لما انتشرت رواية الأحاديث الضعيفة الواهية بحسن نية من الرواة الصالحين غير الحافظين ، وبسوء نية من أصحاب الأغراض والمصالح الخاصة ، شمر المحدثون عن ساعد الجد وعزموا على تنقية السنة الشريفة من كل ما التصق بها من أباطيل وأكاذيب ووضعوا قواعد لحفظ الأسانيد والمتون من الوضع والتحريف والتصحيف والأوهام ، كما اشترطوا شروطًا وضوابط لقبول الحديث أو رده غاية في الدقة والإتقان ، حتى إن البعيد عن ميدان الحديث وقليل الزاد فيه أو الدارس له دراسة سطحية يخيل إليه أن علمهم هذا هو عبارة عن إلهام لا يؤتاه غيرهم ، وفي الحقيقة هو خلاصة ممارسة طويلة لذلك الفن وإحاطة شاملة به مع إخلاص في طلبه .
وبذلك المنهج العلمي الرائع صانوا السنة الشريفة عن كذب المتعمدين ووهم الناقلين حتى وصلت إلينا نقية سليمة ، بل تركوا المدارس الحديثية ممثلة في جملة من القواعد مجسدة في دراسات حديثية مثل الصحيحين والسنن الأربعة وكتب العلل ، تبصرة للأجيال بكيفية استخدام هذه القواعد في البحوث الحديثية - فجزاهم الله عنا خير الجزاء - .
فبواسطة ذلك الإرث الحضاري الضخم الذي تركوه لنا نستطيع التمييز بين صحيح الأحاديث وضعيفها ، ومقبولها ومردودها التي ظلت مصادر العلوم الشرعية تضمها من غير تحفظ ، إن نحن طبقنا ذلك المنهج القويم .
ولإبراز براعة ودقة المحدثين النقدة في دراسة الأحاديث وحرصهم الشديد على التثبت من كل حديث ومن مدى صحته أو ضعفه ،والبحث الحثيث عن خفاياه ، ولتسليط الأضواء على تساهل المتأخرين فيها ، وددنا - بفضل الله وعونه - أن نقوم بموازنة علمية بينهم في تصحيح الأحاديث وتعليلها على ضوء دراسة بعض الأمثلة الحديثية التي خالف فيها المتأخرون المحدثين النقاد .
وذلك لما كنا نلمسه في كثير من البحوث الحديثية من ظاهرة المخالفة المبنية على أسس واهية بتصحيح ما أعله السلف وتعليل ما صححوه ، حتى إن البعض يبني عليه حكمًا شرعيًا يتعصب له ويتشدد فيه إلى درجة أنه لا يقبل فيه نقدًا ولا مراجعة ولا تصويبًا ، ويتهم من كان ينتقده بأسلوب علمي في عقيدته ودينه ، وهذا مرض ابتلي به خلق كثير ، فالله المستعان .
فرغم كثرة المشتغلين بالأحاديث في عصرنا بحثًا وتحقيقًا وتخريجًا ودراسة ، فإنه تكاد لا توجد أطروحة علمية على مستوى لائق بمكانة السنة من حيث الابتكار والاستدراك والانتقاد ، إلا نادرًا ، إذ إنهم ينقصهم جانب كبير من الفهم والدقة والإطلاع والممارسة ، وكان معظمهم يقحمون أنفسهم ويفرضون وجودهم في مجال البحوث الحديثية دون أن يتحقق لهم تأهل علمي متكامل من خلال الممارسة الحديثية الطويلة ، بل اغتروا بالقواعد التي حفظوها من علوم الحديث دون فهم ومعرفة وتحقيق .
فإن جل مباحث الحديث فن دقيق يحتاج إلى تعامل مستمر مع مختلف المصادر الحديثية ، وبعض مسائله لا يزال يكتنفها من اللبس والغموض ما يمكن أن يمنع الطالب الباحث عن إحاطة شاملة وفهم صحيح وهذا يؤدي إلى ضعف المستوى في دراسته وبحثه ، ويحدث بونًا شاسعًا بينه وبين المتقدمين ، مثل مسألة التفرد ، وزيادة الثقة ، والحسن ، والعلة ، والشذوذ ، والتدليس ، ونحوها ، مما يعد من أهم النقاط وأدقها ، التي يؤسس عليها المحدثون نقدهم .
فمن الغريب أن نرى بعضهم يتعقبون على فرسان الحديث وجهابذتهم بأمر بديهي لم يكن خافيًا على المبتدئين ، وهؤلاء كما قال الشيخ طاهر الجزائري وهذا نصه:
"وأعلم أن هذه المسألة هم من أهم مسائل هذا الفن الجليل الشأن ، والناظرون في هذا الموضع قد انقسموا إلى ثلاث فرق: الفرقة الأولى فرقة جعلت جل همها النظر في الإسناد ، فإذا وجدته متصلًا ليس في اتصاله شبهة ووجدت رجاله ممن يوثق بهم حكمت بصحة الحديث قبل إمعان النظر فيه ، وحتى إن بعضهم يحكم بصحته ولو خالف حديثًا أخر رواته أرجح ، ويقول: كل ذلك صحيح ، وربما قال: هذا صحيح وهذا أصح ، وكثيرًا ما يكون الجمع بينهما غير ممكن ، إذا توقف متوقف في ذلك نسبة إلى مخالفة السنن ، وربما سعى في إيقاعه في محنة من المحن … وقد وصل الغلو بفريق منهم إلى أن ألزموا الناس بالأخذ بالأحاديث الضعيفة الواهية فأوقعوا الناس في داهية ،"وما أدراك ماهية"وهذا الفرقة هم الغلاة في الإثبات". ا هـ (1)
فعلينا أن نسلط الأضواء على الجوانب الغامضة التي تظل بعيدة عن انتباه الناظرين في تلك المسائل، إلا أننا نختار منها مسألتي التفرد ، وزيادة الثقة ، ونفرد كلًا منهما ببحث خاص ، مستندين فيه على نصوص المحدثين النقاد ، ومستمدين من ممارساتهم العلمية ، كتمهيد بين يدي هذه الموازنة ،وذلك ليستقين القارئ رصانة المتقدمين في نقدهم للأحاديث .
(1) توجيه النظر ص 74 .