... لقد لوحظت في كثير من البحوث التي يقوم بها بعض المهتمين بالحديث في عصرنا ظاهرة أخرى وهي تعليل ما صححه المتقدمون من الأحاديث دون أن يبينوا من الأدلة العلمية ما كان يتوقف على الفهم والوعي والتتبع .
... ذلك لأنه ربما يتحسسون في الإسناد ما يشكل ظاهرة مثل رواية الضعيف غير المتروك أو عنعنة المدلس أو نحو ذلك مما يجعلهم يعقبون عليه بأمر بديهي لم يكن خافيًا .
... حيث إن دراسة الأسانيد دون وعي وفهم وتتبع واسع لا تعطي لصاحبها فكرة شاملة ودقيقة عن واقع الرواية وملابساتها القريبة والبعيدة ، ولا تمكنه من التأكد من حال الإسناد تفردًا أو متابع ة، لأنها متوقفة على استيعاب التتبع لجميع ما ورد فيه من الوجوه المعتبرة مع حظ وافر من الفهم والوعي والمعرفة .
... مثلًا إن الضعيف غير المتروك لا يضر حديثه إلا إذا تفرد به أو خالفه الآخرون فيه ، وأما إذا وافقه الآخرون فذلك دليل على صحة حديثه وضبطه له ، ولعل المحدث يختار رواية الضعيف لعلوه أو لخصائص إسنادية أخرى ، وهي كثيرة ، ويعتمد عليه فلا ينبغي لنا أن نعقب عليه قائلين بأن الإسناد فيه ضعيف إلا إذا عرفنا من خلال الجمع والغربلة والتتبع أن الحديث لا يعرف إلا به .
... وكذلك عنعنه المدلس فإنها لا تضر الحديث إلا إذا جاء عنه بغير تصريح بالسماع في جميع الطرق ولم يكن شيخه ممن لازمه ملازمة طويلة وأكثر السماع منهم بحيث لم يفت له شيئ من أحاديثهم فعنعنته لا تعكر في صحة الحديث والاعتماد عليه لندرة احتمال التدليس .
... وفي الصحيحين أحاديث كثيرة من هذا النوع فليس من المنطق أن يستدرك الباحث على الشيخين أو غيرهما من النقاد إذا صححوا حديث المدلس الذي عنعن فيه ويقول:"فيه مدلس وقد عنعن والحديث ضعيف أو الإسناد ضعيف"فإنهم أدق نظرًا وتتبعًا وجمعًا ، وأشد تحفظًا فيما يرويه المدلس بالعنعنة اللهم إلا إذا تبين له من خلال تتبعه الواسع أن الحديث لا يعرف إلا معنعنًا ، وأن المدلس قد تفرد به ،وأن شيخه لم يكن ممن أكثر السماع منهم فعندئذ يصبح الاستدراك علميًا ومقبولًا .
... والجدير بالذكر أن المدلسين فيهم من يكون تدليسه نادرًا في بعض الروايات أو لا يدلس فيها أصلًا مع كونه معروفًا بالتدليس .
... مثل هشيم بن بشير المشهور بالتدليس إلا أنه يكاد لا يدلس في حديثه عن حصين بن عبد الرحمن ، فعنعنته محمولة على الاتصال: فقد قال الإمام أحمد:"هشيم بن بشير لا يكاد يدلس عن حصين" (1) . ذلك لأنه لازمه ملازمة طويلة وأكثر سماعه منه بحيث لم يفت له من أحاديثه ، ولذا قالوا:"هشيم أعلم الناس بأحاديث حصين".
... وكذا سفيان الثوري فقد وصف بالتدليس عن الضعفاء إلا أن الإمام البخاري قال:"لا أعرف لسفيان عن حبيب بن أبي ثابت ولا عن سلمة بن كهيل ولا عن منصور - وذكر شيوخًا كثيرة - لا أعرف لسفيان عن هؤلاء تدليسا ما أقل تدليسه" (2) .
... قلت: ومن هؤلاء الشيوخ الأعمش وابن جريج وأبو إسحاق ومعمر ويحيى بن أبي كثير ، لأنه قلما يفوت له من أحاديثهم لطول الملازمة وكثرة السماع .
... وكذلك الأعمش فقد قال الحافظ الذهبي:"وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به ، فمتى قال: حدثنا ، فلا كلام ، ومتى قال: عن ،تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وابن أبي وائل وأبي صالح السمان ، فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال".اهـ (3) .
... وهذا ابن جريج يدلس كثيرًا لكنه هو كما قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي:"كان ابن جريج يدلس عن غير عطاء ، فأما عن عطاء فلا ، قال: إذا قلت: قال عطاء فأنا سعته منه ، وإن لم أقل سمعت ، وإنما هذا لأنه كان يرى أنه قد استوعب ما عند عطاء ، فإذا سمع رجلًا يخبر عن عطاء ، بما لم يسمعه منه رأى أنه كذب فلم يستحل أن يحكيه عن عطاء ، وهذا كما قال أبو إسحاق: قال أبو صالح وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج: ليس أحد يحدث عن أبي هريرة بما لم يسمعاه منه علمًا أنه كذب لإحاطتهما بحديث أبي هريرة" (4)
... كما أن بعض المدلسين إذا جاء حديثهم من طريق بعض الرواة فتحمل عنعنتهم على الاتصال ، لأنهم لا يقبلون منهم إلا ما سمعوا من شيوخهم مثل عكرمة بن عمار اليمامي وقتادة والأعمش وأبي إسحاق وأبي الزبير وسفيان الثوري .
... أما عكرمة فقد ذكره الحافظ ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين ، لكن إذا جاء حديثه من طريق سفيان الثوري فتحمل عنعنته على الاتصال ، لأنه كان يوقفه عند كل حديث ويقول له قل حدثني وسمعت (5) .
... وأما قتادة والأعمش وأبو إسحاق فلا تضر عنعنتهم إذا روى عنهم شعبة ، فإنه قال:"كفيتكم تدليسهم"، وكذا أبو إسحاق فقط بالنسبة إلى حديث ابن سعيد القطان عن زهير عنه وأبو الزبير المكي عن جابر إذا روى عنه ليث بن سعد فعنعنته محمولة على الاتصال ، وكذا الثوري إذا حدث يحيى بن سعيد القطان (6) .
... فهذه بعض الأمور التي تتصل برواية الضعيف وعنعنة المدلس ذكرتها بإيجاز ليتنبه القارئ إلى أن ظاهرة الإسناد لايكفي وحده للحكم عليه بالضعف ، بل يتوقف ذلك على دراسة مستوعبة وواعية ، ولمزيد من التوضيح أذكر هنا مثالًا ، مقارنًا فيه بين المتقدمين والمتأخرين ،وهو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه:
... قال الإمام مسلم الناقد الجهبذ: حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا حبان بن هلال ، حدثنا أبان حدثنا يحيى أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه عن أبي مالك الأشعري قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان …"الحديث (7) .
... هذا الحديث صححه الإمام مسلم حين ساقه في أول كتاب الصلاة من صحيحه معتمدًا عليه من غير متابعة ولا شاهد ، غير أن بعض المتأخرين ضعفه بانقطاع السند ، وهم: الحافظ العلائي والنووي وابن رجب الحنبلي وابن القطان الفاسي وبعض المعاصرين (8) .
... ومنهم من اعتذر عن الإمام مسلم بأن المتن صحيح بإسناد آخر متصل ، لكن يبقى السؤال مطروحًا: لماذا اعتمد مسلم على هذا الإسناد المنقطع في مستهل كتاب الطهارة من الصحيح ؟ وإن أجاب بعض المعاصرين بأسلوب آخر حين قال: ..."إن مسلمًا ظن أن أبا سلام قد عاصر أبا مالك فحكم بصحته بناء على مذهبه في الإكتفاء بمطلق المعاصرة بين الراوي وشيخه مع إمكان اللقاء" (9) . ثم قال:"ولو أن رجلًا مخلصًا أعلمه يستطيع أن يثبت لقاء أبي سلام لأبي مالك لشددت إليه الرحال لآخذ منه هذه الفائدة ولقبّلت رأسه" (10) .
... أما وجه الانقطاع في رأيهم فلأن أبا مالك الأشعري قديم الوفاة ، توفي في عهد عمر بن الخطاب ، ولم يلقه أبو سلام الشامي ، ولأن الإمام الدارقطني قال في التتبع:"وخالفه معاوية بن سلام ،رواه عن أخيه زيد ، عن أبي سلام ، عن أبي عبد الرحمن بن غنم أن أبا مالك حدثهم بهذا" (11) .
... أقول: إن هذا الحديث متصل الإسناد ، سمع أبو سلام من أبي مالك الأشعري ، إذ أن الإمام مسلمًا أورد هذا الإسناد في كتاب الجنائز من الصحيح مزيلًا للشبهة حين قال:
..."حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عفان ، حدثنا أبان بن يزيد - ح - وحدثني إسحاق بن منصور - واللفظ له - أنا حبان بن هلال ، حدثنا أبان ، حدثنا يحيى أن زيدًا حدثه أن أبا سلام حدثه أن أبا مالك الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربع في أمتي من أمر الجاهلية …"الحديث (12) ."
... فبهذا الإسناد الصحيح الثابت تأكد لنا أن أبا سلام سمع من أبي مالك الأشعري ، وهو ليس إلا متأخر الوفاة حتى لقيه أبو سلام وسمع منه أحاديثه ، ولعل اسمه الحارث بن الحارث الأشعري كمنا ذهب إليه الإمام الطبراني إذا أنه ساق الحديث:"الطهور شطر الإيمان"من طريق يحيى ومعاوية تحت العنوان"الحارث بن الحارث الأشعري"في معجمه الكبير 3/284 .
... غير أن الإمام مسلمًا والدارقطني وغيرهما لا يرون أن أبا مالك الأشعري أسمه الحارث بن الحارث فقد ذكر مسلم في كتابه الكنى وجوه الاختلاف حول اسمه ، وأما الدارقطني فقد جعل الحارث بن الحارث الأشعري في الصحابة الذي لم يورد لهم مسلم من الأحاديث شيئًا (13) .
... وعلى كل - سواء أقلنا انه هو الحارث أم أنه لا يعرف الاسم - فإسناد هذا الحديث متصل ، ولذا اعتمد الإمام مسلم في مستهل كتاب الطهارة على هذا الحديث من دون متابعة أو شاهد.
... يقول الحافظ ابن حجر:"أبو مالك الأشعري الذي روى عنه أبو سلام وشهر بن حوشب ومن في طبقتهما هو الحارث بن الحارث الأشعري وتأخرت وفاته ،وأما أبو مالك الأشعري فهو آخر قدم الوفاة ، مات في خلافة عمر رضي الله عنه".
..."وذهب أبو نعيم إلى أنهما واحد إذ إنه ذكر في الرواة عن الحارث الأشعري جماعة ممن يروي عن أبي مالك الأشعري إلا أن ابن الأثير قال: والصواب أنه غيره ، وأكثر ما يرد غير مكنى ، وقد فرق بينهما كثير من العلماء ، منهم أبو حاتم وابن معين وغيرهما ، وعلى هذا فيرد على المزي كونه لم يذكر أن مسلمًا روى للحارث بن الحارث هذا". أ هـ (14) .
... فبهذا لم يبق للمتأخرين دليل على انقطاع السند إلا قول الدارقطني في التتبع حيث أنه تبين لنا جليًا أن أبا مالك الأشعري الذي روى عنه أبو إسلام ومن في طبقته هو الذي تأخرت وفاته وأما أبو مالك الأشعري الذي تقدمت وفاته هو صحابي آخر ، والله أعلم .
... وأما قول الدارقطني في التتبع فمبهم في إفادة الانقطاع وصريح في دلالته على وجود المخالفة بين يحيى بن أبي كثير ومعاوية بن سلام شيخهما زيد بن سلام في ذكر الواسطة بين أبي سلام وأبي مالك الأشعري ، يعني: ماذا قال زيد بن سلام ؟ هل هو كما قال يحيى عنه أم كما قال معاوية بن سلام عنه ، والإمام الدارقطني لم يرجع شيئًا منهما .
... فإن ثبت أن أبا سلام قال عن أبي مالك الأشعري من دون الواسطة فقول معاوية أصبح خطأً أو معلولًا بمعنى أن أبا سلام لم يقل في هذا الحديث عن عبد الرحمن بن غنم ، عن أبي مالك الأشعري بل قال: عن أبي مالك الأشعري مباشرة .
(1) شرح العلل ص 389 .
(2) نفس المصدر ص 389 ، وفتح المغيث 1/219 ، والنكت 2/631 .
(3) ميزان الاعتدال 2/224 .
(4) التنكيل 2/100 ( بتحقيق الشيخ الألباني ) .
(5) تقدمة الجرح والتعديل باب: من حرص الثوري على كتابة العلم ، لابن أبي حاتم 1/117 ، 68 .
(6) النكت 2/630 -631 .
(7) كتاب الطهارة 3/99 ( مع شرح النووي ، الطبعة الثانية سنة 1392هـ ،الناشر دار إحياء التراث العربي ، بيروت ) .
(8) العلائي في جامع التحصيل ص 137 ( تحقيق حمدي السلفي ، الدار العربية) ، والنووي في شرحه لصحيح مسلم 3/100 ،وابن رجب في جامع العلوم والحكم ص185، والفاسي فيما حكاه المناوي في فيض القدير 2/697 ، والشيخ الفاضل مقبل في تحقيقه للشيخ الدارقطني ص 160 ( الطبعة الثانية 1405 بيروت ) والشيخ ربيع في منهج مسلم ص 73 .
(9) منهج مسلم ص 73 .
(10) منهج مسلم ص 73 .
(11) التتبع ص 159 -160 .
(12) كتاب الجنائز ، باب تحريم النياحة 6/235 ( مع شرح النووي ) .
(13) الإلزامات والتتبع ص 100 ( تحقيق مقبل بن هادي الوادعي ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الثانية ) .
(14) التهذيب 2/137 -138 .