الوجه الثامن: أن القرآن في أغلب المواضع يأتي بلفظ يسير متضمن لمعنى كثير , ويكون اللفظ أعذب , ومن تأمل صورة (ص ) علم ما قلت: كيف صدرها , وجمع فيها من أخبار الكفار وخلافهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم , ومن تكذيبهم لمحمد , وتعجبهم مما أتى به , والخبر عن إجماع ملئهم على الكفر و وظهور الحسد في كلامهم , وتعجيزهم وتحقيرهم , ووعيدهم بخزي الدنيا والاخرة وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم ووعيد قريش وأمثالهم مثل مُصابهم وحمل النبي على الصبر على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم بيانه عنهم , ثم شرع بعد تسليته في قصص الأنبياء مثل داود وسليمان وأيوب وإبراهيم ويعقوب وغيرهم عليهم السلام , وكل هذا الذي ذكر من أولها إلى آخرها في الفاظ يسيرة متضمنة لمعانً كثيرة , وكذلك قوله تعالى ؛ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب فإن هذا القول يسير ومناه كثير ومع كونه بليغًا مشتمل على المطابقة بين المعنيين المتقابلين وهما القصاص والحياة , وعلى الغرابة بجعل القتل الذي هو مفوت للحياة ظرفًا لها وأولى من جميع الأقوال المشهورة عند العرب في هذا الباب لأنهم عبروا عن هذا المعنى بقولهم (( قَتْل البعض إحياء للجميع ) )وقولهم (( أكثروا القتل ليقل القتل ) )وقولهم (( القتل أنفى للقتل ) )وأجود المنقوله عنهم الأخير , ولفظ القرآن أفصح منه بثلاثة وجوه وليس حصرًا:
· أحدها: أنه أخصر من الكل لأن قوله ( ولكم ) لا يدخل في هذا الباب لأنه لا بد من تقدير ذلك في الك لأن قول القائل (( قتل البعض إحياء للجميع ) )لا فيه من تقدير مثله وكذلك في قولهم (( القتل أنفى للقتل ) ).
·وثانيها:أن قولهم القتل انفى للقتل ظاهره يقتضي كون الشئ سببًا لإنتفاء نفسه بخلاف لفظ القرآن فإنه يقتضي أن نوعًا من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع الحياة وهذا أبلغ وأوضح وأبْيَن وأعدل بكثير من عبارة العرب .