فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 113

ملاحظات استطرادية حول قول أبي الحسن الأندلسي بتميز منهج الفقهاء في نقد الحديث

... وأما ما زعمه أبو الحسن الأندلسي ( رحمه الله تعالى ) "أن للمحدثين أغراضًا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك ، ،وأن الفقيه قد يعلم صحة الحديث بموافقة الأصول ، أو آية من كتاب الله تعالى ، فيحمله ذلك على قبول الحديث ،والعمل به ، واعتقاد صحته ، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة" (1) فيرده ما سبق سرده من نصوص الأئمة . هذا من حيث الجملة .

... وأما من حيث التفصيل فقوله:"إن المتحدثين بالغوا في الاحتياط"بعيد عن الدقة ، وذلك لأن منهج المحدثين في التصحيح والتضعيف لم يكن قائمًا على التخمين والاحتياط ، وإنما على تتبع القرائن والملابسات ، ولذلك فإنهم حين أعلُّوا الحديث المرفوع بالموقوف يعني أن القرائن نبهتهم على أن رفع الحديث خطأ ، وليس لمجرد وجود المخالفة بين الموقوف والمرفوع ، أو بين المتصل والمرسل ، وليس لأنهم مبالغون في الاحتياط ، ويمكن أن نصفه بذلك إذا كان منهجهم في ذلك مجرد تخمين وظن ، دون تعويل على القرائن والملابسات .

... وأما طعنهم في الراوي فليس كما قال الأندلسي: إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو لمخالفته من هو أعدل منه أو أحفظ ، يطعن فيه النقاد ، وإنما طعنوا فيه لكثرة مخالفته الصواب وكثرة تفرده بما ليس له أصل ، وليس لمجرد أنه قد خالف من هو أعدل منه ، دون لجوء إلى ما يحف به من القرائن .

... وأما الجملة الأخيرة فتعد غريبة منه رحمه الله تعالى ، وهي وليدة خلط بين قضيتين مختلفتين تتميز كل منهما عن الآخر بالضوابط ، إذ موافقة القول المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الأصول أو الآية القرآنية لا تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة ، والذي ذكره أبو الحسن الأندلسي إنما هو من حيث محتوى النص ، فسلامته من الخلل تتم بانسجامه مع الأصل الثابت أو الإجماع ، وأما من حيث روايته وإضافته إلى شخص ما فينبغي أن يكون خاضعًا لقواعد النقل والرواية ، وبمجرد أن يكون نص ما قد وافق الآية القرآنية لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة إذا لم يكن من رواية الكذاب .

... ومن المعلوم أن النقل له قواعد وضوابط ، كما للعقل قواعد وضوابط ، ولا ينبغي إخضاع أحدهما لقواعد الآخر إلا في حالات معينة وبطريقة علمية منهجية ، وبالتالي فما لا يمنع العقل وقوعه لا يلزم إضافته إلى شخص ، ما لم يثبت عنه نقلًا ، وكيف إذا كان الأمر يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن الخطب فيه جلل ،والعاقبة وخيمة .

... وعلى كل فقد ظهر جليًا مما سبق أن أئمة الفقه والأصول كانوا يقعدون القواعد وينظرون المسائل فيما يخص التصحيح والتعليل والقبول والرد والجرح والتعديل وفق ما يقتضيه التجويز العقلي المجرد ، كما سبق الإشارة إلى ذلك في نص الإمام ابن دقيق العيد ، كذا نص أبي الحسن الأندلسي وبالتالي يكون من الإنصاف العلمي أن لا يعد ذلك منهجًا علميًا يوازي منهج المحدثين النقاد .

... وربما نجد في نصوص بعض المتأخرين أن المحدثين يضعفون الأحاديث لعلة غير قادحة ،وأنهم يضعفون الحديث لاختلاف رواته على شيوخهم في اسم الصحابي ، ويعدون مثل هذا الاختلاف عله تقدح في صحة الحديث . وأما الفقهاء فلا يعدونه علة قادحة لأن الحديث في جميع الاحتمالات يكون من رواية الصحابي ، ولا يضر الإبهام في اسمه لثبوت عدالة الصحابة ، مما يوهم القارئ المستعجل أن الفقهاء هم في غاية من الدقة في التصحيح والتضعيف . أقول: كلا ثم كلا ؛ فإن ذلك النوع من الخلاف لن يكون قياسًا لمعرفة دقة الفقهاء في التصحيح والتضعيف ومرونتهم في ذلك ، وهذا في الواقع أمر سهل ، بل لا يرد أحد من النقاد الأحاديث من أجله ، وإنما يرفض فقط أن يحدد الراوي بأنه فلان ؛ لوقوع اضطراب حوله ، دون أن يقدح ذلك في صحة الحديث .

... وأما الخلاف الجوهري المتمثل في كون الحديث موقوفًا أو مرفوعًا ، أو كون الحديث مرسلًا أو متصلًا ، أو كون الحديث بزيادة أو بدونها فيعد ذلك كله من العلل القادحة ، فقط إذا توفرت القرائن على أن رفعه أو وصله أو زيادته خطأ محض من رواية أيًا كان هذا الراوي ، ولم يكن ذلك مبنيًا على مجرد تخمين ، أو تجويز عقلي .

... في حين يعد الفقهاء هذا النوع من الاختلاف عللًا غير قادحة ؛ نظرًا لكون راوي ذلك ثقة أو صدوقًا ، وأن الزيادة منه مقبولة عندهم إذ كانوا يجوزون عقليًا صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم صارفين النظر عما يحيط بتلك الزيادات من ملابسات وقرائن . ولذا فعلى المنصف أن يتأمل: أي منهج يتسم بالدقة المتناهية التي تقتضيها مكانة ألسنة النبوية ؛ منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع القرائن والملابسات ؟ أو منهج الفقهاء والأصوليين الذي يعتمد على التجويز العقلي (2)

... وفي ضوء ما سبق ذكره يمكن لنا القول: من كان منهجه في التصحيح والتضعيف هو النظر في عدالة الراوي واتصال السند فهو على طريقة الفقهاء ، وعليه جرى عمل كثير من المتأخرين من أهل الحديث عمومًا ، وهو ظاهر لكل من يتتبع كتب الفقه وأحاديث الأحكام ، وكتب التخريجات ،وكذلك المعاصرون ينتهجون المنهج نفسه ، كما نرى ذلك في كثير من بحوثهم ودراساتهم . غير أنهم يتفاوتون في ذلك بقدر ممارستهم بمنهج المحدثين النقاد . وستأتي لذلك نماذج عديدة عند الموازنة ، إن شاء الله تعالى .

... هذا وقد تبلور التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في تقعيد قواعد القبول والرد في مناسبات أخرى في علوم الحديث ، كمبحث تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، ومبحث زيادة الثقة ، ومبحث الاستخراج ، ومبحث الشاذ والمنكر .

... يقول الحافظ العلائي في صدد هذا التباين:

..."فأما إذا كان رجال الإسناد متكافئين في الحفظ أو العدد ، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك ، مع أن كلهم ثقات محتج بهم ، فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء".

..."فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقًا ، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى ، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها ، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك ، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث ، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص ، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ؛ ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة ، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده".

..."وأما أئمة الفقه والأصول ، فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه يعني كما تقدّم تفصيله عنهم ، ويلزم على ذلك قبول الحديث الشاذ كما تقدم" (3)

... وقال الحافظ ابن حجر:"وهذا ( يعني قبول زيادة الثقة ) قول جماعة من أئمة الفقه والأصول ، وجرى على هذا الشيخ محيى الدين النووي في مصنفاته" (4)

... وقال الحافظ العلائي:"فهذا ( قبول زيادة الثقة ) كلام أئمة الأصول ممن وقفت عليه ، وأما أئمة الحديث فالمتقدمون منهم كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ومن بعدهما كعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهذا الطبقة ،وكذلك من بعدهم كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ومسلم والنسائي والترمذي وأمثالهم ، ثم الدارقطني والخليلي ، كل هؤلاء يقتضي تصرفهم في الزيادة قبولًا وردًا الترجيح بالنسبة إلى ما يقوي عند الواحد منهم في كل حديث ،ولا يحكمون في المسألة بحكم كلي يعم جميع الأحاديث ،وهذا هو الحق والصواب كما سنبينه إن شاء الله تعالى" (5) ثم استثنى العلائي منهم الإمام الحاكم وابن حبان لتساهلهما في التصحيح .

وهذه النصوص كلها واضحة وجلية في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين في مسألة التصحيح والتضعيف وما يلحق بهما من المسائل والضوابط ،وأن المتقدمين هم نقاد الحديث ، وأن المتأخرين هم الفقهاء وعلماء الكلام والأصول ومن تبعهم في المنهج من أهل الحديث ، دون النظر إلى الفاصل الزمني في التفريق .

... ولذا أطلق السخاوي بقوله السابق:"ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًا ، وللنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ،ولم يجئ بعدهم مساو لهم ولا مقارب" (6)

... ومن هنا يتجلى وهاء ما ذكره الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ( رحمة الله عليه ) في سبيل دفاعه عن حديث عون بن عبد الله الخراز عن مالك عن الزهري عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا موضوع ترك رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام ،وعن صحته ، مع أن الراوي قد انفرد به مخالفًا للثابت عن مالك ثم عن الزهري ثم عن نافع ثم عن ابن عمر ثم عن النبي صلى الله عليه وسلم ،ونصّ بعض النقاد على أنه باطل ، وأوضح ذلك الشيخ الألباني رحمة الله عليه ، كما سيأتي تفصيل ذلك في قسم الموازنة إن شاء الله تعالى .

(1) نقله الحافظ في كتاب النكت على ابن الصلاح 2/128 -131 ( مناهج المحدثين ص: 25 ) .

(2) هذا الموضوع مشروح بتفاصيل دقيقة في كتاب جديد للمؤلف عنوانه"كيف ندرس علوم الحديث".

(3) نقله الحافظ في النكت على كتاب ابن الصلاح - النوع الثامن عشر: معرفة العلل - 2/712 .

(4) المصدر السابق - في النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات - 2/688 .

(5) نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد ص: 209 - 210 ( تحقيق بدر بن عبد الله ، ط: 1 ، سنة 1416هـ ، دار ابن الجوزي ) .

(6) فتح المغيث 1/237 ، وتوضيح الأفكار 1/344 ،والنكت 2/604-605 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت