ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم الأب بعدما فقد أباه عبد الله بن عبد المطلب وهو لا يزال جنينًا في بطن أمه، وقد مات في رحلة تجارية في قبيلة بني النجار وهم أصهاره بسبب مرض ألم به في الطريق.
فكانت بداية المحن لهذا الرسول الخاتم ولماَّ يصل بعد إلى هذه الدنيا.
فما أقسى وأصعب أن يولد المرء يتيم الأب في مجتمع قائم على العصبية أصلًا حيث تكون للأب قيمة كبرى ومكانة عالية في الأسرة العربية الأبية.
لكن الله تعالى يدبر أمره بحكمة لا يعلمها كثير من الناس، يحرم أفضل خلقه وسيدهم من حنان الأبوة، فلابد أن تكون هناك حكمة بالغة لا ندركها بعقولنا وعواطفنا الناقصة القاصرة.
كذلك الحال فيما يخص بقية الخلق من بعده، فلا ينبغي أن نفسر فقدان الأب بأنه حدث كارثي لبنيه من بعده وبأن حياتهم ستكون ناقصة أو جامدة وأنه لا يمكنهم تحقيق أي نجاح فيها كما يفعل غيرهم.
نعم، إن لوجود الأب أهمية كبرى في حياة أبنائه ولكنه ليس شرطًا لكي تتواصل الحياة أو عائقًا لهذه الحياة إن غاب هذا الأب عن مسرح الحياة. وهذا درس عظيم لنا جميعًا لندرك حكمة الله تعالى ونرضى بقضائه فلا تتوقف الحياة بموت الأب أو الأم، ولكي لا تتحول حياة الأبناء إلى كتلة من الأحزان واليأس والجمود، بل لابد من مواصلة هذه الحياة والسعي إلى تحقيق النجاح والاعتماد على الله تعالى ثم على النفس.
فالله سبحانه سُيسخّر لهؤلاء الأيتام الصغار من يعولهم ويقوم بواجباتهم حتى يبلغوا أشدهم.
وتحضرني في هذا المقام قصة موسى عليه السلام مع العبد الصالح"الخضر"وبالضبط في قصتهما مع جدار أهل القرية التي أبوا أن يضيفوهما.
كان في القرية البخيلة غلامين يتيمين، وكان أبوهما (الجد السابع كما ورد في التفاسير) صالحًا، فأراد الله تعالى أن يكرمهما ويحفظ لهما رزقًا مدفونًا تحت ذلك الجدار، وقد ورد في التفاسير أنه عبارة عن لوح من الذهب كتب عليه حكم وعلم نافع إلى جانب مال وفير، فالعلم رزق سيرثه الغلامان ويجعلهما صالحين مثل أبيهما، وأما المال فهو رزق آخر يمكنهما من تغطية مصاريفهما دون الرجوع إلى مساعدة الآخرين، وتكون أيديهما عالية.