... وإن كانت البيئة العلمية في مرحلة ما بعد الرواية على غير منا ألفه المتقدمون ؛ فإنه يكون من الطبيعي أن لا يخوض المتأخرون إلا فيما يخدم مصلحة السنة في تلك المرحلة وفي إطار إمكانيتهم العلمية الحديثية ، ولذا فإن الفرص لم تكن متاحة في المرحلة الثانية لخوضهم فيما خاضه المتقدمون من نقد المرويات وجرح رواتها وتعديلهم ، كما لا يشكل ذلك أولويات هذه المرحلة ؛ إذ كانت مستجدات هذه المرحلة تفرض عليهم القيام بما من شأنه حفظ الكتب والدواوين ، ومن ثم فإنهم في هذا المجال العلمي أصبحوا مبدعين ، حتى تمخض عن ذلك منهج علمي رائع في تحقيق التراث ونشر المخطوطات ، وأما في مجال رواية الأحاديث أو نقدها فليس لهم في ذلك سوى تقليد المتقدمين (1) ، أو تحقيق نصوصهم وتدقيق آرائهم .
... وإذا وازنت بين جهد العلماء المتأخرين في سبيل حفظ التراث والدواوين وبين جهد المتقدمين في حفظ الأحاديث عن طريق الأسانيد ، تجد مجال التفاضل بينهما يكاد يكون منعدمًا من حيث النتائج والآثار المترتبة عليها جميعًا ؛ ذلك لأنه إذا كانت الأحاديث قد استقرت بأسانيدها في تلك الكتب في أثناء مرحلة الرواية ، فإن الكتب التي تحمل هذه الأحاديث والآثار قد وصلتنا مؤصلة منسوبة بدقة متناهية دون تحريف ولا تصحيف ، بحيث تطمئن النفوس إلى وثاقتها بفضل جهد المتأخرين .
... ولولا تواصل الجهود في مراحلها المختلفة ، ونهوضهم بمقتضياتها لضاعت السنة بأكملها ، وما بلغنا من السنة إلا ما حرف وصحف ، ولم يعرف له أصل ولا نسب ، فسبحان من تولى حفظ دينه الحنيف .
(1) انظر ص: 20 من هذا البحث .