... وأسرد هنا - على سبيل المثال دون استيعاب - تلك المواضع التي ورد فيها مصطلحا"المتقدمون"و"المتأخرون"من غير ترتيب موضوعي لها ،أو توضيح ملابسات تلك المسائل التي تعرضت للتباين المنهجي بينهم ، إذ الغاية هي مجرد عرض لهذه المواضع ليقف القارئ على أنني لم أحدث شيئًا جديدًا في قضية التفريق بين المقدمين والمتأخرين . وأنا على يقين أن القارئ على علم بذلك .
قال الحافظ ابن حجر ( رحمه الله تعالى ) :"وكذا خصصوا ( الإنباء ) بـ (الإجازة) التي يشافه بها الشيخ من يجيزه ،وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم ، وإنما أرادوا التمييز بين أحوال التحمل ، وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكفلوا في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته . نعم يحتاج المتأخرون إلى مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط ، لأنه صار حقيقة عرفية عندهم فمن تجوز عنها احتاج إلى الإتيان بقرينة تدل على مراده وإلا فلا يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح ، فيحمل ما يرد من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين (1) ."
وقال أيضًا:"والإنباء بمعنى الإخبار عند المتقدمين جزمًا" (2) .
وقال أيضًا:"قوله ( أنبأنا أبو إسحاق ) كذا هو بلفظ الإنباء ، وهو في عرف المتقدمين بمعنى الإخبار والتحديث وهذا منه" (3) .
وقال أيضًا:"وهذا أختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين ، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين ، واستشهدوا له بحديث قيلة بنت مخرمة" (4) . يلاحظ أن موضوع هذا النص فيما يخص تأويل حديث عذاب الميت ببكاء أهله .
وقال ابن الصلاح:"التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين ، فيكتبون لابن خمس فصاعدًا ( سمع ) ولمن لم يبلغها (حضر) أو ( أحضر) " (5) ، ونقله عنه اللاحقون في كتب المصطلح .
وقال السخاوي:"فاعلم أنه قد تقدم اغتفار الكلمة والكلمتين ، يعني سواء أخلتا أو إحداهما بفهم الباقي ، لا لأن فهم المعنى لا يشترط ، وسواء كان يعرفهما أم لا ، والظاهر أن هذا بالنسبة إلى الأزمان المتأخرة وإلا ففي غير موضع من كتاب النسائي ، يقول: ( وذكر كلمة معناها كذا ) لكونه فيما يظهر لم يسمعها جيدًا وعلمها (6) ."
وقال أيضًا نقلًا:"وخصّ بعضهم الاستواء بالأزمان المتأخرة التي حصل التسامح فيها في السماع بالنسبة للمتقدمين لكون آل لتسلسل السند إذ هو حاصل بالإجازة" (7) .
وقال أيضًا نقلًا عن أبي العلاء الحسن بن أحمد الهمداني العطار:"لم أرَ في اصطلاح المتقدمين من ذلك شيئًا ، غير أن نفرًا من المتأخرين استعملوا هذه الألفاظ ، ولم يروا بها بأسًا ، ورأوا أن التخصيص والتعميم في هذا سواء" (8) .
وقال في موضع آخر نقلًا عن ( توضيح النخبة ) :"إن القول بها توسع غير مرضي ، لأن الإجازة الخاصة المعينة مختلف في صحتها اختلافًا قويًا عند القدماء ، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين فهي دون السماع بالاتفاق" (9) .
وقال أيضًا:"وهذه الألفاظ إن كثر استعمالها لذلك بين المتأخرين من بعد الخمسمائة وهلم جرًا فما سلم من استعمالها مطلقًا من الإيهام وطرف من التدليس ، أما المشافهة فتوهم مشافهة بالتحديث ، وأما الكتابة فتوهم أنه كتب إليه بذلك الحديث بعينه ، كما يفعله المتقدمون" (10) .
وفي 2/119:"نعم اصطلح قوم من المتأخرين على إطلاقها فيها" ( يعني لفظة"أنبأنا"في الإجازة ) إلى أن قال:"وراعى في التعبير به عن الإجازة اصطلاح المتأخرين ، لا سيما ولم يكن الاصطلاح بذلك انتشر".
وفي 2/132"لكن إذا صحّ عند أحد من المتقدمين كما عليه ابن الصلاح ، أو المتأخرين على المختار ما حصل الإعلام به من الحديث حصل الوثوق به".
