الوجه الثاني: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق , وتنزه عن الكذب في جميعه , وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره , ولم كين جيدًا , ولذلك قيل: أحسنُ الشعر أكذبهُ , وترى أن لبيد بن ربيعة ( هو أبو عقيل لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك العامري من أهل عالية نجد وكان من شعراء الجاهلية وفرسانهم , وهو أحد أصحاب المعلقات وقد أسلم في عهد النبي هو وقومه ) , وحسان بن ثابت رضي الله عنهما لما أسلما نزل شعرهما , ولم يكن شعرهما الإسلامي كشعرهما الجاهلي , والقرآن جاء فصيحًا مع التنزه عن الكذب والمجازفة .
الوجه الثالث: أن الكلام الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين , والباقي لا يكون كذلك ( لذلك ترى أن الشاعر الفلاني يشتهر بالقصيدة الفلانية ثم إذا خصص الناس له إشتهر بعدة ابيات أو ببيت أو بيتين يعرف بهما وليس بكل شعره وكلما مضى الزمان على الشاعر جهل الناس شعره ولم يبقى إلا أفصح أبياته وهذا معلوم للناس ) , بخلاف القرآن فإنه مع طوله فصيح كله بحيث يعجز الخلق عنه , ومن تأمل في قصة يوسف عليه السلام عرف أنها مع طولها وقعت على الدرجة العالية من البلاغة.
الوجه الرابع: أن الشاعر أو الكاتب إذا كرر مضمونًا أو قصة لا يكون كلامه الثاني مثل الأول , وقد تكررت قصص الأنبياء وأحوال المبدأ والمعاد والأحكام والصفات الإلهية وإختلفت العبارات إيجازًا وإطنابًا وتفننًا في بيانها غيبةً وخطابًا , ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلًا .
الوجه الخامس: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا وإختيار الآخرة وأمثال هذه الأمور توجب تقليل الفصاحة , ولذلك إذا قيل لشاعر فصيح أو كاتب بليغ أن يكتب تسعًا أو عشرًا من مسائل الفقه أو العقائد في عبارة فصيحة مشتملة على التشبيهات البليغة والإستعارات الدقيقة يعجز بإجماع أهل الشعر والكتب والأدب .