..."قال أحمد في حديث عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم:"رأى عمر ثوبًا جديدًا …"، فقال: هذا كان يحدث به من حفظه ولم يكن في الكتب".
..."وقال يحيى بن معين: ما كتبت من عبد الرزاق حديثًا واحدًا إلا من كتابه كله".
..."ومما أنكر على عبد الرزاق حديثه عن معمر ، عن الزهري عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة مرفوعًا"الخيل معقود في نواصيها الخير"، أنكره أحمد ومحمد بن يحيى ، قالا"لم يكن في أصل عبد الرزاق". وذكر الدارقطني"أن الصواب إرساله"، وقال الدارقطني:"عبد الرزاق يخطيء عن معمر في أحاديث لم تكن في الكتاب"ا هـ (1) ."
... فهذا دليل واضح على أن الثقة - ولو كان إمامًا - له أحوال مختلفة من حيث الضبط وعدمه حتى ولو حدَّث عن أقرب شيوخه وهذا عبدالرزاق من الأئمة أختلف حاله في بعض ما روى عن أقرب شيوخه - معمر بن راشد - لخلل وقع في حفظه ، بحيث لو حدث منه تخلط لأنه كان يهتم بضبط الأحاديث في كتابه دون حفظه ، ولهذا تحفظ بعض المتقنين من الحفاظ في السماع منه لما يحدث من حفظه .
... وذلك قبل اختلاطه ،وأما بعده وبسبب العمى فجلي أنه غير مقبول لأنه لا يمكن له التحديث أو الإقرار على ما عرض عليه من الأحاديث إلا باعتماده على من ينظر له في كتبه أو مما علق في قلبه .
... فإذا وجد الناقد يقول في حديث عبد الرزاق عن معمر مثلًا تفرد به عبد الرزاق فمعناه أنه خطأ لما سبق من الأسباب ، وأما الاعتراض عليه بأنه إمام قد روى عن أقرب شيوخه ولا يضر تفرده فليس من الأسلوب العلمي بشيء ، ولو استدرك عليه بأنه لم ينفرد به لوجود متابعة صحيحة لكان ذلك موضوعيًا ومقبولًا لدى الجميع .
يقول الإمام أحمد:"سماع عبد الرزاق بمكة من سفيان مضطرب جدًا ، روى عنه عن عبيد الله أحاديث مناكير ، هي من حديث العمري أما سماعة باليمن فأحاديثه صحاح لأنه ضبط الكتاب الذي كتب هناك عنه".
"وذكر لأحمد حديث عبد الرزاق عن الثوري ، عن قيس ، عن الحسن بن محمد ، عن عائشة ،قالت:"أهدي للنبي صلى الله عليه وسلم وشيقة لحم وهو محرم فلم يأكله". فجعل أحمد ينكره إنكارًا شديدًا ، وقال: هذا سماع مكة" (2) .
أليس هذا من الأمور الدقيقة التي لا يدركها إلا الناقد الجهبذ ؟ لقد ميز الإمام أحمد - رحمه الله - ما سمعه عبد الرزاق بمكة عما سمعه باليمن من أحاديث سفيان وأعلّ الأول ، ولعل لبعض هذه الملابسات الغامضة يقولون:"تفرد به فلان"وليس لأنهم لا يقبلون تفرد الثقة .
(1) شرح العلل ص 323.
(2) شرح العلل ص 331 - 333 .