فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 113

منهج الإمام الترمذي في تقوية الضعيف .

... ولئن كان الإمام الترمذي يقصد بالشاذ غرابة المتن فإن مغزى تحسينه للحديث الضعيف هو زوال الشذوذ والغرابة عن المتن ، ولذلك فإن المسلك الذي سلكه المتأخرون في التقوية والتحسين يكون مختلفًا تمامًا عن منهج الترمذي في ذلك ، إذ كان الإمام الترمذي قد يريد بالحسن مجرد زوال حالة الغرابة عن المتن بكونه معروفًا بعمل أحد الصحابة بمقتضاه ، دون أن يقصد بذلك تقوية الحديث مرفوعًا ، ولا إثباته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بشرط أن لا يكون في سنده راو متروك ، والدليل على ذلك أن كثيرًا ما يعلل سند الحديث بالتفرد والغرابة ، مشيرًا إلى عدم ثبوت ذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواية ، وفي الوقت نفسه يصفه بالحسن (1) ، وبهذا يكون معنى هذا التحسين هو أن متن الحديث لم يكن غريبًا عمومًا ، بل قد عرف ذلك بعمل بعض الصحابة به ، أو فتواه به ، أو له شاهد حديثي . ولنتأكد من ذلك يكون من الأفضل أن ننظر في سياق قول الإمام الترمذي ، وهذا نصه:

..."وما قلنا في كتابنا هذا حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا ، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ولا يكون الحديث شاذًا ويروي من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن" (2) ا هـ .

... وقوله"ويروى من غير وجه"تفسير لقوله"ولا يكون شاذًا"يعني أن يروى ذلك المعنى من أي وجه آخر ، سواء كان ذلك حديثًا مرويًا شاهدًا أو متابعة ، أم عملًا أم فتوى لبعض الصحابة أو التابعين ، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًا . ومن تتبع الجوانب التطبيقية لهذا المصطلح في سننه يجد ذلك المعنى مجسدًا .

... ولكون الإمام الترمذي قد توسع في تحسين الحديث بالشكل الذي سبق ذكره لعل هذا ما حمل الحافظ ابن حجر على أن يقول: إنه لا يلزم الاحتجاج بكل ما يحسنه الترمذي . والجدير بالذكر أن هذا لا يعني إنكار الإحتجاج بكل ما يحسنه (رحمه الله تعالى ) .

... ومن الأفضل أن أنقل قوله هنا ، وهو:"وقد صرح أبو الحسن ابن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب في كتابه ( بيان الوهم والإيهام ) بأن هذا القسم ( يعني ما يحسنه الترمذي ) لا يحتج به كله ، بل يعمل به في فضائل الأعمال ،ويتوقف العمل به في الأحكام ، إلا إذا كثرت طرقه أو عضده باتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن".

... وعقبه الحافظ بقوله"وهذا حسن قوي رايق ، ما أظن منصفًا يأباه والله الموفق . ويدل على أن الحديث إذا وصفه الترمذي بالحسن لا يلزم عنده أن يحتج به أنه أخرج حديثًا من طريق خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين ( رضي الله تعالى عنه ) وقال بعده هذا حديث حسن ، وليس إسناده بذاك".

..."وقال في كتاب العلم بعد أن أخرج حديثًا في فضل العلم: هذا حديث حسن ، قال: وإنما لم نقل لهذا الحديث: صحيح ، لأنه يقال: إن الأعمش دلس فيه فرواه بعضهم عنه ، قال: حُدِّثتُ عن أبي صالح عن أبي هريرة ( رضي الله عنه) ".

..."فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك ، لكن في كل المثالين نظر ، لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما كونهما جاءا من وجه آخر كما تقدّم تقريره ، لكن محل بحثنا هنا: هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا ؟ ، هذا الذي يتوقف فيه والقلب إلى ما حرره ابن القطان أميل . والله أعلم" (3) ا هـ .

... وسيأتي في قسم الموازنة بعض الأمثلة التي تكون أصرح وأوضح مما ذكره الحافظ ابن حجر في إفادة ذلك من عدم لزوم العمل بكل ما يحسنه الإمام الترمذي وعدم الاحتجاج به من الأحاديث ، وأن غرضه في ذلك هو إفادة أن متن الحديث ليس فيه شذوذ ولا غرابة ، وأن مضمون ذلك قد عرف إما قولًا للنبي صلى الله عليه وسلم أو قولًا للصحابة أو عملًا له ، وإن لم تصح روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم أصلًا . ولذلك يكون فيما حسنه الإمام في سننه ما يصلح للاحتجاج كما يكون فيه ما لا يصلح لذلك .

(1) انظر تفصيل ذلك في الأمثلة التي ستأتي في الجانب التطبيقي من هذا الكتاب .

(2) سنن الترمذي 5/758 ( قسم العلل ) .

(3) النكت 1/402 -403 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت