فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 167

حماس ولحظة الغضب

د. أكرم حجازي

في القسم الأول من المقالة تحدثنا عن المبررات التي دفعت بالظواهري إلى توجيه خطابه الحاد لحركة حماس خاصة للقيادة السياسية فيها. وقلنا أن على الحركة أن تحدد ما إذا كانت ترغب في أن تكون جماعة إسلامية أو جماعة سياسية وطنية، وأن الأفضل لها أن تعود كجماعة إسلامية مجاهدة كي تنآى بنفسها عن الملامة والنقد الشديد، وتحافظ على هيبتها وتحمي نفسها وتحمي المصالح العليا للشعب الفلسطيني وتجنب القضية الفلسطينية مخاطر عظمى تتربص بها من كل جانب. في هذا القسم سنعرض لردود الفعل على خطاب الظواهري كما عبرت عنها حماس الرسمية وكذا أنصار القاعدة وحماس في المنتديات الإلكترونية. فكيف استقبل الطرفان الخطاب؟

ثانيا: ردود الفعل

يمكن القول أننا لاحظنا صنفين من ردود الفعل لحركة حماس، أحدها رسمي والثاني عبرت عنه شبكة فلسطين للحوار. وكلاهما يخطِّئ الظواهري ويستعمل عبارة"أهل مكة أدرى بشعابها"والتي سنأتي على تحليلها لاحقا.

أما أول الردود الرسمية فكانت ذلك التصريح الذي أصدره فوزي برهوم الناطق الرسمي باسم الحركة بعيد قليل من بث مقتطفات من خطاب الظواهري ثم تلاه في اليوم الثاني بيان من الحركة بعنوان"أخطأت القراءة يا دكتور الظواهري فخانك التعبير"، وجاء البيان أوسع محتوى في تأكيده على الثوابت من نحو أن"فلسطين هي أرض وقف ... قضية المسلمين المركزية ... والقدس مسرى رسول الله ..."ولكنه اشتمل على ذات العناصر التي ذكرها الناطق الرسمي ردا على الظواهري، ونذكر من بينها:

•"نفهم نحن في حركة المقاومة الإسلامية حماس الاختلاف في الرأي، والاجتهاد في المواقف، مع أي من كان في اتفاق هنا أو اتفاق هناك، أو حول قضية ما، كاتفاق مكة مثلا أو غيره، أما أن تلقى التهم على عواهنها، وتوجه الافتراءات والاتهامات بغير وجه حق، فهذا غير مقبول، ونقول للدكتور الظواهري على رسلك، ليس هكذا تورد الإبل، وأهل مكة أدرى بشعابها."

• وترى حركة حماس أن تصريحات الظواهري الأخيرة جانبها الصواب ولم تكن في محلها، هي مزاودة مرفوضة، فالمقاومة هي استراتيجيتنا، أما كيف؟ ومتى تكون؟، فهذا يعود لتقديراتنا؛

• وتؤكد حركة المقاومة الإسلامية حماس على أن الاختلاف أمر مقبول لو تم في حدود اللياقة، ولكن المرفوض هو هذا الانزلاق في التعبير عن المواقف واتهام الآخرين بما لا يليق، ولا يخدم مصلحة الإسلام والمسلمين.

• إن حركة المقاومة الإسلامية حماس حركة سلفية، جهادية و مقاومة، وستبقى كذلك ما دام هناك شبر واحد من فلسطين محتلا، وهذا الأمر لسنا بحاجة إلى تأكيده، ولكن نريد أن نلمع به ذاكرة البعض.

• نعذر للأخ الدكتور أيمن الظواهري ما تحدث به، ونؤكد له ولغيره، وللقاصي والداني أنا على عهدنا مع الله أولا، ثم مع شهدائنا وشعبنا، وأننا لن نقيل أو نستقيل، والله غايتنا والرسول قدوتنا والجهاد سبيلا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا، هذا نرفعه قولا وعملا، ونقوله في هذا المقام من باب التذكير ونزيل به بعض الغشاوة التي اعترت بعض العيون.

• ... ، ولتطمأن يا دكتور أيمن، وليطمأن كل الغيورين على فلسطين من أمثالك، أن حماسلازالت حماس التي عرفتموها منذ أن أعلنت عن نفسها، ولن تحيد عن الطريق، وما دخولها في الانتخابات وتشكيلها للحكومة وموافقتها على اتفاق مكة، جاء من باب حفظ المصالح العليا للشعب الفلسطيني"."

هذا أبرز ما جاء في الردود الرسمية لحركة حماس والتي طغت عليها صيغة الدفاع عن الذات وبلغة استنكارية ملطفة. ولعل الحركة محقة في ذلك طالما تحسَب أنها تتعرض لتجريح ولهجوم في صميمها وليس لنصائح تأخذ بها كما رأت. ولكن تصريحات خالد مشعل للصحفيين في صنعاء (13/ 3) كانت أكثر عبقرية وأكثر مسؤولية في التعليق على خطاب الظواهري حين قال:"باعتقادي الشخصي: ليس من المروءة أن أنتقد رجلا تلاحقه الإدارة الأمريكية"، فمثل هذا التصريح يمكن أن ينقذ الكثير من الموقف ويخفف من هول التصريحات الأخرى كالتي ألقى بها أسامة حمدان، ممثل حماس في لبنان، من على شاشة الجزيرة لما اعتبر شهادة الظواهري مجروحة

أما ردود الفعل الأخرى التي وردت على شبكة فلسطين للحوار فهي في الواقع غير رسمية، ولكنها بالغة الإثارة ومدهشة بالقدر الذي حملت فيه على الظواهري. وأحسب أنها أساءت للحركة بصورة لم تحدث لها من قبل خاصة وأنها اشتملت على عبارات نابية وسباب وشتائم من العيار الثقيل واتهامات بالجملة وتخوين لا حدود له لدرجة أن بعض الأعضاء المناصرين للظواهري والقاعدة طالبوا المشرفين عديد المرات بوجوب وقف هذا الأسلوب من الحوار وحذف كل المشاركات التي لا تلتزم بشروط الحوار واللباقة والأدب دون أن يحصلوا على أية إجابة تذكر أو تنبيه بقدر ما حصلوا على تبريرات حتى من المشرفين على الشبكة بأن الناس في حالة غليان ونقمة ... فماذا تريدون منهم أن يفعلوا؟ والحقيقة أن المشرفين ذاتهم تورطوا في كيل الإساءات الشديدة وعبروا عن عصبية تنظيمية غير مسبوقة.

على كل حال عكست الحوارات وردود الأفعال على خطاب الظواهري ما يمكن تسميته بالصورة الحقيقية لما سماه أحدهم بـ"الصدمة"التي تعرضت لها حماس جراء الخطاب. ويمكن محورة الردود في بضعة مسائل خلافية ولكنها ملفتة للانتباه فيما تقدمه من حجج، وليسمح لي القارئ الكريم بالتذكير ببعض الملاحظات والتعليق على بعض الردود.

• النيل من شخصية الظواهري بوصفه الخائن والقاتل وعميل الأمريكان الذين صنعوا القاعدة وما إلى ذلك من التوصيفات المشينة. فقد اتُّهم الرجل بأنه كفر الشيخ عبد الله عزام واتهم و تنظيم الجهاد بقتله، وبأنه شن حملة على الفلسطينيين المنتمين للقاعدة وعمل على تصفية وجودهم فيها والتضييق عليهم وإبعادهم عنها. كما تضمنت الردود محاولات حثيثة للفصل بين بن لادن والظواهري الذي ضغط على بالأخير وخدعه وسيطر على القاعدة بعد أن فشل في حركة الجهاد، وأنه ما التحق بالقاعدة إلا رغبة منه في استغلال وتوظيف أموال بن لادن في خدمة عقليته المتغطرسة وأنانيته المفرطة. أما د. عثمان الذي كتب هذا الرد الأعنف على الظواهري، مستعينا على ما يبدو بسلسلة من المقالات التي نشرتها صحيفة الشرق الأوسط بعنوان"أوراق الظواهري السرية"، فقد جوبه من قبل البعض عديد المرات بضرورة تقديم أدلة على ما يقول بحق الظواهري لاسيما وأنه زعم امتلاكه لأدلة موثقة، ولكن دون جدوى.

• الاحتجاج بابتعاد الظواهري عن فلسطين وبعبارة"أهل مكة أدرى بشعابها". فلعل من أغرب الردود كانت تلك التي جاءت على شاكلة ما سبق لحماس أن تعرضت له من قبل حركة فتح حين انطلاقتها، فقد كنت واحدا ممن حاور الكثير من حركة فتح أو بعض التنظيمات ابتداء من القيادات وحتى أصغر عضو مدافعا عن حق حماس في الحضور المسلح على الساحة الفلسطينية، وأنه ليس من حق فتح احتكار النضال وحدها أو تشريع هذا الفصيل وتطفيش ذاك، وكانت الإجابات دائما وأبدا: أين كانوا؟ لماذا لم يقاتلوا طوال عقدين واكتفوا بالتفرج علينا؟ ولماذا الآن يأتون ويريدون أن يشاركونا في نصف منظمة التحرير ونصف السياسة ونصف القيادة؟

ومن الجانب الآخر لما وقَّعت منظمة التحرير اتفاق أوسلو وتشكلت السلطة صدرت ردود فعل عنيفة ضد الاتفاق من فتح وخارج فتح وحتى من الأصدقاء العرب الذين كافحوا مع فتح وانتصروا لفلسطين والقضية الفلسطينية وبعضهم دفع ثمنا باهظا لقاء موقفه هذا، وكان حقا لهؤلاء أن يعيبوا على فتح سيل التنازلات المجانية لليهود وكثافة التنسيق الأمني وتوقيع اتفاقات ملحقة كالاتفاقين الأمني والاقتصادي في باريس والذي كبل الشعب الفلسطيني وجوعه واستأمن اليهود على حقوقه، وكان حقا لهؤلاء أيضا أن يعيبوا على فتح خوضها حربا شعواء ضد المجاهدين والمقاومين ومطاردتهم وهم يقتلوا البعض ويسلموا البعض لليهود ويعتقلوا البعض الآخر في سجونهم ويجهدوا في إذلال القيادات المجاهدة من الشعب الفلسطيني، حتى الزهار والرنتيسي والمقادمة وأبو هنود والشيخ أحمد ياسين وغيرهم الكثير لم يسلموا من شر فتح وعصابات أوسلو الوطنية ممن يتبجحون، ليا نهار، بأنهم سهروا الليالي على حماية إسرائيل طوال ثماني سنوات بينما إسرائيل نائمة تنعم بالأمن والأمان كما اسرَّ محمد دحلان لصحيفة اللوفيغارو الفرنسية مطلع انتفاضة الأقصى، ولما كان ينتقدهم البعض على سطوتهم وجرائمهم خاصة من الخارج كانوا يردون عليه بالعبارة إياها"أهل مكة أدرى بشعابها"!

والآن يعيد التاريخ القريب والراهن نفسه ويستعمل أنصار حماس أو أعضائها ذات الحجج في رمي الظواهري والقاعدة. ومن المفارقات أن ميثاق حماس يثبت أن فلسطين أرض وقف إسلامي وجزء من العقيدة التي لا يمكن لأحد أن يحتكرها وهو ما أكده بيان الحركة فضلا عن التقرير بعالمية القضية الفلسطينية وإسلاميتها ومركزيتها وعدم جواز التصرف بمصيرها من أي كان! أليست المواجهة بهذا الصيغة خاسرة لا محالة؟ وأن إدانة حماس بمثل هذه العبارات أهون على القادة من تلقيها؟ وكيف يستقيم الحديث عن العصبية والإسلام؟

• الاحتجاج بأن حماس هي الطائفة المنصورة التي تحدث عنها الرسول الكريم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. فحماس بحسب الكثير من الردود هي من"أوصى بها خير الأنام"وهي من دافع عنها في حديثه الشريف"لا تزال طائفة من أمتي ..."والدليل"أنها الرابضة في بيت المقدس وأكنافها"، وبالتالي بأي حق يأتي"هذا الظواهري""ليكفر هذه الطائفة ويخونها"؟ والحقيقة أن خطاب الظواهري لم يتطرق البتة إلى المجاهدين ولا حتى إلى حركة حماس بقدر ما كان خطابه دقيقا بالمس في قيادة حماس بالذات عتبا وقهرا وغضبا، وليس بعناصرها ولا بشهدائها ولا بكتائب القسام الذين أثنى عليهم جميعا ودعاهم إلى التمسك بسلاحهم ورفض سياسة الحركة. فما قاله الظواهري بالحرف هو:"... إني أهيب بإخواني إخوة الرباط والاستشهاد والجهاد في فلسطين أن يعلموا أنهم مجاهدون في سبيل الله وأن عليهم أن ينبذوا القرارات الدولية التي سلمت فلسطين لليهود وأن لا يحترموها بل يحتقروها ويستنكروها ويتبرؤوا منها وأن يواصلوا جهادهم في سبيل الله حتى تتحرر كل دار إسلام غزاها الكفار من الأندلس إلى العراق وحتى تكون كلمة الله هي العليا وتعود الخلافة لتحمي حمى الإسلام وتنشر شريعته، أهيب بهم أن يعملوا بما في مصاحفهم ويلزموا خنادقهم ويعتزوا ببنادقهم وأن لا يسمحوا لأحد أن يبيعها في سوق السياسة فيخسروا الدين والدنيا معا, بل أهيب بإخواني المسلمين جميعا أن يتحرروا من قيود التنظيمات التي تتيه بهم في متاهات السياسة".

