أما على الجانب السني فالغريب أن الإعلام لا يأت على ذكر مواقف الغالبية الساحقة منهم بمن فيهم قادة العشائر إلا عبر المواقف السياسية لمن لجأ منهم إلى القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي. وكأنها قائمة تمثل السنة حقا أو حتى جزء منهم. والحقيقة أنها قائمة تمثل ذات الوجوه التي تمزقت ولاءاتها وانتماءاتها وتجمعاتها السياسية فلم تعد تجد من حاضنة لها إلى الحاضنة الشيعية بوجهها العلماني المزيف. وعليه فمن المستحيل مراقبة الاندفاعة الأمنية والعسكرية للقاعدة، في طول العراق وعرضه، خارج عودة ملحوظة للحواضن السنية والعشائرية. حتى أن الصحف الدولية ووكالات الأنباء لم يعد باستطاعتها إخفاء أنباء الهجمات الشاملة والاستعراضات العسكرية لدولة العراق الإسلامية في شوارع الأحياء السنية الكبرى كما حدث مؤخرا في حي الأعظمية. ولو عدنا إلى بيان مجلس شورى دولة العراق الإسلامية لقرأنا فيه كيف «انعقد المجلس مباشرة لحسم مسألة إمارةِ الدّولة» و «ظلّ في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها» إلى أن «اجتمعت الكلمة على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميرًا للمؤمنين» . فلو كان الأمر مقتصرا على قادة تنظيم أو جماعة لما احتاج المجلس لاستخدام كلمة «حسم» ولا عبارة «اجتمعت الكلمة» ، لأن «الحسم» و «اجتماع الكلمة» لا يقعان إلا في ضوء تبادل وجهات النظر وبالتالي تعدد القوى المشاركة في «الشورى» سواء كانت تنظيمية أو اجتماعية أو شرعية أو سياسية. لكن ماذا عن الدور الأمريكي الذي يبدو كالحاضر الغائب؟
في أكثر الأحايين نسمع تصريحات أمريكية ذات لون واحد تؤكد على أن الهجمات المسلحة لن تؤثر على خطط الانسحاب الأمريكي من العراق. وفي المقابل نستمع إلى تصريحات حكومية تطالب الولايات المتحدة بعدم الانسحاب. والحقيقة أن الأمريكيين، وهم ينظرون إلى هشاشة الوضع الأمني في العراق منذ بدء تطبيق خطة أمن بعداد، إنما يعبرون عن استراتيجية تقضي بابتعادهم عن خوض مواجهات مباشرة والاقتصار على التدخلات الأمنية والدعم اللوجستي حتى ولو بعد خراب مالطا. وهي استراتيجيا استبدلوا فيها ضحاياهم بضحايا محليين، ولن يستطيعوا التنازل عنها. وهم يسعون إلى تطبيقها في اليمن وأفغانستان. أما صحيفة «الواشنطن بوست - 23/ 1/2009» فقد كشفت عن الحقيقة المرة حين علقت على تفجيرات المقرات الحكومية الخمسة في «غزوة الأسير» الأولى والثانية بالقول: «إن القوات الأمريكية عاجزة عن المشاركة في عمليات قتالية في العراق» . هذه هي الحقيقة بلسان الأمريكيين أنفسهم. وهذا يعني أن الشلل الأمريكي لن يحمي الحكومة العراقية ووزاراتها من البطالة، ولن يوفر لها أكثر من حماية معنوية، مثلما أن الانسحاب الأمريكي سيبدو بمثابة الضربة القاضية لها. ولعل تصريح نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن من أن بلاده لن تضمن الأمن في العراق بعد انسحابها منه ينطوي على حقيقة مؤلمة بقدر ما ينطوي على ما أسمته إحدى الصحف العربية بـ «ابتزاز» وتهديد للقوى السياسية العراقية بضرورة تشكيل الحكومة وإلا فالولايات المتحدة قد ترفع يدها عن الملف العراقي وتترك أهله لمصيرهم، وهو ما ألمح إليه د. أيمن الظواهري في خطابه عن القدس.
أخيرا
لعل أطرف ما في الساحة العراقية ملاحظة وجود مجموعات متخصصة من المجاهدين تتقاسم العمل والمهام فيما بينها دون أن تتأثر بأية مواقف سياسية أو عسكرية أو أمنية، حتى في أسبوع الحيرة والشك الواقع ما بين مقتل البغدادي والمهاجر والإعلان عنه. كما لوحظ وجود مجموعات متخصصة في مهاجمة نقاط السيطرة والتفتيش. وأغلب هؤلاء يستخدمون كواتم الصوت. ومجموعات تستهدف الصحوات في بيوتهم وأخرى تستهدف أماكن تجمعهم وغيرها يترصد حركات التنقل وتفخيخ سياراتهم. ومجموعات باتت تهاجم بزخم بشري كبير، يذكّر بهجمات السنوات الأولى من الاحتلال. لكن أبرز ما يمكن ملاحظته هو العمل الأمني المحكم الذي أثبت قدرته في اختراق أعتى الأهداف وأشدها تحصينا. ولما لم يعد ثمة مكان آمن رغم وجود الأمريكيين فهل يعقل أن يكون الأمر أكثر أمانا بغيابهم؟ لننتظر الأيام القادمة ونرى، فلا ريب أن الدورة التاريخية ماضية!
نشرت بتاريخ 01 - 08 - 2010