فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 113

مبحث خاص في التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي ، والعوامل التاريخية التي أدت إلى ذلك .

مبحث خاص في تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد ، والضوابط في ذلك .

بعض الأمثلة التوضيحية لإجراء الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين.

فجاءت مباحث الكتاب على الترتيب التالي:

مدخل عام .

المبحث الأول في التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين ، والعوامل التاريخية التي أدت إلى ظهور ذلك .

والمبحث الثاني في تفرد الثقة .

والمبحث الثالث في زيادة الثقة .

والمبحث الرابع في تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد ، وبيان الضابط في ذلك ، وتكون هذه المباحث محتوى القسم الأول من الكتاب .

وأما القسم الثاني ففي الأمثلة المختارة لعملية الموازنة .

ولعل من المفيد أن أشير إلى أن عملي في الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في التصحيح والتضعيف يقوم على النقاط الثلاث:"تفرد الثقة"، و"زيادة الثقة"،"وتقوية الحديث بالمتابعات والشواهد"، لكونها تشكل محاور رئيسة لكثير من أنواع علوم الحديث ومصطلحاتها ، مما يعكس بوضوح حقيقة التباين المنهجي بين نقاد الحديث الأوائل وبين غيرهم من المتأخرين الذين تصدوا لمهمة نقد الأحاديث ، في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي .

فإذا كان منهج المحدثين النقاد من المتقدمين في تصحيح الأحاديث وتحسينها وتعليلها قائمًا على تتبع القرائن والملابسات التي تحيط بها ، لا سيما ما يتفرد به الثقة من الأحاديث ، أو يزيده في الأسانيد أو المتون على غيره من الثقات ، فإن كثيرًا من المتأخرين - وبينهم المعاصرين من تصدوا لمهمة التصحيح والتضعيف - يسلكون فيها مسلكًا سهلًا ، وهو النظر في أحوال الرواة العامة ،والحكم على الحديث حسب مراتبهم في الجرح والتعديل ، فمثلًا ؛ يقولون:"هذا إسناد رجاله ثقات والحديث صحيح"، و"فلان ثقة فحديثه صحيح"،و"فلان صدوق فحديثه حسن ، وقد توبع فارتقى إلى الصحيح"، و"فلان ضعيف فحديثه ضعيف ، لكنه توبع فارتقى إلى الحسن"، و"هذا متروك فحديثه متروك"، و"هذا كذاب فحديثه موضوع".

وكل هذا ( كما ترى ) عمل أشبه ما يكون بالقواعد الرياضية ، لا يحتاج فيه الباحث إلى حفظ ولا معرفة ولا فهم ولا ممارسة ، بل غاية جهده أن ينظر في كتاب ( التقريب ) للحافظ ابن حجر العسقلاني ، ثم يحكم على الحديث حسب مراتب الرواة المبينة فيه . وقد أسفر هذا التباين المنهجي عن تفشي ظاهرة الاعتراض على نقاد الحديث ، في كثير من البحوث الحديثية المعاصرة؛ فيصحح أحد المتأخرين حديثًا ما وقد أعله النقاد ، أو يضعفه وقد صححوه .

ومن تتبع كتاب"الأحاديث المختارة"للإمام المقدسي ، أو تخريجات الإمام السيوطي ، أو تحقيق الشيخ أحمد شاكر لسنن الترمذي أو تحقيقه لمسند الإمام أحمد ، أو كتب الشيخ ناصر الدين الألباني ، أو الرسائل الجامعية المقدمة من طلبة قسم الحديث ، على سبيل المثال ، ثم قارن ما صححه أحدهم في كتابه مع كتاب العلل للإمام الدارقطني ، أو علل الإمام أبي حاتم ، أو سنن الترمذي ، أو كتب النقاد عمومًا مقارنة علمية ؛ يتجلى له هذا التباين المنهجي متجسدًا في جملة من الأحاديث ، ولا أدّعي شمول ذلك كل ما تناوله المتأخرون في كتبهم ، وإنما حديثنا عن القدر الذي يخالف فيه المتأخرون المتقدمين عمومًا ، وعن سر هذا الاختلاف ، وذلك لتوعية الباحثين بضرورة معالجة هذه الظاهرة منهجيًا ، وتسليط الضوء على دقة المتحدثين النقاد الأوائل في نقد الأحاديث والآثار ، وتبيان دقائق منهجهم في ذلك .

ولذلك فإننا نؤكد أن ما يحف بالحديث من القرائن والملابسات لا يحظى باهتمام المتأخرين عند التصحيح والتضعيف ، بينما تكون هذه القرائن والملابسات هي المعول عليها عند نقاد الحديث المتقدمين في الحكم على الحديث ، بغض النظر عن أحوال رواته العامة غير المتروكين ، إذ إن أحوالهم من حيث التوثيق أو التضعيف أوالتهمة بالكذب ، إنما ظهرت من خلال معرفة مروياتهم ، وتميزت مراتبهم في سلم الجرح والتعديل بدقة بالغة في ضوء المقارنة بين نسبة خطئهم وصوابهم فيها ، ولذا فإن الأحوال العامة لرواة الحديث لا تعد معايير للحكم في الحديث ، إلا في حالة واحدة ، وهي أن يخلو الحديث من القرائن التي تدل على أن رواية قد أخطأ فيه ، أو حفظه وأتقن روايته . فعندئذ تبقى للنقاد وسيلة وحيدة في معرفة الصواب والخطأ ، ألا وهي اعتماد أصل هذا الراوي وعادته في الرواية ؛ فإن كان ثقة فالأغلب في روايته الصواب ، وبالتالي يكون حديثه صحيحًا ، وإن كان ضعيفًا فالأصل في حالة أن يكون مخطئًا ، ويكون حديثه ضعيفًا ، وأما إن كان صدوقًا فيكون حديثه حسنًا مع تفاوت مراتبه طبعًا ، ولذا فإن هذه الأحكام لا تفيد في الواقع إلا الظن الغالب لكونها مبنية على الأصل في حال الراوي .

ويمكن أن نعزز هذه الفكرة بما يلي:

قال الحافظ العلائي - بصدد بيان موقف نقاد الحديث من زيادة الثقة -:"كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أن لا يحكم في هذه المسألة - يعني زيادة الثقة - بحكم كلي ، بل عملهم في ذلك دائر على الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في حديث حديث" (1)

يعني بذلك أن منهجهم في قبول زيادة الثقة قائم على تتبع القرائن ودراسة الملابسات التي تحيط بروايتها (2)

وقال الحافظ ابن حجر موجهًا إلى ما تضمنه هذا النص من اعتماد النقاد على القرائن والملابسات لقبول زيادة الثقة:"وهذا العمل الذي حكاه - يعني الحافظ العلائي - عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح ، وأما ما لا يظهر فيه الترجيح فالظاهر أنه ( يعني القبول ) المفروض في أصل المسألة ( أي زيادة الثقة) ، وعلى هذا فيكون في كلام ابن الصلاح إطلاق في موضع التقييد (3) ."

ويمكن أن نستخلص من هذين النصين أن مراعاة الأصل في تصحيح زيادة الثقة وقبولها ليست على الإطلاق ، وإنما في حالة ما إذا لم يظهر للنقاد وجه الترجيح ، ولم يتبين لهم من القرائن ما يدل على صحة الزيادة أو أنها وهم من الثقة .

هذا فيما يتعلق بالنقطتين: تفرد الثقة وزيادته ، وأما النقطة الثالثة ، وهي"تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد"، فعلى النحو الأتي":"

إن الحديث الذي يرويه الضعيف غير المتروك ، أو الحديث المنقطع بجميع أنواعه تتم تقويته بتعدد الروايات عند نقاد الحديث إذا ثبتت صحة هذه الروايات ، أو إذا لم يظهر لهم خطأ فيها ، ففي الحالة الأولى يتقوى الحديث بالمتابعات (4) ويصير صحيحًا دون تمييز بين الثقة والضعيف والصدوق ، وفي الحالة الثانية يكون الحديث حسنًا كذلك ، وأما إذا ظهر الخطأ والوهم فيما ورد من الروايات فلا يعدها النقاد متابعات ولا شواهد تصلح للتقوية ، حتى وإن كان رواتها ثقات ، فإن هذه الروايات عبارة عن أوهام من رواتها ، وتعددها يكون حينئذ وهمًا لا حقيقة ، ويعبرون عن ذلك بقولهم:"تفرد به فلان"، أو"غريب"أو غير ذلك . وهذه الضوابط في تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد لدى أئمة هذا الشأن .

ومن المؤسف أن نرى بعض الباحثين المعاصرين يستدرك على نقاد الحديث فيما ينصون على غرابته من الأحاديث ، ويقول:"قلت: وقد توبع"أو"وجدت له متابعات"، ثم يسردها ،وفي الواقع لم تكن هذه المتابعات اكتشافًا من هذا الباحث ، وإنما أخذها من كتب النقاد أنفسهم الذين أعلوها بالتفرد أو المخالفة . وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن ما فهمه في مسألة تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد لم يكن سليمًا ولا مستقيمًا منهجيًا ، لكون هؤلاء المعاصرين قد اعتمدوا في ذلك على ظاهر ما ورد في كتب المصطلح دون إمعانهم النظر في سياقه ، ولا بحثهم عن أمثلته التطبيقية في كتاب النقاد (5) ، فهم كمستبضع تمر إلى هَجَر .

فعلى منهج النقاد فإن ظواهر الإسناد لا يعول عليها في التصحيح والتضعيف إلا بعد التأكد من انتفاء القرائن والملابسات التي يمكن أن تحيط بذلك الإسناد . ولذا فإن معرفة صحة الحديث وضعفه ومدى قبوله وخطئه تكون متوقفة على الحفظ والفهم والمعرفة سواء في حالة اعتماد القرائن أو في حالة اعتماد الظواهر ؛ فإن القرائن غير محصورة بضوابط معينة ، بل لكل حديث قرينة وملابسات خاصة ، كما صرّح بذلك بعض حفاظ المتأخرين أمثال ابن رجب والعلائي وابن حجر وغيرهم .

وهذا الذي ذكرناه من دقة منه النقاد في التصحيح والتعليل ، هو بعينه سر وجود بعض أحاديث الثقات ، بل أحاديث الأئمة في كتب العلل ، كونها معلولة غير مقبولة ، وسر وجود بعض أحاديث الضعفاء في كتب الصحاح مصححة معتمدة .

قال الحافظ ابن حجر - بصدد بيان موقف نقاد الحديث من زيادة الثقة -:"والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم والنسائي والدارقطني وغيرهم اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة" (6) .

وقال الحافظ ابن رجب:"وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد ، وأن لم يرو الثقات خلافه:"إنه لا يتابع عليه"ويجعلون ذلك علة فيه ، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه (7) ."

ولذلك فإن اعتماد الأصل فيما رواه الثقة أو الضعيف غير المتروك يعد منهجًا علميًا منضبطًا لن يستطيع النهوض به إلا الناقد المتمرس الفطن الذي له إطلاع واسع على واقع الروايات وملابستها وقرائنها .

وأما الرجوع المباشر إلى أحوال الرواة العامة في تصحيح الحديث وتعليله ، دون تتبع الملابسات ، ودراسة القرائن التي تحيط به فعمل استروح إليه كثير من المتأخرين والمعاصرين مع أنهم يحسون عن يقين أن الإحاطة الشاملة بالعلل أو التأكد من انتفائها كانت من خصائص النقاد المتقدمين .

(1) نقله الحافظ ابن حجر في كتابه"النكت على كتاب ابن الصلاح"2/604.

(2) تناولنا هذا الموضوع بشيء من التفصيل في أبحاثنا الجديدة المقدمة لنشرها في مجلة الدراسات التي تصدرها الجامعة الأردنية بعمان.

(3) النكت على مقدمة ابن الصلاح 2/604-605 .

(4) للمتابعات تفاصيل أخرى مهمة بينها أخونا الفاضل الشيخ عبد العزيز بن عثيم ( رحمه الله تعالى رحمة واسعة ) في كتابه"دراسة الأسانيد"لمعالجة ظاهرتي الإفراط والتفريط في تطبيق قاعدة المتابعات والشواهد في بحوث المعاصرين والرسائل الجامعية ، فلتراجع .

(5) سيأتي هذا الموضوع مع بيان الشبه حوله ومعالجتها منهجيًا في مباحث القسم الأول من الكتاب . ( إن شاء الله تعالى ) .

(6) شرح النخبة"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر"، ص 66- 67 ( تحقيق نور الدين عتر ، ط: 2 ، سنة 1414هـ ، مطبعة الصباح ، دمشق ) وانظر أيضًا كتابة"النكت على مقدمة ابن الصلاح"2/692.

(7) شرح العلل ص: 208 ( تحقيق صبحي السامرائي ، ط: 2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت