فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 3529

وقد سبق القول أن المعتبر في كل فن هو قول أهله وبما أن العرب هم أهل البلاغة وفطاحل اللغة في زمانهم فأنا أورد لك هاهنا بعض من شهادتهم للقرآن , , وأشراف العرب مع كمال حذاقتهم في أسرار الكلام وشدة عداوتهم للإسلام لم يجدوا في بلاغة القرآن وحُسن نُظُمه مجالًا , ولم يوردوا في القدح مقالًا بل اعترفوا أنه ليس من جنس خطب الخطباء وشعر الشعراء , ونسبوه تارة إلى السحر تعجبًا من فصاحته وحسن نظمه , وقالوا تارة: إنه إفك إفتراه , وأساطير الأولين وقالوا تارة لأصحابهم ( لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) فاعترفوا ان الغلبة للقرآن , وهذا كله دأب المحجوج المبهوت , فثبت أن القرآن معجز ببلاغته وفصاحته وحسن نظمه .

وكيف يُتَصور أن يكون الفصحاء والبلغاء من العرب العرباء كثيرين كثرة رمال الدهناء وحصى البطحاء ومشهورين بغاية العصبية والحمية الجاهلية , وتهالكهم على المباراة والمباهاة والدفاع عن الأحساب , فيتركون الأمر السهل الذي هو الإتيان بمقدار أقصر سورة من القرآن , ويختارون الأشد الأصعب مثل الجلاء والذبح وبذل دم القلب والأرواح ويُبتَلون بسلب الأولاد والذراري وإغتنام الأموال منهم وإستيلاء المسلمين على أموالهم ودورهم ومتاعهم .

هذا كله والرسول يتحداهم ويقرّعهم إلى مدة على رؤوس الملأ بأمثال هذه الأقوال ( فاتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) .

وبقوله ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين , فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة )

ومثال ذلك من قوله ( قل لئن إجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) .

ولو كانوا يظنون أن الرسول استعان بغيره لأمكنهم أيضًا أن يستعينوا بغيرهم , لأنه كأولئك المنكرين في معرفة اللغة وفي إمكانهم أن يستعينوا , فلما لم يفعلوا ذلك وإختاروا المقارعة على المعارضة والمقاتلة على المقاولة ( أن يقولوا مثله ) ثبت أن بلاغة القرآن كانت مسلَّمَة عندهم , وكانوا عاجزين عن المعارضة غاية الأمر أنهم صاروا مفترقين بين مصدق به وبمن أٌنزل عليه , وبين متحير في بديع بلاغته .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت