... وعلى كل حال فإن رأي الإمام ابن الصلاح في مجال الاحتراز من الشذوذ ، ثم ما يخص تحديد المعنى الذي يقصده به ، ومدى انفصاله عن العلة في مسألة تقوية الحديث الضعيف ، والحسن ، كل ذلك يظل محل غموض كثيف ، وذلك حين نقوم بالمقارنة بين نصوص الإمام ابن الصلاح الواردة في مسألة تقويه الضعيف ومسألة الحسن . ومع ذلك فالذي يظهر لي مما سبق ذكره هو أن ابن الصلاح يرى الشاذ منفصلًا عن العلة كما هو واضح في مسألة"حسن لذاته"، وأن الشاذ الذي ورد ذكره في موضوعي حسن لغيره ، وتقوية الحديث الضعيف إنما ذكره تقليدًا للإمام الترمذي ، وبذلك تكون نصوصه خالية من الإشكال والغموض .
... ومن هنا ينبغي تفسير ذلك الشاذ حسب منهج الإمام الترمذي في استخدام مصطلح الشاذ ، وليس بما اختاره الإمام ابن الصلاح في مقدمته ، وبذلك تتضح القاعدة في هذه المسألة التي نحن بصدد دراستها دون غموض وإشكال .
... ولا شك أن رأي الإمام الترمذي في الشاذ هو ما نقله الحافظ الخليلي عن حفاظ الحديث عمومًا بقوله:"الشاذ عند حفاظ الحديث ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ، ثقة كان أو غير ثقة ، فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يقبل ، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به" (1) .
... وفي ضوء هذا النص يمكن القول إن الشاذ عند الترمذي هو أن يكون متن الحديث غريبًا له سوى سند واحد من أوله إلى آخره ، وهذا مما ينبغي الاحتراز منه في التصحيح والتحسين ، وإن كان يفهم من ظاهر النص المذكور أن التفرد على إطلاقه لكن مناسبة عمل المحدثين النقاد ، ونصوصهم العامة في الحديث الغريب يوضح أن التفرد المقصود بالشاذ المردود هو التفرد بما لا أصل له ، وليس مطلق التفرد .
... وإذا كان الأمر كذلك فالذي يكون الأقرب إلى الصواب هو إن الإمام الترمذي يريد بالشاذ ما يقصد به الحفاظ الآخرون ، وهو غرابة المتن ، بأن يكون غير معروف لديهم ؛ لا رواية ولا عملًا ولا قولًا لأحد من الصحابة والتابعين سواء كان راوي ذلك المتن ثقة أم ضعيفًا (2) ، وبهذا المعنى يصبح سياق قول الترمذي في موضوع الحسن متسقًا بعضه على بعض ، بخلاف المعنى الذي شرحه الإمام الشافعي للشاذ ، فإنه لا يتناسب مع سياق النص لكونه مقيدًا بمرويات الثقات ، كما سبق .
(1) مقدمة ابن الصلاح ص: 77 .
(2) والجدير بالذكر أن مثل هذه في المتون لا تقع غالبًا إلا المتروكين المتهمين بالكذب والوضع .ولهذا قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ ( تدريب الراوي 1/339 ) .
وفي الواقع لا يوجد فرق بين الشاذ والعلة إلا من حيث الغموض ، وأما من حيث الجوهر فلا ، فإن العلة تدور أيضًا على حالة التفرد بما ليس له أصل . وكلما كان الراوي ثقة معروفًا ازداد تفرد غموضًا . ولذلك قال الإمام الحاكم ( رحمه الله تعالى ) :"وهو (يعني الشاذ) غير المعلول ؛ فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة"اهـ . ( معرفة علوم الحديث ص: 119 ) . =
=وشرحه الحافظ ابن حجر بقوله:"وهو ( يعني الشاذ ) على هذا أدق من المعلل بكثير ، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة ، وكان في الذروة العليا من الفهم الثاقب ورسوخ الفهم في الصناعة ورزقه الله نهاية الملكة". ( النكت) هذا طبعًا إذا كان راوية ثقة .
وقال السخاوي:"والشاذ لم يوقف له على علة ، وهذا يشعر بإشتراك هذا مع ذلك ( يعني المعلول ) في كونه ينقد في نفس الناقد أنه غلط ، وقد تقتصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه ،وأنه من أغمض الأنواع وأدقها ، والشاذ أدق من العلل بكثير اهـ . ( فتح المغيث 1/232، تحقيق الشيخ علي حسن علي ، الهند ) ."
وهذا لا يعني أن الشاذ لا يطلق إلا على رواية الثقة ، بدليل قول شعبة السابق وغيره من النقاد ، وليس من المنهج السليم اعتماد المفهوم المخالف لأقوال النقاد بعيدًا عن واقع أعمالهم التطبيقية . ولذا يتوقف تفسير نصوص النقاد على خبرة واسعة واحتكاك طويل بمنهجهم في النقد .
ولعل نص الإمام الحاكم هذا هو مصدر الإمام ابن الصلاح فيما شرحه في نوع العلة من التفاصيل ،وفي ذكر العلة والشذوذ جميعًا في تعريف الصحيح ،وبالتالي يصبح من الضروري تفسير هذه المصطلحين الذين تضممنهما تعريف الصحيح بالمعنى الذي وضعه الإمام الحاكم لهما ، دون الاعتماد على المعنى الذي ترجح في كتب المصطلح ، وإلا فذكر الشاذ مع العلة بعد تكرارًا ، إذ هما يتفقان في جوهر المعنى ، وإن كان تعريفهما مختلفين في الصياغة .