وفي 2/206:"وكذا خصّ بعض المتشددين الجواز بما إذا لم يخرج الكتاب عن يده بعارية أو غيرها ، قال بعضهم: وهو احتياط حسن يقرب منه صنيع المتقدمين أو جلهم في المكاتبة".
وقال في 2/208:"فإن تحديث المتقدمين من كتبهم مصاحب غالبًا بالضبط والإتقان الذي يزول به الخلل ، حتى إن الحاكم أدرج في المجروحين من تساهل في الرواية من نسخ مشتراة أو مستعارة غير مقابلة لتوهمهم الصدق في الراوية منها بخلاف المتأخرين في ذلك فهو غالبًا عري عن الضبط والإتقان ، وإن نوقش في أصله كما تقرر في محله".
وفي 2/249:"وإن اصطلح المتأخرون على التصرف في أسماء الرواة وأنسابهم بالزيادة والنقص وبزيادة تعيين تاريخ السماع"إلى أن قال:"وهو توسع أشار ابن دقيق العيد إلى منعه"
وفي 2/256: كما جوّزه ( يعني تقديم المتن على السند ) بعض المتقدمين من المحدثين ،وكلام أحمد يشعر به ، فإن أبا داود سأله هل لمن سمع كذلك أن يؤلف بينهما ؟ قال نعم ، وبه صرّح ابن كثير من المتأخرين فقال: الأشبه عندي جوازه"."
وفي 2/269:"وفعله ( يعني أن يجمع بين الروايات مع بيان الفروق فيما بينها ) من المتأخرين عياض فقال في الشفاء: وعن عائشة والحسن وأبي سعيد وغيرهم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعضهم يزيد على بعض".
وفي 2/281:"وقد فعله جماعة من المتأخرين ، وبالغ بعض المتساهلين فكان يقرأ عليه الماشي حال كونه راكبًا ، وذلك قبيح منهما".
وفي 2/283:"وكذلك الشافعي قد أُخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك ، في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين".
وفي 2/292:"واعلم أن القراء في هذه الأعصار المتأخرة ، بل وحكاه ابن دقيق العيد أيضًا قد تسامحوا في ذلك وصار القارئ يستعجل استعجالًا يمنع السامع من إدراك حروف كثيرة ، بل كلمات ، وقد اختلف السلف في ذلك".
وفي 3/18-19:"وعلو الصفة عند أئمة الحديث بالأندلس أرجح من علو المسافة ، خلافًا للمشارقة ، يعني المتأخرين ، ولأجل هذا قال العماد بن كثير: إنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى باقي الفنون ، ونحوه قول شيخنا: وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه حتى غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه"، ثم نقل ابن دقيق العيد قوله:"وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب العلو، حتى كان سببًا لخلل كثير في الصنعة ، ولم يكن فيه إلا الإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه إلى من أجلس صغيرًا ، لا تمييز له ولا ضبط ولا فهم ، طلبًا للعلو وتقدم السماع".
وفي 3/ 26:"لو جمع بين سندين أحدهما أعلى بأيهما يبدأ فجمهور المتأخرين يبدؤون بالأنزل ليكون لإيراد الأعلى بعده فرحة ، وأكثر المتقدمين بالأعلى لشرفه". ثم أورد لذلك الأمثلة من صحيح البخاري وصحيح مسلم .
وهذه النصوص كلها توضح وقوع فوارق منهجية لافتة الانتباه بين المتقدمين والمتأخرين فيما يخص طرق التحمل والأداء ، وأن مصطلح"المتأخرين"هنا يشمل جميع علماء الطوائف الثلاث: أئمة الفقه ، وأئمة الأصول والكلام ، وأهل الحديث ، كما يظهر ذلك لمن يتتبع مبحث طرق التحمل والأداء وما يتعلق بهما من مسائل في كتب المصطلح ، حيث أن حضور هؤلاء الأئمة جميعًا في تقعيد ما يتعلق بها واضح وجلي ، منهم القاضي أو بكر الباقلاني ( ت 403هـ ) ، وأبو الفتح سليم الرازي (ت447هـ ) وأبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ ) ، وابن الصباغ (ت477هـ ) ، وأبو إسحاق الاسفرائيني (ت418هـ ) ، وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي وإمام الحرمين ( ت 478هـ ) ، والمازري ، والماوردي (ت450هـ ) ، وغيرهم ممن عاصر الحافظين المشهورين: البيهقي ( 458هـ ) ،والخطيب البغدادي (ت460هـ ) ولاحقيهما كالآمدي (ت631هـ ) ، وابن الحاجب (ت646هـ ) .
وأما الموضوعات الأخرى التي نص فيها العلماء على تباين منهجي بين المتقدمين والمتأخرين فهي كالآتي: قال السخاوي:"ولا شك أن في المتكلمين في ذلك من المتأخرين من كان من الورع بمكان كالحافظ عبد الغني صاحب الكمال في معرفة الرجال المخرج لهم في الكتب الستة ، الذي هذبه المزي وصار كتابًا حافلًا ، عليه معول من جاء بعده ، وأختصره شيخنا وغيره ، من المتقدمين من لم يشك في ورعه كالإمام أحمد" (11)
وقال أيضًا:"قد شغف جماعة من المتأخرين القائلين بالتاريخ وما أشبهه كالذهبي ثم شيخنا بذكر المعائب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية ، وذلك غيبة محضًا" (12) .
وقال أيضًا:"لعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة ، فإنه ليس من أهلها ،ولذا كان الجهل بالعلوم ومراتبها والحق والباطل منها أحد الأوجه الخمسة التي تدخل الآفه منها في ذلك ، كما ذكره ابن دقيق العيد ، وقال: إنه محتاج إليه في المتأخرين أكثر لأن الناس انتشرت بينهم أنواع من العلوم المتقدمة والمتأخرة حتى علوم الأوائل .."إلى أن قال:"والمتقدمون قد استراحوا من هذا لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم" (13) .
وفي 3/360:"فنسب الأكثر من المتأخرين منهم كما كانت العجم تنسب للأوطان ،وهذا وإن وقع في المتقدمين أيضًا فهو قليل ، كما أنه يقع في المتأخرين أيضًا النسبة إلى القبائل بقلة".
وقال السخاوي:"ليس يمكن في عصرنا ( يعني التصحيح والتحسين ) بل جنح لمنع الحكم بكل منهما في الأعصار المتأخرة الشاملة له ، واقتصر فيهما على ما نص عليه الأئمة في تصانيفهم المعتمدة التي يؤمن فيها لشهرتها من التغير والتحريف ، محتجًا بأنه ما من إسناد إلا في روايته من اعتمد على ما في كتابه عريًا عن الضبط والإتقان" (14) .
وقال أيضًا:"لكن قد وافق اختيار ابن الصلاح جماعة من المتأخرين" (15)
وقال أيضًا:"وبسعيد ( يعني سعيد بن المسيب الذي روي عنه أنه لا يحتج بالمرسل ) يرد على ابن جرير الطبري من المتقدمين، وابن الحاجب من المتأخرين ادعاءهما إجماع التابعين على قبوله ( أي المرسل ) " (16) .
وقال أيضًا:"إن ما تقدم في كون ( عن ) وما أشبهها محمولًا على السماع ،والحكم له بالاتصال بالشرطين المذكورين ، هو في المتقدمين خاصة ، وإلا فقد قال ابن الصلاح: لا أرى الحكم يستمر بعدهم فيما وجد من المصنفين في تصانيفهم مما ذكروه عن مشايخهم قائلين فيه ( ذكر فلان ) ( قال فلان ) ونحو ذلك ، أي فليس له حكم الاتصال إلا إن كان له من شيخه إجازة" (17) ، إلى أن قال في 163:"وكثر بين المنتسبين إلى الحديث استعمال (عن) في ذا الزمن المتأخر أي بعد الخمسمائة إجازة".
(1) فتح الباري شرح صحيح البخاري 1/145 .
(2) المصدر السابق 5/400 .
(3) المصدر السابق 2/563 .
(4) المصدر السابق 3/ 155 .
(5) مقدمة ابن الصلاح ص ، 130 .
(6) فتح المغيث 2/48 .
(7) المصدر السابق 2/58.
(8) المصدر السابق 2/68 .
(9) المصدر السابق 2/73 .
(10) المصدر السابق 2/118 .
(11) فتح المغيث 3/323 .
(12) فتح المغيث 3/324 .
(13) المصدر السابق وفي 3/327 .
(14) فتح المغيث 1/44 .
(15) المصدر السابق 1/51 .
(16) المصدر السابق1/136 .
(17) المصدر السابق 1/162 .