فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 113

... وإذا كان ابن الصلاح قد اعتمد قول الإمام الترمذي في إضافة هذا الشرط ، ألا وهو أن يكون الحديث خاليًا من الشذوذ ، وفسرنا هذا الشذوذ بما عرفه هو في المقدمة ،وهو ما خالف الراوي فيه الأوثق والأحفظ ، فإن العلة تكون مثل الشاذ في وجوب الاحتراز منها ، لكونها متفقة مع الشاذ في معناه الجوهري ، كما يتجلى ذلك مما شرحه الإمام ابن الصلاح في نوع العلة (1) ؛ إذ قال فيه:

..."ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي ، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم إلى ذلك ، تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول ، أو وقف في المرفوع ، أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم بغير ذلك".

... وفي ضوء هذا النص فنقطة المخالفة والتفرد التي تكون على النحو الذي ورد فيه ، تشكل المناط في مفهوم العلة ، وكذا أيضًا في مفهومي الشاذ والمنكر ؛ إذ يقومان على مخالفة الحديث للراجح أو التفرد بما ليس له أصل أيضًا ، وليس مطلق المخالفة ولا مطلق التفرد .

... هذا إذا جعلنا هذا النص الوارد في العلة شاملًا لما رواه الثقة والضعيف ، وهو الصواب الذي يتأيد بعمل نقاد الحديث . وأما إذا حملناه على ما رواه الثقة وحده ، وجعلناه ميدان العلة ، كما يعتقده الكثير ، فوجه انفصال العلة عن الشاذ يصبح واضحًا فقط في حالة كون الراوي المخالف صدوقًا أو ضعيفًا غير متروك ، إذ الشاذ أعم من العلة لكونه يشمل حديث الصدوق والضعيف غير المتروك في حالة مخالفته حديث الثقة حسب رأي ابن الصلاح، وأما العلة فيكون ميدانها حديث الثقة وحده . وبالتالي يلزم من ذكر الاحتراز من الشذوذ في تقوية الحديث الضعيف الاحتراز من العلة تلقائيًا لكون الشذوذ شاملًا لها .

... وأما عند اللاحقين الذي يجعلون الشاذ والمعلول مقيدين برواية الثقات ، فإن فصله عن العلة يبقى نظريًا مجردًا لا يؤيده الواقع ؛ إذا العلة عندهم متصلة بأحاديث الثقات ، وهي ميدان وقوعها ،وكذلك الشاذ أيضًا . وإذا كانت"مخالفة الثقة للراجح"من أهم العناصر التي ينطوي عليها مفهوم هذين النوعين فيكيف ينفصل أحدهما عن الآخر ؟ وإذا فرضنا وجود فرق بينهما من حيث الجوهر فأي نوع من المخالفة يجعل حديث الثقة معلولًا دون الشذوذ ؟ وهو في غاية الإشكال.

... وهل يمكن القول إن الشاذ عندهم هو مجرد المخالفة ، وأما العلة فتختلف عنه بتقيدها بمخالفة الراجح أو التفرد بما لا أصل له ؟ وعليه يكون الشاذ أعم من المعلول من جهة الإطلاق والتقييد ، وبالتالي لا يكون الشاذ المطلق مما ينبغي الإحتراز منه ، لا في التصحيح ولا في التحسين ، لكون الشاذ عبارة عن مجرد وجود المخالفة ، سواء أكانت نتيجة خطأ أم نتيجة خطأ أم نتيجة صواب ، غير أن الإمام الشافعي الذي شرح الشاذ بالمخالفة قد قيده بمخالفة الثقة للراجح (2) . وكذلك الإمام بن الصلاح لم يذهب إلى إطلاق المخالفة في الشاذ المردود ، حين جعله مقيدًا بمخالفة الراوي الأوثق والأحفظ .

... ولا شك أن هذه المخالفة التي يكون منشؤها الوهم والخطأ هي بذاتها تشكل المناط في مفهوم العلة ، كما سبق آنفًا نص الإمام ابن الصلاح ، وهو قوله:"ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي ، وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم …"وعلى هذا التفسير لمصطلحي الشذوذ والعلة ، يلزم من قول ابن الصلاح في مسألة تقوية الضعيف"وأن لا يكون شاذًا"أن لا يكون معلولًا أيضًا .

... ومن خلال ما سبق من تحليل نص الإمام ابن الصلاح ، وتفسير الشاذ بمعانيه المختلفة المعروفة في كتب المصطلح كان الأمر واضحًا أن العلة كالشاذ في ضرورة الاحتراز منها في مسألة تقوية الضعيف .

نصوص ابن الصلاح المتصلة بـ"حسن لذاته"و"حسن لغيره"ومدى موافقتها بما سبق ذكره في مسألة الاحتراز عن الشذوذ

... لكن تظهر مشكلة أخرى في نصوص ابن الصلاح حول تفصيل"حسن لذاته"و"حسن لغيره"، وهي أنه يفرق بين الشاذ والعلة ، وتوضيح ذلك فيما يلي ؛ يقول الإمام ابن الصلاح في موضوع الحسن:

..."إن الحديث الحسن قسمان ؛ أحدهما: الحديث الذي لا يخلو رجال إسناده من مستور لم تحقق أهليته ، غير أنه ليس مغفلًا كثير الخطأ فيما يرويه ، ولا هو متهم بالكذب في الحديث أي لم يظهر منه تعمد الكذب في الحديث ولا سب آخر مفسق ، ويكون متن الحديث مع ذلك قد عرف بأن روي مثله أو نحوه من وجه آخر ، أو أكثر ، حتى اعتضد بمتابعة من تابع راويه على مثله ، أو بما له من شاهد ،وهو ورود حديث آخر بنحوه ؛ فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًا منكرًا ، وكلام الترمذي على هذا القسم يتنزل"ا هـ (3) .

(1) تفصيل ذلك في بحثي"زيادة الثقة في كتب المصطلح"الذي أجيز لنشره في مجلة الشريعة بجامعة الكويت .

(2) انظر تفصيل ذلك في النكت 2/688 .

(3) مقدمة ابن الصلاح ص: 31 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت