... أما المثال الأول:
فهو ما ورد في هيئة الخرور إلى السجود من الأحاديث المختلفة ، يفيد بعضها تقديم اليدين على الركبتين ، والأخر عكس ذلك ، ومن هنا اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في اختيار أفضل صورة للخرور إلى السجود .
... وجملة ما روي في الرأي الأول حديثان أحدهما عن أبي هريرة والثاني عن ابن عمر ، وكلاهما معلولان عند النقاد ، وصحيحان عند بعض المتأخرين ، فهل خفي على النقاد ما علمه المتأخرون ؟ أم خفي على هؤلاء ما عرفه الأولون ؟ وللإجابة الواضحة نوازن بينهم بما يلي:
... أما حديث أبي هريرة فرواه أصحاب السنن وغيرهم (1) من طريق محمد بن عبد الله بن الحسن ، عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير ، وليضع يديه قبل ركبتيه".
... هذا حديث أعله الإمام البخاري ،والترمذي والدارقطني وغيرهم (2) يتفرد محمد بن عبد الله بن الحسن عن أبي الزناد ، وردّه بعض المتأخرين ، قائلين بأن محمد بن عبد الله بن حسن ثقة ، وثقه النسائي وابن حبان ، ولا يضر تفرّده (3) .
... ومما تنكشف به الأمور الغامضة التي قد تكون لها صلة مباشرة لردّهم ما تفرّد به محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد ما يأتي بيانه:
... إن أبا الزناد - عبد الله بن ذكوان - من فقهاء أهل المدينة ومحدثيهم ، ورواة أخبارهم المعروفين ، أمثال مالك والأعمش وسفيان الثوري وابن عيينة وزائدة بن قدامة ، وغيرهم ، وعليهم الاعتماد في صحة أحاديثه وقبولها ، لأن أباالزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة من أصح الأسانيد لأحاديث أبي هريرة ، ويحرص حفاظ الحديث أن يسمع منه جميع ما عنده من أحاديث أبي هريرة ، ولهذا الغرض يلازمه بعضهم ويكثرون السماع منه .
... وأما محمد بن عبد الله بن حسن الذي رواه عن أبي الزناد وتفرد به ، فليس من أصحاب أبي الزناد المعروفين ، المكثرين ، وكان مقل الحديث يحب الخلوة ويلزم البادية ،ولهذا لم يوجد له عن أبي الزناد إلا حديث واحد عند أصحاب السنن (4) .
... ... فإذا جاء حديث أبي الزناد من رواية محمد بن عبد الله بن حسن دون أن يشاركه أحد من أصحابه الحفاظ المكثرين يستغربه النقاد ، لأنه لو حدّث أبو الزناد ما خفي على أحد من هؤلاء الحفاظ ، وهم أولى الناس بمعرفته وروايته عنه ، والذي يقدر على السماع منه ما لم يسمعه الآخرون ينبغي أن يكون من الذين يلازمونه ملازمة طويلة ، ويكثرون السماع منه وإلاَّ فظاهرة التفرد مما يؤثر في عدالته ، يقول عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: مَن الذي يترك حديثه ؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر طرح حديثه (5) .
... ومن هنا ندرك في قول النقاد -"تفرّد به محمد بن عبدالله بن حسن عن أبي الزناد"- بعدًا علميًا ، تساهل فيه البعض من المتأخرين حين صححوه اعتبارًا لظاهر الإسناد .
... ومن المتآخرين من نقل قول البخاري من التاريخ مفرقًا بين شقيه ، حين قال:"أعل البخاري بأنه لا يدري اسمع محمد بن عبد الله بن حسن من أبي الزناد أم لا ؟"معقبًا عليه بقوله:"أنه ليس في ذلك شيء ، إلاّ عند البخاري ، بناء على أصله المعروف ، وهو اشتراك معرفة اللقاء ، وليس ذلك بشرط عند جمهور المحدثين بل يكفي عندهم مجرد إمكان اللقاء مع أمن التدليس ، كما هو مذكور في المصطلح ، وشرحه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ، وهذا متوفر هنا ، فإن محمد بن عبد الله لم يعرف بتدليس ، ثم هو قد عاصر أبا الزناد وأدركه زمانًا طويلًا ، فالحديث صحيح لا ريب فيه" (6) . ...
... أقول: هذا تعقيب غير علمي ، فإن البخاري لم يعلّ حديثه لكونه لم يثبت عنده السماع له من أبي الزناد فحسب ، حتى يعقب عليه بغرابة مذهبه فيه ، بل إنه أعلّه بتفرّده عنه مؤيدًا لذلك بقوله: ولا أدري أسمع منه أم لا ، يعني أن الراوي لم يكن معروفًا بين أصحاب أبي الزناد بحيث يبقى مجال التردد في ثبوت سماعه منه قائمًا ، وتفرده عنه بحديث لم يعرفه أصحابه مما يؤخذ عليه ، ولهذا أورد الإمام البخاري هذا الحديث في ترجمة محمد بن عبدالله من التاريخ الكبير ، وقال:"ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أي الزناد أم لا" (7) .
... وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه الطحاوي ، والدارقطني والحاكم ، والبيهقي ، وغيرهم (8) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع عنه أنه كان يضع يديه قبل ركبته وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك .
... هذا حديث أعلّه الإمام الدارقطني والبيهقي والحازمي (9) لتفرّد الدراوردي به ، وصححه البعض من المتأخرين لأن الذي تفرّد به هو ثقة ، ولا ضير في تفرده (10) .
... ومن تأمل فيما قيل في أحاديث الدراوردي عن عبيد الله بن عمر ، يتبين له جليًا الأبعاد العلمية التي يشير إليها قولهم"تفرد به الدراوردي"، مع أنهم يعرفون شهرته وإتقانه ، وكما يتضح له التساهل الذي اندفع به المتأخرون إلى تصحيح الحديث ، والتعقيب بأنه ثقة ولا ضير في تفرده .
... ذلك أن عبيد الله بن عمر من ثقات المدينة المشهورين بالفقه والحفظ والجمع ، ويشترك في رواية أحاديثه جمع كبير من الحفاظ المتقنين أمثال شعبة وسفيان .
... وأما عبد العزيز بن محمد الدراوردي فثقة معروف ، لكنه تكلم فيما حدث من حفظه ، خاصة في روايته عن عبيد الله بن عمر لتفرده عنه بما لا يعرفه أصحابه ، وربما يقلب أحاديث عبد الله بن عمر العمري ويجعلها عن عبيد الله بن عمر عن غير تعمد منه ، ولهذا قال النسائي:"وحديثه عن عبيد الله منكر" (11)
... فإذا تفرد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر بما لا يعرفه الآخرون من أصحابه الثقات ، فقبوله وردّه حسب رأي الناقد الجهبذ ، وليس من المنهج العلمي إطلاق القول"بأنه ثقة ولا يضر تفرّده"لردّ ما قاله الناقد وقد أعلّوا هذا الحديث لتفرّده عنه .
... يقول البيهقي:"ولعبد العزيز الدراوردي فيه إسناد آخر ولا أراه إلا وهمًا"، ثم أورده م طريقه عن عبيد الله بن عمر بهذا الحديث وقال:"والمشهور عن ابن عمر في هذا ما رواه حماد بن زيد عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه فإذا رفع فليرفعهما فإن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه"، ورواه أيضًا من طريق ابن علية عن أيوب به وقال:"والمقصود منه وضع اليدين في السجود ، لا التقديم فيهما ، والله أعلم" (12) .
... يعني بذلك أنه لم يثبت عن ابن عمر حديث مرفوع في تقديم اليدين على الركبتين في الهوي إلى السجود ، والذي اشتهر عنه ما رواه حماد بن زيد وابن علية عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قوله في وضع اليدين على الأرض في السجود ، وهذا موضع آخر .
... ويقول البعض معقبًا عليه:"وعبد العزيز ثقة ولا يجوز توهيمه بمجرد مخالفة أيوب له ، فإنه قد زاد الرفع ، وهي زيادة مقبولة منه ، ومما يدل على أنه حفظه أنه روى الموقوف والمرفوع معًا" (13) .
... وهذا مستغرب من قائله ، لأنه يكون ما رواه الدراوردي- حسب سياق كلامه - شاذًا ، لأنه خالف من هو أوثق منه - وهو أيوب السختياني - ولئن لم يكن هنا ما يمنع التجويز العقلي المجرد في حفظه لما زاده من المرفوع ، فإن القرينة التي تقوي ذلك الاحتمال منتفية هنا ، كما يبدو ذلك جليًا من قولهم"تفرّد به عبد العزيز الدراوردي". يقول ابن مهدي: خصلتان لا يستقيم فيهما حسن الظن: الحكم والحديث (14) .
... وأما قول المعقب: ومما يدل على أنه حفظه أنه روى الموقوف والمرفوع معًا فليس بسليم ، لأن الموقوف لم يقع فيه خلاف ، وإنما زاد عليه الدراوردي المرفوع ، ورواية الزيادة لم يعتبرها المحدثون دليلًا على حفظ الراوي ، وإلاَّ فلم يبقَ مجال للنزاع بينهم وبين الطوائف حول مسالة زيادة الثقة ، ومذهب المحدثين فيها معروف كما أوضحنا سابقًا ، اللهم إلاَّ إذا زاد الراوي القصة أو المناسبة للحديث فإن الإمام أحمد صرح بأنه دليل على حفظه وتيقظه (15) .
... وأما رواية المرفوع والموقوف معًا فقد اعتبرها النقاد دليلًا قويًا على حفظ الرواة لما رووه ، إذا وقع الخلاف فيها بينهم ، فمثلًا أن يروي بعضهم مرفوعًا ، والآخر موقوفًا ، فإذا روى أحد من الثقات هذين الوجهين معًا فمعناه أن الشيخ حدث موقوفًا مرة ، ومرفوعًا مرة أخرى ، وإنّ كلًا منهم حفظ كما سمع منه ، وليس كذلك ما رواه الدراوردي هنا ، فتأمل (16) .
(1) أبو داود في كتاب الصلاة ، باب كيف يضع ركبتيه قبل يديه 3/70 ( عون المعبود ) ،والنسائي في كتاب الافتتاح ، باب أول ما يصل إلى الأرض من الإنسان في سجوده 2/207 - الناشر: المكتبة العلمية ، بيروت - والدارقطني في كتاب الصلاة ، باب ذكر الركوع والسجود وما يجزي فيهما 1/344 -345 .
(2) البخاري في التاريخ الكبير 1/139 ، والترمذي في سننه 1/168-169 - تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ، ط: الثانية ، 1403هـ ، الناشر دار الفكر ، بيروت - والدارقطني فيما نقله ابن القيم في زاد المعاد 1/57 -58 ،وفي تهذيب سنن أبي داود 3/75 ، والشوكاني في النيل - باب هيئات السجود وكيف الهويّ إليه .
(3) من المتأخرين ابن التركماني في الجوهر النقي 2/100 والشوكاني في النيل 2/286 ، والمباركفوري في تحفة الأحوذي 2/136-137 ( تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، مكتبة ابن تيمية ، القاهر ) ، والشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المحلى 4/128-129 ،و الشيخ الألباني في إرواء الغليل 2/78 -79 .
(4) تهذيب التهذيب 9/252 ( طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية في الهند ) .
(5) الكفاية ص 173 .
(6) إرواء الغليل 2/79، التعليق على المحلى 4/129 ، وقد نقلا الشق الأول منه أيضًا ، لكن فرّقا بينهما للتعقيب عليهما على حدة .
(7) التاريخ الكبير للبخاري 1/139 .
(8) الطحاوي في شرح معاني الآثار 1/254 ( تحقيق محمد زهري النجار ، دار الكتب العلمية ) ، والدارقطني 1/344 ، والحاكم 1/226 ( مكتبة النصر ، الرياض ) ، وقال صحيح على شرط مسلم ، ووافقه الذهبي ، قلت: فيه نظر ، لأن حديث الدراوردي عن عبيد الله ليس من شرط مسلم ولم يخرج شيئًا منها في صحيحه .
(9) الدارقطني فيما نقله الشوكاني في النيل 2/284 ، واليهقي في السنن 2/100 ، والحازمي في الاعتبار ص 160 .
(10) الشوكاني في النيل 2/285 ، وابن التركماني في الجوهر النقي 2/100 ، والشيخ الألباني في الإرواء 2/79 ( المكتب الإسلامي ، الطبعة الثانية ) .
(11) التهذيب 6/353 - 354 .
(12) السنن 2/100 - 101 بتصرف يسير .
(13) الإرواء للشيخ الألباني 2/77 .
(14) الضعفاء للعقيلي 1/9 ( تحقيق د. عبد المعطي أمين قلعجي ، دار الكتب العلمية ) .
(15) هدي الساري مقدمة فتح الباري ص 363 في الحديث الثاني والأربعون - بتحقيق محب الدين الخطيب وغيره ، الناشر:دار المعرفة -
(16) فإن الدراوردي زاد هنا على غيره حين روى الحديث عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ومرفوعًا ، وكان المعروف عن نافع عن ابن عمر الوقف وليس الرفع .