د- كذلك كان الأدب البولسى ولا يزال يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للإكليروس، وهو القاعدة الأساسية التى يبنون عليها سلطتهم (انظر تيموثاوس الأولى 5 عدد17، 19) "أما الشيوخ المدبرون حسنًا فليحسبوا أهلًا لكرامة مضاعفة ولاسيما الذين يتعبون في الكلمة والتعليم ... لا تقبل شكاية على شيخ إلا على شاهدين أو ثلاثة شهود".
فمثل هذه النصوص ومثيلتها التى فهمت خطأ أو أُسئ استخدامها قد أدت بتحليلها الخاطئ إلى استبداد الأساقفة في الكنيسة القديمة لدرجة أنهم أنفسهم قد قرروا أنه لا حول ولا قوة على الأرض إلا بهم. وقد أدت هذه القوة إلى خضوع القياصرة لهم وعلى رأسهم تيودسيوس الأول الذى أجبره أمبروسيوس -أحد حكام الإكليريك- على الركوع على ركبتيه *
وأخيرًا وليس آخرًا فقد ضم بولس إلى جانبه أنانية جموع الناس وخمولهم: فليس من السهل مدح الدين القاهر إلا أنه كانت هى الحال بالنسبة لديانة بولس التى يحصل فيها المرء على نجاته مجانًا. فمن في العالم كله له أن يستجمع قواه ويعارض الكنيسة عندما تناديه دون انقطاع:"أعمالنا لا قيمة لها إطلاقًا حتى في أحسن حياة" ( انظر ما قبل ) .
فإن الأساس المادى للكنيسة وتوسعها كان بداهة في غاية الأهمية حتى إن الأغنياء كانوا أكثر سعادة تحت إشراف بولس، أكثر مما كانوا تحت مظلة عيسى الذى كان ينادى بالفقر.إلا أن بعض الأغنياء قد تصالحوا مع المسيحية عندما قرأوا (متى 19 عدد 24) "وأقول لكم أيضًا: إن مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله"ماجاء على لسان بولس فى (تيموثاوس الأولى 6 عدد17) "أوصى الأغنياء في الدهر الحاضر أن لا يستكبروا ولا يلقوا رجاءهم على غير يقينية الغنى بل على الله الحى الذى يمنحنا كل شئ بغنى للتمتع".
وبذلك عاد إلى قلبه"الضمير النقى"مرة أخرى عندما قرأ في كلمة الله مثل هذه الصياغة المختلفة، وعلى الرغم من أنها تعبر عن اختلاف غير ظاهر بين عيسى وبولس، إلا أنه كان له نتائج مهمة جدًا.
ولا شك أن انتصار البولسية وتنحية تعاليم عيسى الحقة ليست لهما قيمة نظرية فقط، بل كان مخططا لها أن تصل إلى أبعد من ذلك لتشمل الحياة العملية والدينية بل وكل مجالات حياتنا.