فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 113

رواية وليد بن مسلم الدمشقي :

... هذا وليد بن مسلم الدمشقي صاحب الأوزاعي إذا حدث في غير دمشق ففي حديثه شيء ، يقول أبو داود: سمعت أبا عبد الله - سئل عن حديث الأوزاعي عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم"عليكم بالباءة"- قال: هذا من الوليد ، يخاف أن يكون ليس بمحفوظ عن الأوزاعي لأنه حدّث به الوليد بحمص ، ليس هو عند أهل دمشق (1) ، وهذا تعليل بالتفرد .

... وتكلم الإمام أحمد أيضًا فيما حدث به الوليد من حفظه بمكة (2) فإذا أعلّ النقاد بتفرد الوليد فربما يكون ذلك لنحو ما سبق من الأمور الخفية ، وليس لكون تفرد الثقة غير مقبول لديهم ولا لكونهم يشترطون التعدد في صحة الحديث .

... وهذه بعض الجوانب التي تتصل بأحوال الثقات المختلفة ، وذكرتها لإلقاء الأضواء على أمور جد خفية ، قد تكون منطلقًا علميًا لنقاد الحديث في تعليل بعض أحاديث الثقات بالتفرد ، دون أن يفصحوا عن جميع الأمور التي تكمن فيه ، ويظل ظاهره مشكلًا لمن لم ينتبه إلى منهجهم .

... ومن هنا أصبح التفرد متعدد الجوانب ومختلف الأحكام وينبغي للباحث محاولة معرفتها من خلال الممارسة الحديثية ولذلك فإن مجرد حفظ القواعد الحديثية من كتب المصطلح لا يؤهل صاحبه للخوض في التصحيح والتعليل .

... وأما إذا أخذ مسألة التفرد وأطلق عليها بالقبول إن كان الراوي ثقة ، أو بالرد إن كان ضعيفًا فلا يكون بحثه في مأمن من الانزلاق والتخبط .

... وما أروع الشيخ عبد الرحمن المعلمي - رحمه الله تعالى - وهو من القلائل الذي فهموا دقة منهج المحدثين في تعليلهم وتصحيحهم للأحاديث ، إذا يقول:"إذا استنكر الأئمة المحققون المتن وكان ظاهر السند الصحة فإنهم يتطلبون له علة ، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقًا حيث وقعت أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقًا ، ولكنهم يرونها كافية للقدح في ذلك المنكر ، فمن ذلك إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع هذا ، مع أن الراوي غير مدلس ، أعلّ البخاري بذلك خبرًا رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عكرمة تراه في ترجمة عمرو من التهذيب" (3) .

..."ونحو ذلك كلامه في عمرو بن دينار في القضاء بالشاهد واليمين ونحوه أيضًا كلام شيخه علي بن المديني في حديث"خلق الله التربة يوم السبت ..."، كما تراه في الأسماء والصفات للبيهقي ، وكذلك أعلّ أبو حاتم خبرًا رواه الليث بن سعد بن سعيد المقبري كما تراه في علل ابن أبي حاتم 2/353" (4) .

..."ومن ذلك إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني وكان خالد يدخل على الشيوخ ، يراجع معرفة علوم الحديث للحاكم ص 120".

"ومن ... ذلك الإعلال بالحمل على الخطأ وإن لم يتبين وجهه كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة ومن ذلك إعلالهم بظن أن الحديث أدخل على الشيخ كما ترى في لسان الميزان في ترجمة الفضل بن الحباب وغيرها".

"وحجتهم في هذا أن عدم القدح بتلك العلة مطلقًا إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر ، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرًا يغلب على ظن الناقد بطلانه ، فقد يحقق وجود الخلل وإذا لم يوجد سبب له إلا تلك العلة فالظاهر أنها هي السبب ، وأن هذا من ذلك النادر الذي يجئ الخلل فيه من جهتها".

"وبهذا يتبين أن ما وقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة ، وإنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث مع وجودها فيها إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق ، اللهم إلا أن يثبت المتعقب أن الخبر غير منكر".

"القواعد المقررة في مصطلح الحديث منها ما يذكر فيه خلاف ولا يحقق الحق فيه تحقيقًا واضحًا ، وكثيرًا ما يختلف الترجيح باختلاف العوارض التي تختلف في الجزيئات كثيرًا ، وإدراك الحق في ذلك يحتاج إلى ممارسة طويلة لكتب الحديث والرجال والعلل مع حسن الفهم وصلاح النية".ا هـ (5)

وهذا كلام جد نفيس ينم عن فهمه الصحيح لمنهج النقاد من خلال الممارسة ، ولذا نقلته بحروفه ، وقليلًا ما نلمس مثل هذا التحقيق في بحوث المعاصرين ، وجزاه الله عنا خير الجزاء .

(1) شرح العلل ص 332 .

(2) شرح العلل ص 332 .

(3) تهذيب التهذيب 8/72 وفيه أنه"روى عن عكرمة عن ابن عباس: من أتى بهيمة فاقتلوه".

(4) وفيه"سألت أبي عن حديث رواه أبو بكر ابن أبي عبد الأمين عن أبي صالح عن الليث عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من مضر وبني تميم"فقيل: من هو يا رسول الله ؟ قال:"أويس القرني"قال أبي: هذا الحديث ليس هو في كتاب أبي صالح عن الليث ، نظرت في أصل الليث وليس فيه هذا الحديث ، ولم يذكر أيضًا الليث في هذا الحديث خبرًا ، ويحتمل أن يكون سمعه من غير ثقة ودلسه ولم يروه غير أبي صالح" ( علل الحديث ، تحقيق محب الدين الخطيب ، دار المعرفة ) .

(5) مقدمة التحقيق للفوائد المجموعة ص (ح) ، (ط) - الناشر: المكتب الإسلامي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت