي تقودها القيادة السياسية في حركة حماس. والحقيقة أن منتديات السلفية تعج بأنصار القسام وحتى بأعضائها ممن يبثون شكواهم وأحزانهم ويعربون عن خيبتهم على صفحات الردود والمقالات من الوضع الذي آلت إليه الكتائب.
والأطرف من ذلك تلك الشكاوى التي تتصل بغياب العلم الشرعي سواء لدى أفراد الحركة أو لدى أفراد القسام مع تبرير هذا الغياب للعسكرين. ولأن الحركة تتوجه نحو السياسة أكثر من المواجهة، منذ ما قبل الانتخابات التشريعية بقليل، فقد غدا القلق سيد المرحلة والتيه هو المعطى الأكثر بروزا. وفي رد طويل له عن تجربته في حركة حماس يروي أحد الكوادر الذين هجروا الحركة بعد خمس سنوات من العمل معها قائلا:"أنا الآن أجلس في بيتي ومسجدي حتى يأتي لنا رجل يقودنا لرفع راية التوحيد فوق أرض فلسطين وفوق المسجد الأقصى الحبيب".
هذه الحقيقة لا تواجهها حماس وحدها بل كافة التشكيلات الفلسطينية. ولكنها نذير لحماس إن لم تتدارك الأمر، ولا تنفع المكابرة، في مثل هذه الوضعية، ولا تجاهل الحراك الساخط في قواعد الجماعة وتشكيلاتها المختلفة وهي ترى الحركة تسير في واد وقواعدها في واد آخر، كما لا ينفع مواجهة مكامن الخلل بالهروب إلى الأمام عبر التحذير من فكر القاعدة و"توجيه بعض الجهد الأمني في ملاحقة من يحمل فكر القاعدة بحجة أنه قد يكون عميلا"ينبغي الإبلاغ عنه! مثلما يذكر ذات الكادر أعلاه.
2)أضحت القاعدة رقما صعبا في المعادلة الفلسطينية. فالسلفية الجهادية تقدم الظواهري بوصفه المؤسس للجبهة الإسلامية العالمية لمقاتلة اليهود والنصارى، وبوصفه عالما يتخذ من العقيدة منهجا يوجه اختياراته ومواقفه السياسية وغير السياسية، وبوصفه مجاهدا كبيرا في هذه الأمة إن لم يكن أحد أعظم مجاهديها، وبوصفه أحد قادة الجهاد العالمي، وبوصفه حامل الراية ضد قوى الظلم والعدوان في العالم، وبوصفه صاحب التضحيات بالنفس والمال والأهل والولد، وبوصفه رجل الكهوف والجبال والجحور والمشقة والمطاردة والجوع والعطش، وبوصفه واحدا ممن باع الدنيا وما فيها واشترى عقيدته، وبوصفه الصابر المحتسب الذي يخاطر بحياته وأمنه من أجل أن يوصل كلمته إلى الأمة ويبقى على تماس معها ... . وفي الحقيقة ثمة توصيفات كثيرة تقدمها السلفية الجهادية للرجل، زيادة على ما ذكر، بحيث تتيح له ما لا تتيح لغيره من باب الحرص والغيرة، كما يقول لويس عطية الله كبير منظري كتاب السلفية الجهادية، وليس من باب الاستعلاء كما ورد في ردود بعض أنصار حماس.
وإذا كانت الساحة الفلسطينية متوترة وتائهة وبائسة وملطشة للغارات الإسرائيلية ولعمليات القتل والاغتيال والتدمير والتضييق والإذلال والحصار والتجويع وغياب أي أفق واستحقار للفلسطيني في العالم أجمع ابتداء من العرب وانتهاء بأضعف الأمم بحيث لم يعد ينتصر لهم كريم ولا يستسيغهم وضيع، فلماذا لا يستمع الفلسطينيون للظواهري وبن لادن وبالأمس القريب فقط تلاعب العرب بعائلة فلسطينية في الأجواء كما يتلاعبون بكرة قدم وكأن الفلسطيني بات وباء مستباح الركل والقتل والتحقير دون سبب يذكر، وكما لو أنه لم يولد بين بني البشر؟
يعقب أحد القادة الفلسطينين في حركة فتح على وضع الحركة السيئ مشيرا إلى أن كوادر وأعضاء فتح القدامى انزوى أغلبهم منذ وفاة عرفات في بيوتهم واتجهوا نحو التدين، وليس هؤلاء الذين يقودون الفلتان الأمني إلا الجيل الذي نبت مع تشكيل السلطة. ومثل هذا الأمر ينطبق على الكثير من الفلسطينيين ممن لا يروقهم الركون والسكينة وهم من قضى عمره في الكفاح وها هم الآن يهمشون ويستبعدون من أية فاعلية تليق بتضحياتهم وما لديهم من خبرات على مر السنين، وكل ما في الأمر أنهم ينتظرون فعلا قيادة ما تبرز لتتجه بهم الوجهة التي يستحقونها. ولا شك أن القاعدة تعلم بهذا الوضع وتتحفز لتغطية الفراغ خاصة وأن إسرائيل قامت في واقع الأمر بعملية تنظيف شبه كاملة للرموز الفلسطينية فقتلت القادة الميدانيين والرموز السياسية من كل التنظيمات وأثبتت بحق أنه لا يوجد شريك فلسطيني يمكن التفاوض معه وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني الآن بلا قيادة وبلا رموز تاريخية، وبما أن الحال هكذا يمكننا أن نفهم معنى الشكوى من غياب العلم الشرعي المستند إلى التوحيد الخالص. بمعنى أن الفلسطينيين غدوا كما لو أنهم يسعون إلى تأهيل قيادة جديدة لهم، ولكن ليست علمانية ولا إسلامية وطنية بل ربما سلفية جهادية هذه المرة وتلك هي ساحة القاعدة، وهو ما يجعل منها رقما صعبا في المعادلة الفلسطينية.
والثابت أن الفكر السلفي الجهادي لم يعد حكرا على تنظيم القاعدة أو غيره، وحتى الظواهري نفسه لم يدع حماس ولا غير حماس إلى الانضمام للقاعدة أو القتال تحت لوائها بقدر ما دعا، في خطاب سابق، عموم التشكيلات الفلسطينية الإسلامية والوطنية إلى القتال تحت راية العقيدة، القتال كمسلمين وليس القتال كأحزاب كي لا يضيع جهادهم هباء منثورا فيما لو قاتلوا تحت راية العصبية التنظيمية أو الحزبية. وبالتالي سيكون من الصعب على حماس وحتى القوى الفلسطينية الأخرى قبول فكرة أن الظواهري يتدخل في الشأن الفلسطيني محاولا جذب عناصر التنظيمات الفلسطينية المسلحة بما فيها حماس إلى حظيرة القاعدة. وسيكون صعبا لأن رسائل الظواهري المتكررة وضعت عموم الفلسطينيين أمام مفاصلة شرعية حادة وليس مفاصلة تنظيمية ولا حزبية: إما أن تقتلوا في سبيل الله فتنجون، أو تقتلوا في سبيل ما قاتلتهم إليه فتهلكون.
3)ثبَّت خطاب الظواهري ما يمكن تسميته بالخطوط الحمر أمام أية جماعة فلسطينية. ففي حين زعمت الكثير من ردود أنصار حماس بأن خطاب الظواهري قدم"هدية مجانية لإسرائيل"ضد حماس ما كانت لتحلم بها في هذا الوقت، فإن حقيقة الأمر هي العكس تماما. فقد وضع خطا أحمر أمام أكبر جماعة فلسطينية مسلحة محذرا إياها من خطر الانزلاق وإلا ستصبح بائعة لفلسطين .. مستسلمة .. حفيدة للسادات .. وربيبة لما أسماه بالطواغيت ولإسرائيل وأمريكا. ولأن الخطاب هز حماس في أعماقها فقد جاءت ردود فعلها غاضبة جدا.
ومع ذلك فالخطاب وضع إسرائيل وأمريكا والغرب والعرب في موقف بالغ الحرج بالنظر إلى خطط احتواء حماس. فالحركة أوذيت وحوصرت وأهينت وظلمت وقهرت لا لذنب ارتكبته إلا لأنها بحثت عن تقديم خدمات أفضل للشعب الفلسطيني، ولم تكن هي البادئة في الأذى وليست هي من أشاع الفلتان الأمني أو مارس القتل والاغتيال، ومع ذلك نالت ما لم تنله أية حركة فلسطينية في تاريخها، وأجبرت على تقديم تنازلات في حقها بالفوز وتشكيل حكومة ذات أغلبية، وأُدخلت في مستنقع السياسة والابتزاز، والآن جاء لها الظواهري، فوق كل هذا الضغط، ليقول للأمة الإسلامية:"عظم الله أجرك في حماس"! فقد باعت فلسطين وتخلت عن الحاكمية وسارت في قطار السادات والذل والاستذلال و و و ... إلخ
وللإنصاف نتساءل: أليس الغرب والعرب هم من أوصلوها إلى هذا الدرك الأسفل من النضال؟ فكيف سيشمتون بها إذا كان الظواهري عدوهم اللدود يتربص بها؟ وكيف سيخدم خطاب الظواهري إسرائيل وهي التي ترتعد فرائصها مما لو نجحت السلفية الجهادية في استيطان العقل الفلسطيني؟
من الأولى القول أن خطاب الظواهري وضع الجميع في سلة الحرج وليس حماس وحدها التي قسى عليها لعظم ما تتحمله من مسؤولية وليس لأنها تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين. فإذا ما واصل الغرب ضغوطه فستتجه حماس وكل التشكيلات الفلسطينية إلى خوض مفاصلة استراتيجية يجري بموجبها تقييم كل حركة النضال الفلسطيني على مدار الصراع. والثابت أن الفلسطينيين حتى الآن خسروا ولم يحققوا شيئ فما العيب من إعادة النظر في أفكارهم وأدواتهم وخطابهم السياسي والذي قد يؤدي إلى تكسير كل البيض في السلة؟ ما العيب في مراجعة خط سياسي انتهى بالمحصلة إلى تثمين القضية الفلسطينية برمتها بما لا يوازي حتى رغيف خبز؟ أي ابتزاز منحط هذا الذي لم تشهده أمة على وجه الأرض يفرض عليها أن تخوض صراعا على كافة الجبهات وفي العالم أجمع من أجل أن تحظى برغيف خبز لا يكون بديلا عن الوطن أو ثمنا له بما يحتويه ويكنزه من عقيدة وحضارة وتاريخ وجهاد؟
إذن من الواضح، وبعيدا عن العصبية ولحظة الصدمة، فلم يكن الحطاب ولن يكون في يوم ما في صالح إسرائيل لا آنيا ولا مستقبلا. ولقطع الطريق على مفاصلة فلسطينية بهذا الحجم فقد يضطر الغرب، مرغما، إلى مهادنة حماس وحتى استرضائها إن لم يكن دعمها وتطييب خواطرها وإلا فالنتيجة ستكون وبالا عليهم. وبهذا الاحتمال يكون خطاب الظواهري قد خدم حماس في الصميم ولم يخذلها. وعلى العكس، فقد قدم الظواهري لها طوق النجاة والقوة، إذ يمكن لحماس أن تحتج الآن بضغوط الشارع والقوى الإسلامية العالمية، وأن عليها أن تعيد حساباتها وتوازن ما بين الأمور كي لا يحدث الانفجار فيما تستمر هي في إصلاح الوضع الداخلي وتعديل مسار البوصلة المنحرفة بالانسحاب التدريجي من العملية السياسية والتخلص من الضغوط ومن أتون السياسة الشيطانية التي لا تستطيع تحملها. فمن الذي حظي بالهدية؟ إسرائيل؟ أم حماس؟ ألم يقرّ الرئيس الفلسطيني السابق بأن الكفاح المسلح كان أهون عليه ألف مرة من الدخول في مفاوضات مع إسرائيل؟
من جهة ثانية أسس خطاب الظواهري لشرعية عقدية في الصراع مع اليهود. فهو لن يضيره أن يحجب الشرعية عن أعتى الجماعات الفلسطينية إذا ما استدرجت أو انزلقت نحو التنازل أو المساس بعقدية القضية الفلسطينية ولا عذر ولا حجة بماض أو تاريخ أو جهاد إذا ما أُخضعت الجماعة ونهجها وسياساتها إلى مجهر الشريعة وليس مجهر القاعدة ولا مجهر الحصاد المر. هذا الشرط كانت فتح قد تحدثت عنه ولم تلتزم به، وتحدثت عنه حماس ولم تلتزم به، ويمكن أن تأتي أية جماعة تتحدث عنه دون أن تلتزم به. أما الآن فلم يعد ممكنا لأية جماعة سياسية فلسطينية أو غير فلسطينية أن تتجاهله أو تتلاعب به. فهو صمام أمان القضية الفلسطينية وهو بذات الوقت طوق النجاة من الضغوط لأية جماعة سياسية حتى لو كانت غير إسلامية إن هي أرادت. لذا فإن تفعيل هذا الشرط سيعني الوقوف بالمرصاد لأي تلاعب محتمل بالقضية الفلسطينية من أية جهة كانت.
ولعل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس هو أكثر من فهم لعبة الظواهري السياسية في الخطاب حين وجه صفعة قوية للغرب، وهو من تعرض وحركته للنقد الشديد، معلنا أمام الصحفيين في صنعاء:"باعتقادي الشخصي ليس من المروءة أن انتقد رجلا تلاحقه الإدارة الأمريكية". وهو تصريح لعله ينطوي على شجاعة ومسؤولية وتفهُّم في الصميم لخطاب الظواهري الذي، بحسب التصريح، إن لم يكن صديقا فهو بالتأكيد لن يكون عدوا لحماس ولا معينا عليها من الأعداء حتى وإن قسا عليها. وعلى كل حال فالأمر الذي بات على حماس أن تدركه جيدا هو أنها تقع الآن بين لحظتين حاسمتين، فإما أن تواصل المضي قدما في الخط السياسي الراهن مع ما ينطوي عليه من أخطار تهدد تماسك الحركة وهو ما لا يتمناه أحد لها على الإطلاق سوى أعدائها وأعداء الأمة وإما أن تتجه لتعود إلى راديكاليتها وأصول انطلاقتها قولا وعملا بحيث تبدو سلفية جهادية فعلا وهي ليست كذلك أو تبدو قاعدة فعلا وهي ليست كذلك.
نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009