كان يقضي فيه أيامًا وليالي ذات العدد يتفكر في خلق الله، ثم ينزل ليتزود من الطعام والشراب ويعود ثانية إلى خلوته، وكان أكثر ما يخلو في شهر رمضان.
وغار حراء يوجد في مرتفع يُطِلٌ على مكة ومحيطها، وهو منظر وموقع يحتاج أن يقف فيه كل داعية اتجاه واقعه ومحيطه الذي يتحرك فيه، والذي يود أن يغيره من داخله. فمن حين لآخر يحتاج الداعية لأن يخرج من هذا المحيط ويرتفع عنه لا أن يترفع، بهدف اكتشاف مواطن الضعف والفساد في هذا المحيط، لكي يعود إليه داعيًا ومغيرًا ومصلحًا.
كما أن هذه الخلوة يمكننا اعتبارها فترة مراجعة وتخطيط، كلنا بحاجة إليها من حين لآخر، يجدد فيها المرء عزيمته ويراجع فيها حساباته ويسطر فيها برامج مستقبلية لمواصلة المسير، بعزيمة أقوى، وبرؤية أصوب وأوسع.
والأصل هو الابتعاد والانزواء إلى حين من أجل وضع خطط للتغيير والإصلاح، وليس الهروب من الواقع بحثًا عن السلامة وترك المسؤولية، أو الترفع عن الناس والبقاء في البروج العاجية ووضع حدود مصطنعة بينك وبين الناس بحجة أنك منشغل بما هو أهم.
فليس هناك ما هو أهم من هموم الناس ومشاكلهم ومعاناتهم اليومية لكي نبحث لها عن حلول، وبالتالي نأمل أن تكون سببًا وطريقًا لكسب قلوب الناس وتجنيدهم لخدمة دينهم.
فالمرء بحاجة دومًا إلى زاد روحي ومعنوي يستعين به على مواصلة مهام وواجبات الدعوة، ومن هنا نفهم أهمية ودور الاعتكاف في الإسلام وكذلك قيام الليل وغيرها من العبادات.
بهذا ننتهي من مرحلة ما قبل البعثة بما فيها من أحداث وننتقل بعون الله إلى الفترة الغنية بالدروس والعبر والتي تبدأ مع بدء الوحي، وهذا ما سنفصله في الحلقات المقبلة بحول الله.
والحمد لله رب العالمين