وإذا ما كانت هذه الأفكار غير مسيحية بالمرة لأنها تذكر النقيض تماما لوحى إنجيل الله (كما أنزل وقتها) ، فإنها تحمل أيضا - بغض النظر عن ذلك - طابع المضاربة. ويمكننا معرفة ذلك على الأخص من ادعائها أنها تعرف من الله أكثر مما نعرفه نحن إذا ما تمسكنا بالوحى.
فالأفكار البولسية تضع نفسها محل أفكار الله وخططه، فيدعى بولس أنه يعرف ما خطط الله وما يرمى إليه، وما الذى اعتبره ضروريا وما سوف يحدث فيما بعد، فهو يتصرف عند التخطيط لشئ كما لو كان إلهًا، بل ويدعى معرفة سير مجرى التاريخ كما يعرفه الله...""
أما هذا التكبر فله أساس قوى عند بولس، لأن:"من عرف فكر الرب فيعلمه وأما نحن فلنا فكر المسيح" (كورنثوس الأولى 2 عدد16) ، وهنا تكمن ثقة اللاهوتيين المبالغ فيها .
ويذهب الكبر إلى أكثر من ذلك بكثير، ولكنه لا يتعدى نفس الموضع، وأعنى ما قلته مباشرة من قبل، وهو:"وأما الروحى* ( وهو اصطلاح يعبر به اللاهوتيون عن أنفسهم بصورة غير موثوقة الجانب) فيحكم في كل شئ وهو لا يحكم فيه من أحد". (كورنثوس الأولى 2 عدد15) . وبسبب جملة بولس هذه تمتع الإكليروس والكنيسة في العصور الوسطى بسيادة عليا تفوق كل سلطة أخرى .
كذلك خدمت الجملة البولسية القائلة:"إذا الإيمان بالخبر أى بالسمع" (رومية 10 عدد17) سلطة رجال اللاهوت خدمة كبيرة جدًا، وهى ما ترجمها رجال الدين إلى"إذا فالإيمان يأتى من الخطبة"، مما أعلى من شأنهم أكثر وأكثر، حتى إن الناس لم يستغنوا عنهم في خلاصهم المتوقع على أيديهم .
جـ- كذلك من النصوص الهامة جدًا لرجل الإكليروس هى ما خولهم بولس فيه أن يحيدوا كلمة عيسى ، تلك الكلمة التى تمثل عبئًا كبيرًا على قلب بولس. وتقول هذه الكلمة:"مجانًا أخذتم مجانًا أعطوًا (متى 10 عدد8) ."
أما قول بولس المناقض لذلك والذى يلاقى الترحاب فهو:"الذين يلازمون يخدمون المذبح يشاركون المذبح" (كورنثوس الأولى 9 عدد13) ، وبذلك يستعيد القساوسة البروتستانت ضميرهم النقى إذا ما تقاضوا المرتبات العالية، وتمتعوا بالمنازل المريحة، وعلى الرغم من أن بولس لم يدع لنفسه في ذلك فضلًا إلا أنه أضفى عليه جلالًا.