فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 144

يعيش تناقضًا بينًا بين ما يؤمن به ويعتقده وبين ما يقترفه من أعمال تناقض معتقده، بل تراه يحرص على الانفصال التام والنهائي بهذا الماضي السلبي الجامد والبحث عن المجال المفتوح والواسع لتطبيق تعاليم دينه طاعة لربه وإتباعا لسنة نبيه.

وحينما يكون المجال مسدودًا والأفق ضيقًا أمام المسلم ويتعذر عليه تنفيذ أوامر ربه في بيئة ما، فإنه يسعى تلقائيًا إلى البحث عن مكان آخر يكون فيه حرًا طليقًا لينفذ هذه الأوامر وينتهي عما نهاه الله عنه لأن البيئة القديمة قد تكون مليئة بالفتن فضلًا عن وجود عوائق وعقبات لتحقيق العبودية لله عز وجل.

فالهجرة إذن هي أن تهجر ما حرم الله وتبحث عن المكان الآمن لدينك ولنفسك ولمالك ولعرضك، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".

من هنا نعلم أن الهجرة المقبولة شرعًا هي التي تكون لله ورسوله بمعنى أن ينتقل المسلم من مكان المعاصي إلى مكان الطاعات، إذا غلب عليه أنه لن يستطيع تغيير هذه المنكرات وليس بمقدوره تهيئ بيئة يعبد فيها الله حق عبادته.

المطلوب أن تكون الهجرة -كما سبق القول - وسيلة للبحث عن مكان يُتزود فيه بالقوة وعناصر البقاء للفرد وللجماعة المسلمة على حد سواء، حينما يتحقق ذلك يتعين عليهم العودة إلى موطنهم الأصلي لكي يقوموا بما عليهم من واجبات الدعوة والحسبة وتطبيق لشرع الله في الأرض كاملًا غير ناقص.

ففي البداية تكون هجرة الكثير لله ورسوله فرارًا بدينهم وبحثًا عن موطن آمن، وحينما يتحقق لهم ذلك تجدهم يركنون إلى متاع الدنيا وينسلخون عن مبادئهم وتخبو فيهم جذوة الدعوة ونصرة الدين، فتتحول الهجرة إلى الغاية الأولى والأساسية في حياتهم وإلى قيد ناعم تكبل همتهم وتقلص من عطاءاتهم للدين الذي تركوا ديارهم من أجله.

ولا يفوتني أن أنبه على أن الشيطان يجتهد على المهاجر أكثر مما يجتهد على غيره، ذلك أن الهجرة تعتبر نجاحًا عظيمًًا للمؤمن وتجاوزًا لعقبة كبيرة من عقبات الشيطان حيث يترك موطنه وأهله وماله فرارًا بدينه وإيثارًا لما عند الله.

ينطلق إلى عالم مجهول عبر طريق مليء بالمخاطر تاركًا وراءه حياة الاستقرار والراحة والأمان المشروط بالعيش كما يعيش الناس من حوله والرضا بالواقع الذي يريده قومه ويفرضه عليه النظام القائم، لكنه رغم كل هذه المعاناة والتغييرات الجذرية التي ستطال حياته ومستقبله، فإنه يصر على المضي قدمًا بخطى واثقة وقلب راض بما سيقدره الله له، يمضي نحو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت