فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 113

حديث عبد الله بن عمر: قال طلقت امرأتي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهي حائض - فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: مره فليراجعها ثم ليدعها حتى تطهر ثم تحيض حيضة أخرى ، فإذا طهرت فليطلقها قبل أن يجامعها ، أو يمسكها ، فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء .

رواه نافع (1) وسالم (2) وأنس بن سيرين (3) ويونس بن جبير (4) وسعيد بن جبير (5) وعبد الله بن دينار (6) وطاووس (7) وأبو وائل (8) والشعبي (9) وميمون بن مهران (10) وعكرمة (11) والحسن (12) كلهم عن ابن عمر بألفاظ متقاربة ، تتفق كلها على أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالمراجعة ، وليس في شيء منها ما يدل على عدم اعتداده صلى الله عليه وسلم بالطلاق ، بل في بعضها ما يدل على العكس ،وفي أخرى ما ينص على أن ابن عمر كان يعتبر وقوع الطلاق (13) .

بينما رواه أبو الزبير (14) بلفظ: أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن مولى عروة يسأل ابن عمر - وأبو الزبير يسمع - قال: كيف ترى في رجل طلق امرأته حائضًا ؟ قال: طلق عبد الله بن عمر امرأته - وهي حائض - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال إن عبد الله بن عمر طلق امرأته - وهي حائض - . قال عبدالله: فردها علي ولم يرها شيئًا: وقال: إذا طهرت فليطلق ، أو ليمسك . قال ابن عمر: وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن في قبل عدتهن ) ، وفي رواية:"ليرجعها . فردها علي". وفي أخرى:"فردها علي"بدون"ولم يرها شيئًا"، وفي رواية:"فليراجعها . فردها علي ، ولم يرها شيئًا".

... وإن كانت الروايات عن أبي الزبير متفقة على كلمة"فردها علي"التي يمكن أن تكون مفسرة لكلمة"فليراجعها"ومعبرة عن معناها المقصود ، لكن في بعض الروايات ما ينص على عدم وقوع الطلاق ، كما سبق أنفًا في رواية"ولم يرها شيئًا"الأمر الذي يشكل نقطة خلاف واضح بين حديث أبي الزبير وبين غيره من الثقات .

نصوص النقاد حول حديث ابن عمر

... قال أبو داود:"روى هذا الحديث عن ابن عمر يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم وأبو الزبير ومنصور عن أبي وائل معناهم كلهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك . وكذلك رواه محمد بن عبدالرحمن عن سالم عن ابن عمر ،وأما رواية الزهري عن سالم ونافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك . وروى عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر نحو رواية نافع والزهري والأحاديث كلها على خلاف ما قال أبو الزبير".

... وقال الخطابي (15) :"قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثًا أنكر من هذا …".

... وقال الشافعي (16) :"نافع أثبت من أبي الزبير ،والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا . وقد وافق نافعًا غيره من أهل الثبت".

... وقال ابن عبد البر:قوله ( ولم يرها شيئًا ) منكر عن ابن عمر … ولم يقل أحد عنه غير أبي الزبير ، وقد رواه عنه جماعة أجلة ، فلم يقل ذلك واحد منهم . وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله ، فكيف بخلاف من هو أثبت منه … ولو صحّ لكان معناه عندي - والله أعلم - ولم يرها على استقامة …" (17) ."

... أضف إلى ذلك أن البخاري ومسلمًا وغيرهما من أئمة الحديث والنقد اعتمدوا على حديث نافع وغيره ، في رأيهم بوقوع طلاق ابن عمر ، ويفيد صنيعهم هذا أن حديث أبي الزبير"ولم يرها شيئًا"معلول عندهم جميعًا ، كما نصّ على علته الإمام أبوداود وابن عبد البر ، ولذلك أضاف الخطابي تعليل الحديث إلى أهل الحديث قاطبة .

... ولذا قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:"وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء ،وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات ، فلا يقبل تفرده ، فإن في رواية الجماعة عن ابن عمر ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة ، وكان ابن عمر يقول لمن سأله عن الطلاق في الحيض: إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بذلك - يعني: بارتجاع المرأة - وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد عصيت ربك وبانت منك امرأتك" (18) .

(1) البخاري في الطلاق ، باب قول الله تعالى ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء … ) برقم (5251) ومسلم في الطلاق ، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ، برقم (1471) .

(2) البخاري في التفسير ، سورة الطلاق ، برقم (4908 ) ، في الأحكام ، باب هل يقضي القاضي … ، برقم (7160) و، ومسلم في الموضع السابق .

(3) البخاري في الطلاق ، باب إذا طلقت الحائض تعتد بتلك الطلقة ، برقم (5252) ، ومسلم في الموضع السابق .

(4) البخاري في الطلاق ، باب من طلق ، وهل يواجه الرجل … برقم (5258) ، ومسلم في الموضع السابق .

(5) البخاري في الطلاق ، باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق برقم (5253 ) ، والطيالسي ص: 255 ، برقم (1871) .

(6) مسلم في الموضع السابق .

(7) مسلم في الموضع السابق ، والنسائي في الطلاق ، باب الرجعة 6/213 ، والبيهقي في الخلع والطلاق ، باب الطلاق يقع على الحائض 7/326 .

(8) الدارقطني في الطلاق والخلع 4/11 والبيهقي 7/326 .

(9) البيهقي 7/326 .

(10) البيهقي في الموضع السابق .

(11) الطبراني في الكبير 12/346 ، برقم (13305) .

(12) الدارقطني في الطلاق والخلع 4/31 ، والبيهقي في الخلع والطلاق ، باب الاختيار للزوج أن لا يطلق إلا واحدة 7/330 .

(13) انظر إرواء الغليل 7/124 - 138 ، فقد بيّن اختلاف هذه الألفاظ .

(14) أبو داود في الطلاق ، باب في طلاق السنة ، برقم (2185) ، وأحمد 2/80 ، 2/256 .

(15) فتح الباري 9/354 .

(16) اختلاف الحديث ص: 261 .

(17) في التمهيد 15/65 .

(18) جامع العلوم والحكم 1/174 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت