· وثالثها: أن القتل ظلمًا أيضًا قتل مع أنه ليس بناف للقتل بخلاف القصاص فظاهر قولهم باطل وأما لفظ القرآن فصحيح ظاهرًا وباطنًا . أكتفيت بنقل ثلاثة أسباب لأفضلية وبلاغة لفظ القرآن في آية واحدة ( ولكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب ) عن كلام العرب في هذا الباب وإن كان هناك أوجه أخرى لم أوردها خشية الإطالة . ومن أمثال هذه البلاغة والأمور الجامعة الكثير منها ما هو وارد في إظهار الحق وغيره من مصنفات علماء المسلمين , ما إن نقلته هنا لطال به المقام جدًا فأختصر للإفادة وخشية الإطالة .
الوجه التاسع: أن الجزالة والعذوبة بمنزلة الفئتين المتضادتين , وإجتماعهما على ما هو ينبغي في جزء من الكلام الطويل خلاف العادة المعتادة للبلغاء . فإجتماعهما في كل موضع من مواضع القرآن كله دليل على كمال بلاغته وفصاحته الخارجتين عن العادة .
الوجه العاشر: أنه مشتمل على جميع فنون البلاغة من ضروب التأكيد وأنواع التشبيه والتمثيل , وأصناف الإستعارة , وحسن المطالع والمقاطع وحسن الفواصل والتقديم والتأخير والفصل والوصل اللائق بالمقام , وخلوَّه عن اللفظ الركيك والشاذ الخارج عن القياس النافر عن الإستعمال , وغير ذلك من أنواع البلاغات , ولا يقدر أحد من البلغاء الكُمَلاء من العرب العَرباء إلا على نوع أو نوعين من الأنواع المذكورة , ولو رام غيره في كلامه لم يتأتّ له , وكان مقصرًا , والقرآن محتوٍ عليها كلها .
فتلك عشرة كاملة , وهذه الوجوه العشرة تدل على أن القرآن في الدرجة العالية من البلاغة الخارجة عن العادة , ويعرفه فصحاء العرب بسليقتهم وعلماء الفِرَق بمهارتهم في فن البيان وإحاطاتهم بأساليب الكلام . ومَن كان أعرف بلغة العرب وفنون بلاغتها كان أعرف بإعجاز القرآن .
هذه عشرة أسباب فقط من أسباب بلاغة القرآن وإعجازه للعرب من ضمن الأمر الأول فإن إستطاع أي مخلوق على وجه الأرض أن يفعل أو أن يأتي بكتاب فيه مثل ما بينا في القرآن فليفعل وأنا نقلت الأمر الأول فقط من إثبات ان القرآن هو كلام الله وأنه مُعجِز وبإختصار شديد وإندرج تحته الوجوه العشرة السالفة الذكر وإختصرت كالمعتاد حتى لا نطيل ولكن أكتفي بالعشرة هذه من الأمر الأول في بيان أن القرآن مُعجِز , هذا إن إستطاع أي مخلوق على وجه الأرض أن يفي بهذه العشرة في كتاب واحد .