فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 167

لكن تَقَصِّي نمو الجماعة وتحالفاتها المحلية والكشف عنها، من شأنه أن يلحق بها ضررا شرعيا بالغا داخل البلاد وخارجها، ويجردها أخلاقيا بحيث لا يبقي لها ما يكفي حتى لستر العورة. فالجماعة غدت حاضنة لكل من عارض القوى الجهادية ورغب في قتالها. ولا ضير إن كان بعض الحلفاء الجدد للجماعة من الجنرالات المتقاعدين وأمراء الحرب السابقين كبري هيرالي الذي هزمته حركة الشباب في مدينة كيسمايو وعبد وال، أو من القادة العسكريين في الحكومة مثل صلاد حريد الذي انضم مع آلياته وأسلحته للجماعة في 12/ 12/2009 بعد هزيمته في مدينة بلدوين عاصمة إقليم هيران أمام الحزب الإسلامي في تشرين أول / أكتوبر 2009، أو مثل عبد الرحمن معو الذي انضم إلى الحزب الإسلامي بعد انشقاقه عن الحكومة الصومالية لينضم مؤخرًا إلى الجماعة، وكذلك يوسف سياد انطعدي أحد أقطاب الحزب الإسلامي قبل انشقاقه عنه في شباط / فبراير سنة 2009 والتحاقه بحكومة الرئيس شيخ شريف وتوليه وزارة الدفاع. والذي شارك إلى جانب الجماعة في المعارك التي دارت في المناطق الوسطى، وتعرض فيها مع الجماعة لهزيمة على يد القوى الجهادية، علما أنه ينحدر من نفس المنطقة ويتلقى من قبائلها ما يحتاجه من دعم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار الصبغة القبلية للمجتمع الصومالي فمن الطبيعي أن تحظى الجماعة بدعم من القبائل المناوئة للقوى الجهادية إما بسبب هزيمة مسلحيها وبعض قياداتها أو بسبب انتماءاتها الصوفية أو بسبب كونها خصيمة تاريخية لما تصفه بالإسلام الوهابي، أو بسبب أحقاد وثارات بين القبائل ورغبات في الانتقام ليس إلا.

هذا المحتوى المسلح والهجين للجماعة شجع بعض الآراء الصومالية على وصفها بالقول:

«-"أهل السنة والجماعة"ليست حركة إسلامية بمفهومها المعهود، بل هي ثورة وتمرّد وعصيان على السلفية الجهادية عامة وعلى حركة الشباب المجاهدين خاصة، وهذا الباب قد فُتح وكل خصم ينتظر الفرصة.

-يقود هذه الثورة كل مناوئ لحركة الشباب وحلفائها سواء كانوا زعماء حرب أو قبليين أو صوفيين أو إخوانيين في الحكومة أو زعماء قبائل».

يبقى القول بأن المصادر الصومالية لا ترى في الصوفية تماسكا سياسيا فيما بينها حتى لو اختلفت جميعها مع القوى السلفية والجهادية، بل أن بعض الطرق على عداء شديد فيما بينها كالعداء التاريخي بين الطريقة «القادرية» والطريقة «الصالحية» . ولا ريب أن مصدر التباين يرجع إلى اختلاف في الطرق والمناهج. وتبعا لذلك يمكن ملاحظة خلافات منهجية شديدة بين الطريقة «الزيلعية» التي ينتمي إليها صوفية المناطق الوسطى الذين يعرفون داخليا بـ «السمنترية» ، وهي جماعة متشددة تقول بعض المصادر الصومالية أنها تتبنى تكفير مخالفيها، والطريقة «الأويسية» التي ينتمي إليها العديد من الطرق الجنوبية، وهي التي عقدت مؤتمرها العام تحت رعاية حكومة الرئيس شيخ شريف أحمد، وجددت فيه البيعة للشيخ شريف شيخ محيي الدين رئيسا للجناح غير المسلح لـ «أهل السنة والجماعة» ، وهو الذي أعلن تأييده للحكومة الانتقالية فور انتخابه. والغريب أن الشيخ نفسه، بحسب ذات المصادر الصومالية، يرى أن العداء لحركة الشباب لا يبرر التحالف مع أديس أبابا. وهو الموقف نفسه الذي عبر عنه مشايخ آخرين في الجماعة ممن يرفضون مبدأ الاستقواء بالقوات الأجنبية لاسيما إثيوبيا كالشيخ عبد الله صومو، والشيخ عثمان حدغ.

أما عن حقيقة مواقفها من الحكومة، قبل وبعد مشاركتها الأخيرة وتوليها خمسة وزارات؛ وفي حكومة أثيوبية النفوذ والولاء، فالصوفية واقعة بين الحذر والاندفاع. فثمة أجنحة تكتفي بالقول أنها ستتوقف عن القتال إذا توقفت القوى الجهادية عن المساس بمزاراتها وأضرحتها. وهناك أجنحة أخرى أعلنت استعدادها لبناء تحالف استراتيجي مع الحكومة للقضاء على من تعتبرهم قوى «تكفيرية» . لكن ثمة أجنحة لا تثق كثيرا في السلطة أو التحالف معها. وفي السياق لا يخفى أن بعض التصريحات ذهبت إلى حد التحذير من خطر الولوغ عميقا في علاقات مع الحكومة قد لا تحمد عقباها خاصة فيما يتعلق بمصداقية الجماعة وشعبيتها أو بسبب عدم الثقة بمواقف الأطراف التي غالبا ما تحركها القبائل والمصالح والمغانم. فقد أعاقت الخلافات القبلية بين الصوفية انتخاب شخصية مشهودة لتوحيد طرقها تحت مشيخة واحدة. وهو ما حصل في مؤتمر مدينة «عابدواق - 16/ 12/2009» الواقعة في إقليم جلجدود، حين نجحت القبائل المتنفذة في استبعاد الشيخ النافذ دوليا محمود معلم حسن من رئاسة «أهل السنة والجماعة - جناح الزيلعية» المتشدد واستبدلته بالشيخ عمر محمد فارح لحسابات قبلية صرفة لا علاقة لها بالكفاءة ولا بالسياسية.

رابعا: القوى الجهادية

• المجتمع والشريعة والدولة

الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها هي أن تيارات الصحوة الإسلامية بمختلف تشكيلاتها قد وطّنت للحضور الإسلامي الحركي في البلاد على الأقل ابتداء من سبعينات القرن العشرين. وأوجدت ثقافة إسلامية بين مختلف التشكيلات الاجتماعية سواء على مستوى القواعد أو على مستوى النخب. ونجحت فعلا في الترويج لفكرة تطبيق الشريعة حتى صارت مطلبا تتفق عليه القبيلة والقوى الإسلامية التقليدية والجهادية وحتى شيخ شريف والولايات المتحدة وأثيوبيا! وهذا يعني أنه لا مناص ولا فكاك من تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية في الصومال عاجلا أو آجلا. وبلسان أحد الكتاب الصوماليين فإن: «الحركات الإسلامية حاليا هي المسيطرة على جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية، بل تجاوزت الخطوط الحمراء لتكون القوة العسكرية الحقيقية في البلاد، فالأحزاب السياسية الأخرى المحسوبة على العلمانية أو القبلية خرجت عن الساحة، كما أن الأفكار غير الإسلامية لا تجد رواجا عند غالبية الشعب الصومالي» .

لكن (1) الأمية الساحقة التي تميز المجتمع الصومالي، و (2) غياب الرصيد الحضاري والإسلامي والتاريخي الذي أشرنا إليه، و (3) طغيان الحضور القبلي المحمل بقيم العصبية التقليدية كالغزو والغنائم والنفوذ وحب السلطة والقيادة وإخضاع الغير .. كلها وغيرها غدت معايير ترجح الشك على الثقة لدى القوى الجهادية والحليفة لها، حتى لو صدقت الدعوات التي تطالب بتطبيق الشريعة. فالأمريكيون والأثيوبيون والحكومة وحلفاؤهم يراهنون على مثل هذه المعايير في إسقاط مطلب تطبيق الشريعة أو إقامة الدولة الإسلامية. وهذا يعني، مبدئيا، أن المجتمع الصومالي يتعرض لحملة خداع دولية تنفذها أدوات محلية إقليمية متعددة؛ ليست القوى الجهادية بغافلة عنها، وإلا ما كانت هذه القوى المخادعة لتسقط المحاكم الإسلامية وهي تقيم الشرع وتحفظ الأمن وتطارد المجرمين وأمراء الحرب دون أن تهدد أحدا في الجوار أو في العالم.

وما أن مرت بضعة أسابيع أو شهور؛ حتى سقطت أطروحة الحكومة المؤيدة لتطبيق الشريعة سقوطا ذريعا، وسقطت معها مهلة هيئة علماء المسلمين للحكومة التي غدت تطالب علنا بزيادة القوات الأفريقية ومنحها صلاحيات أوسع من ذي قبل، وانكشفت تحالفات الحكومة وهي تنسق مع أثيوبيا والأمريكيين، وتجتمع بهم في أماكن شتى، وتطالبهم بالدعم والمساندة والتدخل الدولي وخاصة الأمريكي لإنقاذ الصومال ممن باتت تصفهم الحكومة صراحة بأنهم «متطرفين» أو «إرهابيين» دوليين. وبالتوازي مع هذا السقوط كانت التركيبة المحلية للحكومة ومؤسساتها تتكشف هي الأخرى تباعا من حيث أصولها القبلية أو تحالفاتها مع القوى الأجنبية أو قواعدها الشرطية والأمنية التي لا تختلف كثيرا عن ميليشيات أمراء الحروب في قطع الطرق وابتزاز العامة والاعتداء على الممتلكات الشخصية. لكن إذا وضعنا في الاعتبار التوصيفات السابقة لمنظومات القوى، وشدة تعقيدات المسألة الصومالية، والعقبات الكبرى التي تقف بوجه القوى الجهادية؛ فالسؤال: كيف نجحت هذه القوى في توسيع نفوذها ومحاصرة الخصوم إلى الحد الذي صار فيه حلم الدولة الإسلامية على مقربة من أبواب القصر الجمهوري وثكنات القوات الأفريقية؟

• الأداء المدني لحركة الشباب المجاهدين

قلنا أن الصومال ليس لديه رصيد حضاري إسلامي ولا خبرة سياسية ولا دولة حديثة ذات امتداد تاريخي يمكن أن تساعد الصوماليين في استحضار ما لديهم من خبرات وتراكمات معرفية لإطفاء لهيب الأزمة. ولا شك أن هذين المعطيين مثّلا جزء من المشكلة الصومالية. لكنهما جزء من الحل بقدر ما يشكلان عناصر مغرية وجاذبة للمقارنة بين ماض مفقود أو فاشل، وآخر معروض وقابل، على الأقل، للنظر والاستكشاف. فالصوماليون باتوا أقرب إلى الإسلام والرغبة بإقامة دولة إسلامية من قربهم لاستعادة دولة علمانية لم يَخْبروها، ولم يروا منها خيرا يذكر، خاصة وأن الإسلام هو دين المجتمع ولا دين غيره. لكن بما أن القبيلة لا تشكل مشروع دولة؛ وبما أن المشروع الإسلامي فشل منذ بداية الأزمة في مطلع تسعينات القرن الماضي فما الذي يجعله مغريا عبر القوى الجهادية؟

من المهم الإشارة إلى أن تجربة المحاكم بالمنظار الشرعي وليس بالمنظار السياسي تُعدّ من أنجح تجارب الحكم في الصومال. ورغم بنيتها القبلية إلا أنها مثلت اختبارا واقعيا ونموذجيا لمدى فاعلية الحكم الإسلامي في تطبيقاته القضائية من جهة، ولمدى قبوله من عامة الناس من جهة أخرى. كما أنها، تجربة، مثلت رصيدا لحركة الشباب المجاهدين يمكن الاستفادة منه والبناء عليه. وقد أثبتت التجربة أن اعتماد الأحكام الشرعية مرجعية للتقاضي، مكّن القوى الفاعلة من توفير الأمن أكثر مما وفره العرف القبلي، كما مكن القوى من حفظ الحقوق ورد المظالم أكثر مما فعلته أية مرجعية أخرى.

لا شك أن حركة الشباب المجاهدين هي الجماعة الأكثر قوة وانضباطا وتدريبا وخبرة وتجربة مقارنة بكافة الجماعات الأخرى. ولا شك أيضا أنها الجماعة الوحيدة التي تمتلك مشروعا واضح المعالم في الصومال، بقطع النظر عن قبوله أو رفضه. ولا شك أنها الأقدر على فهم طبيعة البلاد والعقبات التي تعترضها. كل هذا يفسر لنا إلى حد ما جملة الأسباب التي دفعت بالحركة لِأنْ تؤسس لها جيشين، بخلاف كافة الساحات الجهادية الأخرى في العالم. والأعجب أن جيشها المقاتل أسمته بـ «جيش العسرة» استجابة فيما يبدو لقراءة منها رأت فيها أن الواقع الذي ينتظرها يحتاج إلى «جيش» تنتظره مهمات «عسيرة» وجبهات مفتوحة ابتداء من أمراء الحرب والمسلحين والمجرمين وقطاع الطرق مرورا بالقوى الإقليمية وانتهاء بالقوى الدولية. أما الأعجب من «جيش العسرة» فهو «جيش الحسبة» المدني. وما لا ينبغي تجاهله الإقرار بأن المسألة الصومالية هي مسألة اجتماعية بدرجة لا تقل عن كونها مسألة سياسية، وإلا ما كانت الحركة لتنشئ جيشا قائما بذاته. فقد كان من الممكن أن تكتفي بدائرة أو لجنة أو مؤسسة اجتماعية في إطارها تُعنى بمتابعة القضايا المدنية والدينية. وفي المحصلة لو كان «جيش العسرة» يفي بالغرض لما احتاجت الحركة لـ «جيش الحسبة» لفك تعقيدات الجبهة المدنية.

على كل حال، إذا ما انطلقنا من بيانات الحركة وما تناقلته وسائل الإعلام من أخبار عن نشاطاتها المدنية فسنلاحظ أن «جيش الحسبة» يتكون من مجموعات على قدر من العلم الشرعي، وعلماء شرع، ودعاة ومشايخ، وخبراء في المجتمع والسياسة، وتجار ووجهاء من قبائل حليفة للمجاهدين، ومثقفين وقياديين إداريين في حركة الشباب. هؤلاء تبدأ مهمتهم، على الأغلب، بعد سيطرة جيش العسرة على منطقة ما. وهم ذوو مهام متنوعة. فمنهم مجموعات مختصة بمراقبة الأسواق وحركة التجارة، وآخرون مكلفون بالدعوة والإرشاد وتهيئة المنطقة لتطبيق الشريعة، ومثلهم معنيون بتحصيل الزكاة وتوزيعها على مستحقيها، ومجموعات أخرى تهتم بالتعليم، وأخرى مخصصة لفض النزاعات بين الأفراد أو بين القبائل والإصلاح فيما بينها، ومجموعات مكلفة بالمحاكم الشرعية وتطبيق الحدود والعقوبات، ومجموعات مهمتها مراقبة منظمات الإغاثة والمؤسسات الدولية العاملة في الصومال، ومجموعات أخرى معنية بالتنمية والزراعة والري ... وهكذا.

ومن الطبيعي في مثل هذه الأوضاع أن تضعف سلطة القبيلة وهيبتها كلما توسع سلطان الحركة على المناطق الخاضعة لسيطرتها، وشرعت، عبر «جيش الحسبة» ، ليس بتطبيق الشريعة فحسب بل في تثبيت أهم العناصر المركزية في المشروع الإسلامي تمهيدا لإعلان الدولة الإسلامية. فإذا ما واصلت تقدمها على الأرض، وأحكمت سيطرتها، فستغدو فرصها أكبر في تقديم بديل أكثر جاذبية مما قدمه زعماء الحرب أو الدولة أو حكومة الرئيس شيخ شريف خاصة بالنسبة للقبائل الضعيفة أو التي عانت من الصراعات المدمرة مع القبائل الأخرى أو لأولئك الأفراد والعشائر والعائلات الذين خضعوا مكرهين لسلطة القبائل الطاغية ومظالمها.

فإذا كانت القبائل، حتى الكبيرة منها، تتصارع على الوجاهة والامتيازات والمكانات الاجتماعية والرياسات، ولو باسم الدين، فإن هيمنة بعضها على بعض لا يعني انتصارا لهذه على تلك ولا تشريعا لسلطة دون سلطة بقدر ما يعني مزيدا من الأحقاد والضغائن والخوف والثارات المؤجلة زيادة على التربص ببعضها البعض طوال سنين أو عقود من العداء المتبادل. وهنا بالضبط سيكون لفض النزاعات والإصلاح بين القبائل على أساس الحكم الشرعي إغراء لا يستهان به، ومخرجا كريما للجميع من حالة الاحتراب، ومكسبا شرعيا واجتماعيا. بل إن الخضوع للحكم الإسلامي سيكون ملاذا من عقدة الحرج الواهية التي تتسبب بها غالبا بعض القيم القبلية، فمثل هذه العقد تكبل الشخصية القبلية وتعمق من الحواجز وتشحذ النفس بمشاعر المهانة أو الهزيمة أو الذل والعار. لكن في ظل حكم شرعي فالمقارنة المتاحة أمام القبائل لن تكون على قاعدة العار والنصر بل على قاعدة: أي المرجعيات أعدل .. وأيها أولى بالمراهنة والاتباع .. وأيها أكرم وأحكم؟ مرجعية القبيلة .. أم مرجعية أمراء الحرب .. أم مرجعية الإسلام .. أم مرجعية العزة بالإثم .. أم مرجعيات القوى الأجنبية والعلمانية؟

• الشباب والحزب الإسلامي

بعد الانسحاب الأثيوبي أوائل العام 2009 تم الإعلان عن تشكيل الحزب الإسلامي بزعامة د. عمر إيمان في الصومال، ومنذ ذلك الحين ساد المراقبين وأنصار المجاهدين مخاوف من أن تنتهي العلاقة بين الحزب وحركة الشباب إلى صراع دموي. فهما الآن يخوضان صراعا ضد الحكومة وشيخ شريف، وصراعا آخر ضد القوات الأفريقية، وصراعا ثالثا ضد جماعة «أهل السنة والجماعة» . لكن إذا استطاع الطرفان تصفية خصومهم فالصراع بينهم قادم لا محالة.

في الواقع فإن مثل هذا الافتراض هو أبعد ما يكون عن الحقيقة. فالحزب الإسلامي تأسس من جماعات صغيرة وبقايا مقاتلي المحاكم في تحالف «أسمرة» الذين يتزعمهم الشيخ حسن طاهر أويس. أما الأصل في التأسيس فيرجع إلى رفض المقاتلين استمرار الانضواء في تحالف «أسمرة» الذي لا يختلف في الواقع عن تحالف شيخ شريف في «جيبوتي» من حيث بنية التكوين والأهداف، فهو تحالف لا يتبنى الجهاد بصورة واضحة، فضلا عن أن ميثاقه ذو محتوى وطني، ولا يضع في حسبانه إقامة الدولة الإسلامية.

إذن كلا الجناحين يضمان في عضويتهما علمانيين، وكلا الجناحين من ناحية شرعية وطنيين ليس لهما تطلعات فعلية حول تطبيق الشريعة أو إقامة دولة إسلامية. ولما يكون جناح جيبوتي قد اختار أثيوبيا والغرب مرجعية له فلا شك أن الموقف سيكون محرجا للشيخ أويس الذي يقود تحالفا بلا مرجعية. فمن جهتها استقلت حركة الشباب المجاهدين بعيدا عن أي من التحالفات الوطنية بعد انهيار المحاكم مباشرة، كما تبرأت الجبهة الإسلامية من التحالفات منذ اللحظة الأولى لظهورها سنة 2008، والأمر نفسه فعله الشيخ حسن تركي قائد جماعة رأس كامبوني. كل هذه التطورات السريعة دفعت د. عمر إيمان والشيخ حسن تركي إلى التقدم خطوة للأمام، ووضع النواة الأولى للحزب في إقليم جوبا. والسؤال: لماذا جاءت المبادرة من د. عمر إيمان في حين بقي الشيخ أويس في الظل؟

مشكلة الشيخ أويس الأولى أنه إسلامي التوجه والعقيدة، ويؤمن حقيقة بدولة إسلامية ولا يؤمن بغيرها، لكنه قبلي التفكير حتى النخاع. فمن جهة، لا يحتمل الشيخ أويس الضغوط الدولية، ومن جهة أخرى لأن مشروعه الشخصي لا يتصور فيه رئيسا للصومال غيره. ولأن السعي للرئاسة يستوجب قبولا دوليا نراه حذرا من خطاب الشيخ أسامة بن لادن الذي انتقده، لتطلعات شخصية، وأعلن أنه يريد تطبيقا معتدلا للشريعة كما يقول. وهذه تصريحات لا تتوافق مع متطلبات الموقف الشرعي، لكنه يحاول أن ينأى بنفسه عما يعتقد أنه يشكل عقبات أمام طموحاته. فهو يعرف جيدا أنه لا يوجد في الشريعة أحكام معتدلة وأخرى متطرفة، ويعلم أن الغرب لن يرحب به طالما أصرّ على أفكاره.

مشكلة أويس الثانية أن معظم مقاتليه، بحسب مصادر صومالية، انضموا إما إلى القائد العسكري يوسف سياد انطعدي الذي انشق عن الحزب والتحق بالحكومة وصار وزيرا للدفاع، وإما إلى «أهل السنة والجماعة» في الأقاليم الوسطى. وهكذا لم يتبق له نفوذ كبير في الحزب. ومع ذلك فقد عاد وتولى رئاسته بعد إجبار د. عمر إيمان على الاستقالة. فما الذي حصل بالضبط؟

الذي حصل أن الشيخ أويس ينتمي إلى عشيرة تابعة لقبائل الهوية الكبيرة في الصومال. ولأن معظم مقاتليه تخلوا عنه؛ فقد استغلت الحكومة هذا الوضع وحاولت الإيقاع بالحزب الإسلامي وضربه بالقبائل عبر إظهاره بأنه يخوض حربا ليس ضد «أهل السنة والجماعة» أو الحكومة بل ضد قبيلة الهوية. وهذه وضعية سياسية حساسة لا ينفع في التصدي لها شخص كالدكتور عمر إيمان بل شخصية عسكرية وحرفية وتاريخية ومن ذات القبيلة. وهكذا انسحب د. عمر إيمان ليفسح المجال أمام الشيخ أويس.

لكن هذه الوضعية للحزب لا تؤهله مستقبلا للبقاء أو القدرة على خوض مواجهات حاسمة مع الخصوم. ولأن معظم قواعد الحزب من المقاتلين يعتنقون الفكر السلفي الجهادي فقد لاحظنا صدور تصريحات من قيادات مختلفة داخل الجماعات المكونة للحزب تتحدث عن مفاوضات وحوارات للتوحد أو الاندماج مع حركة الشباب المجاهدين خاصة بعد افتضاح محاولة الانقلاب على إدارة ميناء كيسمايو احتجاجا على تطبيق الشريعة من قبل أحمد مدوبي القائد العسكري القادم من كينيا فجأة، والذي زعم انتماءه للحزب الإسلامي ليلقى بعض الترحيب من بعض القادة والتبرؤ من قادة آخرين. كما رصدنا تصريحات بدا وكأنها تحاول اختصار الطريق وهي تتحدث عن حوارات بين الجانبين تمهد لإعلان الدولة الإسلامية.

قد يسأل سائل: لماذا انضوت الجماعات الصغيرة تحت راية الحزب لدى اعتراضها على تحالف أسمرة ولم تندمج مباشرة مع حركة الشباب المجاهدين رغم أنها تعتنق نفس الفكر بدرجة كبيرة جدا؟ بل أنها تكاد تكون في حالة تطابق فكري تام؟ الأرجح أن قادة الجماعات حاولوا طويلا، بعيدا عن مزالق الشيخ أويس، الإفلات من التصنيفات الدولية والإقليمية لكن دون جدوى. فلما اتضحت المواقف حسموا أمرهم بالانضمام إلى الحركة، بل أن الأنباء تحدثت عن مجموعات كبيرة من الحزب في مناطق عدة بايعت حركة الشباب.

هكذا لا يبدو أن الشيخ أويس أو الحزب يشكلان أي خطر على المشروع الإسلامي الذي يقوده المجاهدون في الصومال بمن فيهم الحزب الإسلامي، حتى لو حاول بعض أقطاب الحزب اللعب على وتر تكثير سواده، في مواجهة الحكومة، ولو على طريقة أحمد مدوبي الذي انفصل أو تم فصله من الحزب. وإن كان هناك احتمال لخطر قادم من الشيخ أويس بالذات فهو بالغ المحدودية إن لم يكن معدوما. ولعل أطرف توصيف لوضعية الشيخ أويس نجده لدى أحد الكتاب الصوماليين الذي روى طرفة يتناقلها الناس بعد ترؤس الشيخ للحزب تقول: «إن الشيخ ترأس مجلس شورى المحاكم الإسلامية فانهار، وترأس التحالف من أجل تحرير الصومال - جناح أسمرة فانهار، فهل سينهار الحزب الإسلامي برئاسته؟» . وعليه فالشيخ بدون حركة الشباب ضعيف، وقوته مرهونة بقوة «الشباب» ، وليس في العكس أدنى قدر من الصحة.

ملاحظة

شكلت المحاكم الإسلامية التي امتد حكمها لستة أشهر فقط حاضنة للصوماليون بكافة أطيافهم الاجتماعية والإسلامية، ودعموها بقوة، إلا من أبى! وحين ظهرت «أهل السنة والجماعة» شكلت، هي الأخرى، حاضنة لفرق الصوفية المتصارعة، ولكل من بحث عن عنوان لمقاتلة المجاهدين! ولما ظهرت حركة الشباب المجاهدين شكلت حاضنة للقوى الباحثة عن تطبيق الشريعة وإقامة الدولة الإسلامية حتى لو جاؤوا من شرطة وجنود الحكومة وبعض نواب البرلمان والشخصيات الناقمة على تجربة الحكومة!

لكن المحاكم فشلت في مواجهة القوى الإقليمية والدولية، بينما تحالفت «أهل السنة والجماعة» مع القوى المعادية من موقع الضعيف. أما حركة الشباب فقد بلغت من القوة ما يكفي لطرد القوات الأثيوبية، وتهديد «الأميصوم» ، وإصابة كينيا بالفزع من احتمال تمدد التيار الجهادي إلى مجتمعها واختراقه لأراضيها، وما يكفي لقرص أذن أوغندا، بصورة كادت تفقدها صوابها، عقابا لقواتها في «الأميصوم» على استهداف المدنيين كلما شعرت بالتهديد ولو بقذيفة طائشة. ومع أن حسم الموقف في الصومال ما زال غامضا إلا أن سرعة دوران الدورة التاريخية فيه لا تقل عن سرعتها في أفغانستان.

نشرت بتاريخ 17 - 08 - 2010

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت