القرائن لم يحصرها المحدثون في الأوثقية والتعدد
... وقد تضمن هذا النص الذي نقلته عن الشيخ عبد الفتاح قضايا مهمة تحتاج كل منها إلى تمهيد لبيان ما يحيط بها من شبهة ، وردها منهجيًا وتاريخيًا ، وهذه الفقرات التي قمت بترقيمها تتمحور عمومًا حول مفهوم الشاذ وما يتعلق به .
... أما الفقرة الأولى ، وهي: أن الشاذ عند المحدثين مخالفة الثقة لمن هو أرجح منه بحيث يتعسر الجمع بين روايتهما: إنما يقتصرون في الحكم بالشذوذ على الأرجحية من جهة كثرة العدد أو قوة الحفظ فقط ، ولا يلتفتون إلى غيرهما من وجوه الترجيح بين الروايات التي تزيد على مئة وجه - كما ذكره السيوطي في التدريب - إلا إلى بعض أحوال الرواة نادرًا ، ولا يكادون يتجاوزون منها إلى ترجيح المرويات بعضها على بعض من حيث الحكم والمعنى .
... فأقول- وبالله التوفيق - إن المحدثين النقاد لم يضيقوا مدلول الشاذ كما ورد في هذه الفقرة ، لا نصًا ولا عملًا ، كما ضيقه متأخرون علماء الفقه والأصول ممن ألفوا في مصطلح الحديث ، والشاذ عند المحدثين هو ، كما نقل الحافظ أبو يعلى عن حفاظ الحديث بقوله:"الشاذ عند حفاظ الحديث ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ، ثقة كان أو غير ثقة فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (1) .
... ويمكن القول إن الجملة الأخيرة تفيدنا أن تفرد الثقة لا يطلق عليه الرد ، أوالقبول ، وإنما ينبغي النظر فيما يمكن أن يحفه من القرائن ، وإذا تأكد من خلال القرائن أنه صحيح وقد أتقن فيه ، يقال حينئذ: إنه تفرد بما له أصل ، ولا مانع من تسميته شاذًا بمعنى غريب كما يصح القول صحيح غريب يصح القول شاذ صحيح ، وقد ندر في كلام النقاد استخدام هذا المصطلح المركب .وأما إذا تأكد أنه خطأ ووهم ، يقال إنه تفرد بما ليس له أصل . ويكون هذا شاذًا مردودًا .وأما إذا لم يتأكد ذلك من خلال القرائن فيتوقف فيما تفرد به الثقة ولا يحتج به ، وهذا أحوط ،وإلا فلا مانع من الاحتجاج به نظرًا إلى أغلب حالة في الضبط والإتقان ، وهذا طبعًا لا يفيد العلم بصحته ،وإنما فيه الظن فقط .
... وعلى هذا المعنى يندرج الشاذ ضمن العلة ، غير أن الشاذ يكون أشد غموضًا في حال كون الراوي ثقة كما أشار إلى ذلك الإمام الحاكم (2) .
... وأما على المعنى الذي استقر عليه المتأخرون في كتب المصطلح فيكون الشاذ مقيدًا بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أكثر عددًا ، والذي يلاحظ في ذلك تقييده بهاتين القرينتين ، وهما: الأوثقية ، والتعدد ،وأن هذا التقييد ، وحصر القرائن في هذين الأمرين لم يكن معروفًا في منهج المحدثين النقاد ، غير أن الحافظ ابن حجر قد أجاد في بعض كتبه حين جعل الشاذ مقيدًا بمحافظة الثقة للراجح ، بحيث يتعذر الجمع بينهما على قواعد المحدثين (3) . وعليه فإن الشاذ هو بذاته يكون العلة ، ومن المعلوم أن الراجح إنما يعرف ويحدد في ضوء القرائن المحيطة به، وليس بالأوثقية والتعددية فقط .
... وأما ما ورد عن الإمام الشافعي ، وهو قوله إن الشاذ مخالفة الثقة لما رواه الناس ، فلم يكن ذلك منه -رحمه الله - على وجه التعريف المتعارف لدى المتأخرين بعلوم المنطق ،وليس من شأن الإمام الشافعي ، ولا من أهل عصره أن يحددوا المصطلحات بتعريفاتها ، وأنهم ليسوا بحاجة إلى ذلك ، إذ كانت لغتهم العلمية يفهمها بعضهم بعضًا ، لاحتكاكهم بالجو العلمي النقدي ،وإلا فلماذا تم اختيار هذا المصطلح ، مع كونه قليل الاستعمال فيما بينهم ، ليحدد معناه ، دون مصطلحات أخرى ،وهي أكثر استعمالًا ، وأكثر تعقيدًا ، وبالتالي لا يفيد هذا النص أن الإمام الشافعي قد خالف المحدثين النقاد في كون الشاذ مقيدًا بمخالفة الثقة لما رواه الناس دون غيرها .
... والذي يبدو لي أن قول الإمام الشافعي ( رحمه الله تعالى ) في توضيح مدلول كلمة"الشاذ"كان لفتة عظيمة أراد بها الدفاع عن موقف أهل السنة والجماعة تجاه خبر الخاصة ، وحجية الحديث الذي ينفرد به الثقة عن الثقة ، وكان ذلك محل خلاف بينهم وبين أهل البدع ، إذ يشترطون التعدد ليكون الحديث صالحًا للاحتجاج .
... وقول الشافعي هذا إنما حكاه عنه يونس بن عبد الأعلى بقوله:
... قال لي الشافعي:"ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره ، هذا ليس بشاذ ، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث" (4)
... وتدل هذه الحكاية على أن ذلك كان في مناسبة علمية خاصة ، وذلك لأن الشافعي لم يبين هذا المعنى في كتبه ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية فالذي ورد في كتابه الأم هو قوله:"فعليك من الحديث بما تعرفه العامة ، وإياك والشاذ منه" (5) .وهذا يفيد أن كل ما لا يعرفه العامة ( يعني الحفاظ ) عنده شاذ مردود لا يقبل .
... وأما الذي نقله يونس بن عبد الأعلى عن الشافعي فكان في سبيل الدفاع عن موقف أهل السنة والجماعة ، كما سبق ذكره ، وذلك أنه لو كان أهل السنة والجماعة يطلقون الشذوذ في الحديث الذي يتفرد به الثقة عن الثقة لكان ذلك تأييدًا لموقف أهل البدع الذين لا يقبلون خبر الآحاد . ولذا فإن الإمام الشافعي بموقفه هذا تجاه خبر الخاصة لم يؤصل فكرة جديدة في مفهوم الشاذ ، ولا يرى أن كل ما انفرد به ثقة عن ثقة يعد حجة ، على أية صورة وقع هذا التفرد ، وهذا واضح وجلي من خلال بيانه شروط الاحتجاج بخبر الخاصة ، إذ لم يكتف ( رحمه الله ) فيه كون راويه ثقة فحسب .
... ولهذا يكون معنى قوله في الشاذ أنه ليس كل ما انفرد به الثقة عن الثقة يعد شاذًا مردودًا ، وإنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس ، هذا الشاذ من الحديث ، ويمكن القول إن هذا النص يشمل نوعي المخالفة: المخالفة الصريحة ، والمخالفة الضمنية . أما الأولى فأعني بها ما يكون فيه مخالفة بين الرواة المشتركين في رواية حديث عن شيخهم ،وأما الثانية فهي تفرد الراوي عن شيخ معروف بما لا يعرفه الآخرون ،وهذا يتضمن المخالفة في ذكر الحديث وعدمه . ولذلك فكل مخالفة يلزم منها التفرد ، كما تلزم المخالفة من التفرد .
... كما لا يفهم من نص الإمام الشافعي أنه قد اتخذ موقفًا مناهضًا لموقف الحفاظ الثقات في مسألة التفرد ؛ فكان يقبل ما تفرد به الثقة مطلقًا ، وحتى الذي ينص النقاد على بطلانه ، كلا ، بل كان ( رحمه الله ) يعتمد أيضًا على النقاد في معرفة صحة الحديث وضعفه ؛ فيقبل ما أثبتوه من الأحاديث ويرد ما أنكروه ، هذا ما قاله الحافظ ابن حجر:"أن الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث" (6) .
... ولذلك فليس فيما ذكره الإمام الشافعي ما يبني عليه معنى الشاذ كتعريف يتحدد به مصطلح الشاذ . والله أعلم .
... وما أريد قوله هنا أن تحديد القرائن وحصرها في أمرين اثنين من خلال تعريفهم للشاذ بأنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق أو لما رواه الناس إنما كان ذلك من قبل الفقهاء المتأخرين ، وكان الأولى أن يقال في ذلك أنه مخالفة الثقة للثابت أو الراجح ، ويعرف هذا الراجح والثابت بقرائن مختلفة لا تحصى بضوابط معينة.وعليه يكون الشاذ بعينه العلة ، ولا يختلف عنها - لا معنى ولا حكمًا - بتغير التسمية ، وهذه العلة أو الشاذ إنما تكتشف بتفرد الراوي بما لا أصل له ، أو بمخالفته للمعروف أو الثابت ، ولم يجعل أحد من النقاد - لا نصًا ولا عملًا - القرائن التي تنبه العارف بأنه هو الثابت محصورة في الأوثقية والعدد ، بل كانت المرجحات عندهم كثيرة ، فقد قال العلائي: ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث ، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص ، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ؛ ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة ، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده" (7) "
... وقال ابن رجب:"ولهم ( يعني نقاد الحديث ) في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابطه يضبطه" (8) ، وقد أقر ذلك الحافظ ابن حجر في مؤلفاته كما سبق نقل نصوصه في هذا الخصوص . وإذا نظرنا في عمل النقاد نجد ما يؤيد ذلك ، حيث يرجحون رواية الثقة على الأوثق حينًا ، وعلى الجماعة حينًا آخر .
... قال الحافظ ابن حجر:"هذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكًا ، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهمًا غائصًا وإطلاعًا حاويًا وإدراكًا لمراتب الرواة ، ومعرفة ثاقبة ، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم ، وإليهم المرجع في ذلك ، لما جعل الله تعالى فيهم من معرفة ذلك والإطلاع على غوامضه ، دون غيرهم ممن يمارس ذلك . وقد تقصر عبارة المعلل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ، كما في نقد الصيرفي سواء ، فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك كما تتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه ، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفي حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث (9) ."
... ولو كانت القرائن محصورة عند المحدثين في اثنين فقط ما كان هذا الفن لعمري أغمض أنواع علوم علوم الحديث ، ولا أدقها مسلكها ، وأصبح جميع الناس ممن هب ودب متأهلين لتناول هذا العلم تنظيرًا وتطبيقًا .
... ولذلك قال السخاوي في مناسبة تعليقه على ما شرح أبو حاتم من منهج النقاد في معرفة صحيح الحديث وضعيفه:"وهو أمر يهجم على قلوبهم ، لا يمكنهم رده ، وهيئة نفسانية ، لا معدل لهم عنها ، ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث ، كابن خزيمة والإسماعيلي والبيهقي وابن عبد البر ، لا ينكر عليهم ، بل يشاركهم ، ويحذو حذوهم ، وربما يطالبهم الفقيه أو الأصولي العاري عن الحديث بالأدلة".
..."هذا مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح كما اتفقوا على الرجوع في كل فن إلى أهله ، ومن تعطى تحرير فمن غير فنه فهو متعني ، فالله بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا تفرّغوا له ، وأفنوا أعمارهم في تحصيله والبحث عن غوامضه وعلله ورجاله ومعرفة مراتبهم في القوة واللين".
..."فتقليدهم ، والمشي وراءهم ، وإمعان النظر في تواليفهم ، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت مع الفهم وجودة التصور ، ومداومة الاشتغال ،وملازمة التقوى والتواضع ، يوجب لك ( إن شاء الله ) معرفة السنن النبوية ولا قوة إلا بالله" (10)
(1) مقدمة ابن الصلاح ، ص: 77 .
(2) كنت أنوي كتابة بحث حول هذا الموضوع بعنوان"الشذوذ وآثاره في النقد"، وأسأل الله تعالى التوفيق لإعداده على أكمل وجه.
(3) انظر مقدمة الفتح 1/384-385 .
(4) معرفة علوم الحديث ، ص: 119 .
(6) النكت 2/711 .
(7) نقله الحافظ في النكت على كتاب ابن الصلاح - النوع الثامن عشر: معرفة العلل - 2/712 .
(8) شرح العلل ص: 208 ( تحقيق صبحي السامرائي ، ط: 2) .
(9) النكت 2/711 انظر اختصار علوم الحديث ص:64 .
(10) فتح المغيث: 1/274 .