• الاحتجاج بالسياسة مقابل الاحتجاج بالعقيدة. فخطاب الظواهري مؤسس على منهج عقدي صرف يختلف كل الاختلاف عن المنهج العقدي - الوطني لحركة حماس. فهي حركة سليلة جماعة الإخوان المسلمين التي لا ترى غضاضة في الدخول في المعترك السياسي وفق اجتهاداتها. لذا كلما طلب أنصار القاعدة من أنصار حماس الرد على أسئلة سياسية بأدلة عقدية كان الرد يأتي دائما محملا بشحنات من الواقع السياسي على شاكلة أن الظواهري حاقد على الإخوان المسلمين، وبأن الحركة قدمت من الشهداء وما زالت تقدم ما لم يقدمه أحد، وأنكم (القاعدة) لا تجيدون إلا لغة التكفير والتخوين، وأن حماس لم ولن تتغير أو تتراجع أو تحيد عن الثوابت. وواضح أنها لغة سياسية وليست عقدية، حتى أن البعض علق على الردود بالقول:"أليست لكم (حماس) تربية دينية ولا علم شرعي؟"ويضيف:"نطلب منكم أدلة شرعية فتأتوننا بتوقعات سياسية!"من نوع"ستثبت لكم الأيام صحة نهج حماس وصلابته!".

• ردود ممن زعموا أنهم من حماس أو من أنصارها تنتصر للقاعدة. فليس ملفتا للانتباه على متفحص رواد الشبكة الفلسطينية للحوار أن يجد مثل هؤلاء في الشبكة وهم يستهجنون الهجوم الشرس على الظواهري وهم الذين انتصروا له لما أدان حركة فتح وكفر الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومحمد دحلان. ويتساءلون: لماذا كان الظواهري في خطاباته السابقة منصفا وفي خطابه الحالي مجرما قاتلا؟ كما تضمنت الردود ما يشبه الإقرار بما وصفوه بالحقيقة المرة لما آلت إليه حركتهم إزاء المزالق السياسية الخطيرة والابتعاد عن حاكمية الشريعة وتهميش للجهاد وتمسك بالعصبية التنظيمية وتقليل من جهاد الأوفياء والمخلصين. وفي حين أشار بعضهم إلى حق الظواهري بممارسة الانتقاد ذهب آخرون لأبعد من ذلك بكون الظواهري مسلما ومجاهدا غيورا على القضية ومن حقه أن يبدي رأيه لا أن يقال له"أهل مكة أدرى بشعابها" (كما نقول للكثيرين حين نختلف معهم) :"نجت منك الروم والفرس ولم ينج منك إخوانك"، وفي الحقيقة بدت مثل هذه الردود أقرب جلد الذات وهي تعبر عن غضبها أكثر مما بدت منصفة لخطاب الظواهري أو القاعدة. أما تلك الردود التي عبر عنها بعض أنصار حركة فتح فبعضها أعرب عن مؤازرته للظواهري وبعضها الآخر غلبت على ردوده الشماتة فيما يصيب حماس من القاعدة.

بطبيعة الحال تميزت الردود الصادرة عن أنصار القاعدة أو السلفية الجهادية، فيما عدا النزر اليسير منها ممن خرج عن حدود اللياقة، وللحق بالأدب والعتاب على نمط الحوار الذي اضطرت لخوضه مع أنصار حماس دفاعا عن شيخها. وابتعدت فعلا عن صيغة التقديس والعصبية التنظيمية مخطِّئةً، في بعض الأحايين، الظواهري نفسه في حدته وفي توقيت الخطاب في محاولة لامتصاص غضب حماس، ومحتجة بأن القاعدة ليست تنظيم بقدر ما هي فكر ومنهج يستوجب التحصن بالعلم الشرعي لمواجهة الأحداث والطوارئ. وفي المقابل هناك من استنكر الألفاظ السوقية التي صدرت عن أنصار حماس بل أن بعض من أنصار القاعدة كانوا أكثر إنصافا في تنزيه شبان الإخوان المسلمين ممن تلقوا تربية دينية عن الإتيان بمثل هذه الألفاظ. وبدا واضحا من مجريات الردود والردود المضادة أن الإشكال لا يقع في الخطاب ولا في محتواه بقدر ما هو واقع حكما في اختلاف منهج التيارين الإخواني من جهة والسلفي من جهة ثانية.

نشرت بتاريخ 03 - 03 - 2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت