واجهات المسألة الصومالية
د. أكرم حجازي
ما بين تجربة المحاكم والقوى الجهادية المنبثقة عنها ثمة أحداث عظيمة تجتاح الصومال وأخرى قادمة لا محالة. والثابت، حتى الآن، أن القوى الجهادية تتقدم على حساب كل القوى الصومالية والأجنبية في البلاد. ومع ذلك فلا الحكومة انهارت ولا القوات الأفريقية «الأميصوم» انسحبت ولا قامت الدولة الإسلامية ولا تَقاتَل المجاهدون فيما بينهم كما توقع الكثير من المراقبين الصوماليين وغيرهم. فمن هي القوى الفاعلة؟ وما هي نواظم العلاقات التي تحكم فعالياتها؟
خلافا لما هو شائع فالساحة الصومالية ليست سهلة المنال لهذا الطرف أو ذاك. فالمشكلة واقعة في صميم التكوين الاجتماعي والبنية الذهنية والمعرفية وحتى التعليمية الراهنة، فضلا عن الفقر التاريخي في الرصيد السياسي والحضاري للمجتمع الصومالي. بمعنى آخر المشكلة هي مشكلة مرجعيات. وكل ما يجري حاليا هو صراع طاحن على السيادة بين مرجعيتين هما القبيلة والإسلام. وإذا ما أمكن تفكيك هذه الثنائية، ولو بالحد الأدنى، فسيكون من السهل امتلاك مفاتيح المراقبة للمسألة الصومالية لاحقا.
أولا: القبيلة والدولة
يرى أغلب الصوماليين أن القبيلة هي:
1)الناظم الحاسم في صياغة العلاقة بين مختلف التشكيلات السياسية والاجتماعية في البلاد؛
2)كما أنها مصدرا للتدخلات الخارجية والإقليمية؛
3)وكثير منها تقدم مصالحها على كل مصلحة غير آبهة بأية محرمات حتى لو كان بالتحالف مع القوى الخارجية بما فيها أثيوبيا المكروهة من الصوماليين فردا فردا حتى من ألدّ خصوم المجاهدين.
لذا فإن كانت المسألة الصومالية ستظل عصية على الحل إلى أن تنضج القوى السياسية والاجتماعية بصورة تمكنها من صياغة مستقبل البلاد بعيدا عن سطوة القبيلة والمخاطر التي تخلفها؛ فإن مثل هذه الأطروحة تعني أن القبيلة ستظل هي المرجعية التي لا تعلوها أية مرجعية لكافة القوى حتى لو كان الإسلام الذي يجري توظيفه من قبل القبيلة في خدمة سلطتها ونفوذها وامتيازاتها وحتى صراعاتها. مشكلة هذه الأطروحة أنها تجد لها صدى في المجتمع الصومالي الذي تستوطن فيه الأمية بنسبة تفوق الـ 83%! وإذا صحت هذه النسبة، وهي كذلك على الأرجح، فهذا يعني أن كافة القوى الحية في المجتمع والدولة محصورة فيما تبقى من الدائرة المئوية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نسبة محدودة جدا من الـ 17% يمكن أن تكون في دائرة الفعل.
في 26/ 6/1960 أُعلن استقلال شمال الصومال رسميا عن بريطانيا، وبعد خمسة أيام (1/ 7/1960) استقل جنوب الصومال عن إيطاليا. وفي 21/ 10/1969 قاد اللواء محمد سياد برى انقلابا على الحكم المدني ليصبح الرئيس الثالث للبلاد بعد الاستقلال. وقد امتد حكمه العسكري إلى سنة 1991 إثر انقلاب عسكري قبلي نفذته مجموعة من كبار قادة الجيش على رأسهم اللواء محمد فارح عيديد بدعم من القبائل التي كانت تعلم علم اليقين علاقة المعارضة بالأثيوبيين.
من الواضح أن عمر الدولة الصومالية الحديثة بكل أشكال الحكم التي تداولت عليها لا يتجاوز ثلاثين عاما فقط، منها 21 عاما من الحكم العسكري. أما على المستوى الإسلامي والتاريخي فلم تكن الصومال واقعة في المدى الحيوي للحكم الإسلامي على امتداد القرون الماضية. كل هذا يعني أن الصومال، وإنْ كان بلدا مسلما متجانس المذهب (الشافعي) ، وشعب محب لدينه وفخور بانتمائه إليه إلا أنه يفتقد لأي رصيد حضاري أو سياسي سواء على المستوى الإسلامي أو الوطني، وتبعا لذلك فهو يفتقد لأية تجارب حكم كافية لبلورة ذهنية وطنية أو إسلامية أو، بالمحصلة، معرفية تمكِّن من الاسترشاد بها في مواجهة الأزمات. مع ذلك لا بد من التمهل في إعطاء أحكام قاطعة في هذا المجال، ولو أن ما أشرنا إليه هو الصورة الغالبة والأكثر شيوعا بين الصوماليين عن حقيقة هذا البلد تاريخيا.
هكذا إذن! ظلت القبيلة بمثابة المرجعية الأولى، ماضيا وحاضرا، في الفهم والتفسير والسلوك والتوجيه والاختيار لدى الغالبية الساحقة من المجتمع الصومالي بما فيه النخب السياسية والإسلامية. وإذا قمنا بعملية فحص لملامح الأزمة الصومالية، فيما بعد مرحلة الاستعمار المباشر، فلن نعجب كثيرا إذا ما تبين لنا أن الرئيس الصومالي محمد سياد بري اصطفى من قبيلته ومقربيه من يساعده في الحكم وإدارة الدولة رغم أنه ألقى في البلاد في أحضان الفكر الشيوعي الذي لا يعترف بالقبيلة ولا بأية منظومة فكرية أو اجتماعية إلا منظومته القائمة على التفسير المادي للتاريخ الذي يصنعه، بحسب الماركسية، الصراع الطبقي، القوة المحركة للتاريخ.
في الفترة ما بين انهيار نظام حكم الجنرال سياد بري ومجيء المحاكم الإسلامية (1991 - 2006) ، ظهر في الصومال 20 فصيلا قبليا مسلحا تَزَعمها من اشتهروا بأمراء الحرب الصومالية. وتلقوا دعما من أحط العناصر القبلية وأكثرها فسادا وإفسادا ودموية، بدء من القتلة وانتهاء بقطاع الطرق. واحتكم كل واحد من هؤلاء على مساحة اجتماعية وجغرافية عاثت في الصومال فسادا وإجراما لم تعثه أية قوة أجنبية غزت البلاد. ولا عجب أيضا أن يتلقى هؤلاء جميعا تسليحا من أثيوبيا يمنع انتصار أحدها على الآخر بحيث تبقى وضعية الصومال ممزقة بصفة دائمة ... بلد ضعيف .. عاجز .. ومجتمع مفكك ومتصارع قبليا. وهي الحالة النموذجية التي تحبذ أثيوبيا رؤية الصومال فيها، وسط مجاعة وموت أفزع العالم في تسعينات القرن العشرين. فالخيار الأثيوبي واقع بين الإمبراطورية الأثيوبية أو الصومال الكبير.
في 31/ 1/2009 انتخب البرلمان الصومالي المكون من 550 نائبا الزعيم السابق للمحاكم الإسلامية شيخ شريف أحمد رئيسا للصومال في جيبوتي بأغلبية 280 صوتا مقابل 120 صوتا لمنافسه ابن الرئيس المخلوع محمد سياد بري! وجرت عملية الانتخاب والتنصيب برعاية أمريكية وأثيوبية ودولية. وبدا أن الرجل يتمتع بشعبية. والحقيقة أن البرلمان الصومالي جرى تشكيله على أساس المحاصصة القبلية والعشائرية. فضلا عن أن عددا لا بأس به من النواب هم أصلا من أمراء الحرب السابقين، وحتى الحكومة المشكلة برئاسة شرماركي كانت القبيلة تهيمن على تشكيلتها وهويتها.
ثانيا: القوى الإسلامية
لم تكن القوى الإسلامية بأحسن حال من الدولة أو زعماء الحرب أنفسهم، الذين تسلطوا على المجتمع وأطلال الدولة، فهم أيضا قبليو التفكير في سعيهم إلى جني المكاسب وتحقيق المصالح، كلٌّ وفق رؤيته واحتياجاته. وفي المحصلة فشل الصومال في استعادة ذاته كدولة مثلما فشل في لملمة انقساماته كمجتمع على وقع الانقسام القبلي والعشائري بمختلف صنوفه وتحالفاته.
مشكلة القوى الإسلامية في الصومال أنها «غير ناضجة ولا راشدة» ، وهي أقرب إلى القبيلة من قربها إلى الإسلام. وأعجب ما فيها أنها تمثل انعكاسا لكافة أطياف الصحوة القادمة من مصر السبعينات وجوارها، وكذلك من الجزيرة العربية رغم العداء التاريخي بين الصوفية مثلا والوهابية. فالإخوان موجودون بشقيهم المحلي والدولي، والسلفيون موجودون بكافة أطيافهم، والصوفية موجودة بطرقها المتصارعة والترابية (نسبة إلى د. حسن الترابي في السودان) موجودة بانفتاحها وتخبطها. لكنها جماعات ظلت منذ ولادتها ذات امتداد قبلي قابل للتشظي والانقسام على الدوام. أما لماذا؟ فلأنها (1) ضعيفة التكوين وعديمة الخبرة، و (2) لأنها مرتبطة خارجيا بأصول تكونها وتلقيها، و (3) لأنها ليس لها أية تطلعات سياسية فضلا عن أن (4) بعضها لا يعمل بالسياسة أصلا. فما أن انهار الحكم في الصومال حتى صدمتها التجربة وعاجلها الفشل وبدأت تبحث عن منقذ. وبدلا من أن تتعظ من الفشل والقصور انقسمت مجددا ورحب بعضها، علنا وضمنا، بالتدخل الأثيوبي.
فالطيف الإخواني الذي ملأ فراغا كبيرا في التعليم والإغاثة بعد انهيار نظام الرئيس سياد بري انقسم على نفسه في أكثر من مناسبة أبرزها امتناعه عن المشاركة في المحاكم الإسلامية بزعامة شيخ شريف سنة 2006، ثم انقسم ثانية إبان الغزو الأثيوبي للبلاد ابتداء من 24 ديسمبر سنة 2006.
أما الجماعات السلفية فثمة طعون من كتاب وباحثين صوماليين في الأصول العلمية الأولى لبعض المشايخ. إذ ثمة من يؤكد بأن عددا لا بأس به من الطلبة لم يتتلمذوا على يد كبار مشايخ الجزيرة أو مشاهيرها بحيث يتحصلوا على علم شرعي متين. بل أن بعض طلبة العلم الشرعي حصلوا من مشايخهم على تزكيات للدراسة وهم لم يتجاوزوا مراحل التعليم الأساسية، أو أنهم حصلوا على شهادات ثانوية مزورة ممن زكوهم ليضطروا بعد عودتهم إلى إعلان الحرب عليهم جزاء ما فعلوه بهم من خداع لا يقبله الشرع. وثمة طعون أخرى تكشف عن أطياف سلفية ذات أطروحة عجيبة أسوأ من أطروحة الجامية كتلك التي تبالغ بوجوب طاعة ولي الأمر وعدم الخروج عليه بينما لا يتواجد هذا الولي إلا في صيغة أمراء الحرب الذين تقاسموا البلاد والعباد بعد انهيار النظام والدولة.
وبالنسبة لسليلي النهج «الترابي» القادمين من السودان فيعلق أحد الكتاب على مقالة لكاتب صومالي، مذكرا بالدور السلبي لهم، وساخرا بالقول أنه: «كان من أكبر إنجازاتهم، إسبال السراويل وحلق اللحى أو قصرها، وإباحة مصافحة النساء والغناء والاختلاط، والازدحام على أبواب السينما لمشاهدة مباراة كرة القدم، ... والتغني بحرية المرأة ... ، وتشجيع المسلمات الملتزمات على طرح النقاب وتمييع الحجاب، يا لها من خدمات جليلة» !
حتى المحاكم الإسلامية التي تأسست أولاها ابتداء من سنة 1994 في العاصمة مقديشو لم تكن بعيدة عن القبلية؛ إنْ لم يكن في البدايات فعلى الأقل في خضم تطور التجربة التي تجلت باتحاد 17 محكمة إسلامية سنة 2006 شكلتها القبائل لمطاردة المجرمين وقطاع الطرق إلى أن ذاع صيتها وصارت نموذجا يحتذى لضبط الأمن ورد المظالم وكفالة الفقراء وإغاثة المنكوبين. أما كيف حققت نجاحا مفاجئا وساحقا باعتمادها الأحكام الشرعية مرجعية لها فلعل بعض الأسباب التالية تفسر ذلك إلى حد ما:
• لأنها حظيت بمشروعية اجتماعية وفرتها لها قبائل الهوية التي رفعت الغطاء القبلي عن أمراء الحرب ومنحته للمحاكم.
• لأن القوى الإسلامية بقيادة حركة الشباب، التي لم تكن قد ظهرت بعد، وكذا الشيخان حسن تركي وحسن طاهر أويس وغيرهم وفروا لها غطاء من القوة المسلحة، وهي ذات القوى التي فرضت على المحاكم التحاكم إلى الشريعة مستفيدة من غياب أية مرجعية للحكم.
• التأييد الشعبي الساحق للمحاكم في ضبط الأمن. وهذا معطى بالغ الأهمية كونه مؤشر غير مسبوق على تراجع دور القبيلة كملاذ يوفر الأمن والحماية للأفراد.
لكن ما أن انهارت المحاكم مع التدخل الأثيوبي حتى تفككت، وعاد بعض أفرادها إلى قبائلهم فيما بحث قسم آخر عن انتماءات جديدة لهم في إطار التحالف من أجل تحرير الصومال الذي انقسم هو الآخر إلى جناحي «أسمرة» بقيادة حسن طاهر أويس و «جيبوتي» بقيادة شيخ شريف. أما حركة الشباب المجاهدين الذراع العسكري الأساسي والأقوى في المحاكم فقد استقل وحده مبتعدا عن أية تشكيلات سياسية وطنية أو علمانية.
بالنسبة لعلماء الصومال فأغلبهم يقيم في الجوار والدول العربية وحتى في أوروبا. ولئن شكا الصوماليون من غيابهم طوال فترة الأزمة فإن من بقي منهم في الداخل خاصة في إطار جماعة «الاعتصام» فقد نأى بنفسه عن الأزمة منذ اندلاعها، أو على الأقل لم يكن فاعلا إلا في إطار الانقسام الخلوي. فـ «الاعتصام» خرجت من رحم «الاتحاد الإسلامي» مبكرا جدا، ثم ما لبثت أن اتخذت قرارا بوقف العمل المسلح تماما ابتداء من سنة 1996. ولعل الجماعة ظلت أقرب إلى الحكومات الصومالية المتعاقبة من قربها لأي حركة تغيير سلمية أو مسلحة، مما تسبب بخروج عدة أجنحة منها رفضت إلقاء السلاح أو أنها اختلفت مع قيادة الجماعة على مسألة الجهاد والمقاومة.
وهكذا ظلت مواقف «الاعتصام» من الاحتلال الأثيوبي والجماعات الجهادية طي الصمت إلى أن أكملت أثيوبيا انسحابها من الصومال في 15/ 1/2009. وبعدها سارع حشد من علماء الصومال في الداخل والخارج، بقيادة «الاعتصام» ، إلى تنظيم مؤتمر في أواخر شهر شباط / فبراير شارك فيه كل من:
• الشيخ بشير أحمد صلاد، رئيس «جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة» ورئيس «لجنة العلماء» ؛
• الشيخ نور بارود غرحن، الناطق باسم اللجنة؛
• الشيخ عبد الرحمن أحمد محمد، رئيس «حركة التجمع الإسلامي» الإخوانية المحلية؛ وهو حصيلة تجمع أسسه الشيخ محمد معلم في أواخر التسعينات باسم «تجمع العلماء» ثم تَسَمى باسم «مجمع علماء الصومال» سنة 2000 برئاسة الشيخ أحمد طِعِسو.
• الشيخ عثمان إبراهيم أحمد، وهو الذي أصدر بيانا بعزل القيادة القديمة لحركة الإصلاح الإخوانية احتجاجا على تواطئها مع حكومة عبد الله يوسف ورفضها إدانة الغزو الأثيوبي، إلا أن الجماعة الأم في مصر تنصلت من الاعتراف بالقيادة الجديدة؛
• الدكتور أحمد طاهر أويس، داعية صومالي مشهور؛
• الشيخ عبد القادر نور فارح «جعمي» ، عالم دِين وداعية من «بونت لاند» ؛
• الشيخ علي ورسمة، داعية من «بُرعو» ؛
• الشيخ جامع عبد السلام؛
• الشيخ الدكتور يوسف محمد علمي؛
• الشيخ عبد الله شيخ نور؛
• الشيخ حسن أحمد محمود «حسن طيري» ؛
• الشيخ محمود أبو شيبة؛
• الشيخ محمد محمد باكستاني؛
• الشيخ عبد الرزاق آدم، والشيخ عمر حسن نوح؛
• الشيخ يوسف عبد الغني حوبلي؛
• الشيخ عبد الناصر حاج أحمد؛
• الشيخ أحمد محمد سليمان؛
• الشيخ عبد الرحمن يوسف عبد «جرني» ؛
• الشيخ حسن غاب، وغيرهم من العلماء؛
كما جاء من خارج الصومال كل من:
• الدكتور شريف عثمان أحمد، مقيم السعودية؛
• الداعية الكيني الصومالي الأصل الشيخ محمد عبد أمل.
وبعد أسبوع من المناقشات أصدرت المؤتمرون بيانا تضمن الإعلان عن ميلاد «هيئة علماء المسلمين» بقيادة الشيخ بشير أحمد صلاد. وطالب البيان الرئيس شيخ شريف والحكومة الصومالية باتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق الشريعة في غضون تسعين يوما تبدأ من 1/ 3/2009، والعمل على إخراج القوات الأفريقية في مدة أقصاها 120 يوما. كما طالب كافة القوى بعدم اتخاذ أي إجراء منفرد إلا بالعودة إلى العلماء. وفي المحصلة كان من الممكن قبول بيان العلماء لولا أن كافة القوى الجهادية وغيرها رأت في ميلاد الهيئة وتركيبتها ورئاستها وبيانها تشريعا للرئيس الجديد وحكومته. كما أن الهيئة ليست من القوة بحيث تلزم الحكومة فعليا بتطبيق شريعة توافق هوىً لدى أثيوبيا والقوى الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، وليست من القوة بحيث تلزم الحكومة بطرد القوات الأفريقية من البلاد. زد على ذلك أن البرلمان الصومالي المطالب باتخاذ قرار بتطبيق الشريعة هو برلمان قبلي يضم في ثناياه علمانيين وأمراء حرب. أما «الاعتصام» ، ذات المنحى السلمي في بنيتها الفكرية والدعوية والسياسية، فإن تاريخها لا يؤهلها البتة لقيادة مرحلة ما بعد الاحتلال الأثيوبي خاصة وأنها فشلت في قيادة أية مرحلة سابقة. فكيف يمكن الثقة بالهيئة أو برئيسها أو ببيانها؟ وكيف يمكن لها أن تنجح في المصالحة وتوحيد البلد وهي التي عانت من الانشقاقات الداخلية أكثر من أية جماعة أخرى؟
ثالثا: أهل السنة والجماعة
قبل أن تفكر الصوفية في الخروج من معازلها التقليدية فقد حاولت بعض القوى الصومالية إخراجها منها في وقت مبكر، واستمالتها لتوظيفها في الصراعات الدموية نظرا لما تمثله من ثقل اجتماعي يحسب حسابه. فالصوفية تنتشر في المجتمع الصومالي قبل أن تتأسس الدولة الصومالية، وقبل أن يظهر فيها أي نظام حكم. ومن الطبيعي ألا يمسها السوء طالما أنها لا تقترب من السياسة ولا من المقاومة. مع الأخذ بعين الاعتبار حالات التمرد لبعض المشايخ المنتمين إليها، وشروعهم في مقاومة القوى الاستعمارية. لذا فقد ظلت الصوفية أميل إلى الانعزال وأبعد ما تكون عن الإسلام الحركي إلى ما بعد الانسحاب الأثيوبي حيث تغير كل شيء. وإذا تأملنا قليلا في تحول الصوفية نحو الإسلامي الحركي الذي ينافس بعضه وغيره ويخوض معارك باردة وساخنة دفاعا عن أطروحاته؛ فيمكن القول أن الصوفية ما كان لها أن تخرج من عزلتها إلا في ضوء:
• شعورها بالخطر إزاء انتشار القوى السلفية على اختلاف أطيافها في المجتمع الصومالي، ومزاحمة كافة القوى الإسلامية، خاصة فيما تقدمه من عقيدة تحارب البدع والخرافات وتبحث عن الدليل وتتمسك به. وهذا تَسَبب بانتشار بعض الوعي في الإسلام وأحكامه بعيدا عن الأطروحات الأسطورية للصوفية.
• العداء التقليدي بين الصوفية والوهابية. فالصوفيون الصوماليون، كغيرهم، كانوا يوصون أتباعهم لدى سفرهم إلى السعودية طلبا للعلم الشرعي الابتعاد عن الوهابية ومشايخها ومذهبها التاريخي ممثلا بالإمام أحمد بن حنبل وتلاميذه خاصة شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.
• حملة القوى الجهادية لاسيما حركة الشباب المجاهدين على كل مظاهر الشرك التي تؤمن بها الصوفية وأتباعها خاصة فيما يتعلق بهدم المزارات ونبش القبور والأضرحة ودفن رفاتها في أكثر من مكان بحيث لا يعاد بناؤها مجددا. ولا ريب أن مثل هذا السلوك أثار حفيظة مشايخ الصوفية في أرجاء الصومال، وعرّى معتقداتهم خاصة فيما يتعلق بمشايخهم الذين قدموهم للأتباع على أنهم من أهل العرفان وأصحاب الكرامات والوسطاء بين الله والأتباع سواء كانوا أحياء أو أمواتا، فإذا بهم لا يستطيعون الدفاع عن رفاتهم! وأخطر ما في هدم الأضرحة أنه سلوك سيدفع العامة من الناس والأتباع إلى المقارنة بين ما تلقوه من تعاليم ومعتقدات وما تراه أعينهم.
أعجب ما في الجماعة أنها لم تكن هي من اختار اسمها، لكن ظهورها بهذا الاسم «أهل السنة والجماعة» لم يكن صدفة ولا هوى، بل فيه خداع كبير للعامة لتزكية الذات والالتفاف على سيل الاتهامات الملازمة لها تاريخيا في صناعة المعتقدات الشركية والعمل بها وتقديسها. فالصوفية وفقا للصيغ البدعية الغالبة عليها كتعظيم القبور والأضرحة والأولياء والرقص والطبل والطرب والشعوذات السلوكية عبر تثقيب الأجساد بالقضبان الحديدية والأسياخ المعدة خصيصا للغرض، والمشي على الجمر والكرامات والمعجزات والخوارق التي يزعم مشايخها أنهم يتمتعون بها فضلا عن الاتصال بالأنبياء والله عز وجل والتوسط لهذا وذاك لا يمكن أن تكون من معتقدات أهل السنة والجماعة بقدر ما هي معتقدات بدعية صاغها المعتقدون بها والمدافعون عنها والمروجون لها. ولأن طرقها شائعة في الصومال وسط مجتمع تسوده الأمية من كل جانب فقد وجدت لها رواجا واسعا.
بحسب أحد الكتاب الصوماليين فقد ظهرت التسمية «أهل السنة والجماعة» عبر إذاعة محلية في العاصمة مقديشو افتتحها الجنرال محمد فارح عديد في أوائل تسعينات القرن الماضي. وبدأت تبث على الهواء أناشيد وأوراد طرقية، في محاولة منه لاستمالة الصوفية كواجهة دينية يستخدمها لإضفاء الشرعية على أعماله الإجرامية من جهة وضربهم بالحركة السلفية التي قاتلته في ضواحي مدينة كسمايو من جهة أخرى. وفي منتصف التسعينيات عادت التسمية للظهور في العاصمة عبر تجمع محدود النشاط على ذمة الشيخ عبد الرزاق أحد علماء الطريقة القادرية الصوفية، رفقة مدرسة ثانوية سميت بـ «مدرسة المأمون» . لكن الظهور الأقوى والمسلح كان في أواخر العام 2008 في المناطق الوسطى، حين اصطدمت مع القوى الجهادية على خلفية التعرض لمقابر بعض أقطاب علماء الصوفية وهدم مزاراتهم في أكثر من مكان، وحظر المناسبات الدينية، ناهيك عن تهديد التجمعات الصوفية في مدن وقرى الجنوب.
لكن إذا كان سبب اصطدام الجماعة بالقوى الجهادية هو هدم الأضرحة وغيرها في مناطق متفرقة من الجنوب خاصة في إقليم شبيلي الأوسط حيث مدن «كسمايو وبارطيرى وبيولي» ، موطن أهم المزارات والمقامات والأضرحة التاريخية لرموز الصوفية، فإن أول ظهور مسلح للجماعة لم يكن في هذه المناطق بل في المناطق الوسطى التي لم تتعرض لما بات يعرف، لاحقا، بـ «حملة فأس الخليل» ، كونها معاقل نفوذ تاريخي للصوفية لم تنل منها القوى السلفية مثلما نالت من مناطق الجنوب وقراه.
وفي حربها ضد القوى الجهادية تمركزت الجماعة في «غوريعيل وطوسمريب» ، وتلقت تعزيزات من معاقلها في «غالكعيو وعابدواق وحرالي ومتبان وعدادو وعيل دير» ، بالإضافة إلى مناطق الأطراف مثل «غلغدود» أو تلك المحاذية لإثيوبيا مثل مناطق «بكول - غدو» حيث يمكن الحصول على الدعم والمساندة بعكس صوفية الجنوب والساحل الواقعة تحت مطرقة القوى الجهادية بلا أي دعم أو مساندة. وقد أثار ظهور الجماعة المفاجئ والسريع، وتقدمها العسكري في عدة مناطق، وخوضها معارك طاحنة ضد حركة الشباب المجاهدين اهتماما إعلاميا واسع النطاق، وتسبب بإثارة الكثير من التساؤلات حول مصدر تمويلها وتسليحها وقدرتها على الاستمرار.
ولم يطل الوقت حتى تحدثت تقارير كثيرة عن تلقي الجماعة لدعم إقليمي من أثيوبيا وكينيا وأوغندا. كما أنها على علاقة وثيقة مع حكومة الرئيس شيخ شريف سواء لجهة ما يجمعها معه من هدف مشترك في محاربة خصومه خاصة من القوى الجهادية، أو لكونه سليل عائلة صوفية شهيرة تتبع الشيخ أحمد بن إدريس الفاسي، أو ما يعرف بالطريقة الإدريسية.