فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 113

... وليكون هذا الأمر أكثر وضوحًا يحسن بنا أن ننظر ونتأمل في قول الحافظ ابن الصلاح ( رحمه الله تعالي ) في مسألة تقوية الحديث الضعيف ، باعتباره مرجعًا أصيلًا في تقعيدها لدى اللاحقين عمومًا ، وهذا نصه ( رحمه الله ) :

..."ليس كل ضعف يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ، فمنه ضعف يزيله ذلك بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ، ولم يختل ضبطه له ، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ إذا فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر . ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب ، أو كون الحديث شاذًا . ( والله أعلم ) "اهـ (1) .

... وإن كان هذا النص يدلك بظاهره على أن الضابط في تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد هو أن لا تكون هذه المتابعات والشواهد من مرويات المتروكين ، وأن لا يكون فيها شذوذ ، فإن الإمام النووي اختصر النص على النحو الذي يتبلور فيه الشرط الأول دون الثاني ، إذ قال ( رحمه الله تعالى ) :

..."إذا روي الحديث الضعيف من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن ، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسنا ، وكذا إذا كان ضعفه بالإرسال زال بمجيئه من وجه آخر ، وأما الضعف لفسق الراوي فلا يؤثر فيه موافقة غيره" (2)

... ... وكذا اختصره الإمام ابن كثير ، وهذا نصه:

..."قال الشيخ أبو عمرو: لا يلزم من ورد الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنًا ، لأن الضعف يتفاوت فمنه مما لا يزول بالمتابعات - يعني كرواية الكذابين والمتروكين - ومنه ضعف يزول بالمتابعة كما إذا كان راويه سيئ الحفظ ، أو روى الحديث مرسلًا ، فإن المتابعة تنفع حينئذ ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوجه الحسن أو الصحة . والله أعلم" (3) ا هـ

... وقال الطيبي في هذا الخصوص:"وأما الضعيف فلكذب راويه أو فسقه ، لا ينجبر بتعدد طرقه" (4) .

... وقال الزركشي:"والحاصل أن الذي يحتاج إلى مجيئه من غير وجه ما كان راويه في درجة المستور ومن لم تثبت عدالته" (5)

... ونرى في هذه النصوص منهجًا أوسع مما ذكره ابن الصلاح ، إذ لم تكن فيها قاعدة تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد مرتكزة في صياغتها إلا على شرط واحد ، وهو أن لا يكون الحديث من مرويات المتروكين ، دون أن يذكر الشرط الثاني ، وهو أن لا يكون الحديث شاذًا .

... وإن كان الأساس في هذه المسألة لدى كثير من المعاصرين هو ما ذكره النووي وغيره من اللاحقين ، فإن الشرط الثاني الذي نص عليه ابن الصلاح ، وهو أن لا يكون الحديث شاذًا ، يبقى لديهم مجرد مسألة نظرية دون تطبيق .

... ولذلك فإنه من الصعوبة بمكان أن يأتي عملهم في هذا المجال - مجال تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد - وفق منهج النقاد الأوائل ، وبالتالي فما أعله النقاد من الأحاديث ، يكون في نظر المعاصرين صحيحًا لغيره إن كان راوي ذلك الحديث صدوقًا ، أو حسنًا لغيره في حال كون راويه ضعيفًا غير متروك ، وعلى هذا جرى الكثيرون من المتأخرين أيضًا ، لا سيما فقهاؤهم .

... وإن معالجة هذه المسألة - مسألة تقوية الحديث الضعيف بالمتابعات والشواهد - من جذورها ، ثم تأسيسها على منهج النقاد المتقدمين ، مع إزاحة جميع أنواع الشبهات عنها ، أمر لابد منه لكي ندافع عن السنة النبوية كما دافع عنها سلفنا الصالح ، لا سيما نفاد الحديث ؛ ولذلك فإننا نطرح هنا بعض التساؤلات فيما نقلناه عن الإمام ابن الصلاح وغيره آنفًا ، وهي:

هل قصد ابن الصلاح بقوله:"ولا يكون شاذًا"شرطًا أٍساسيًا في تقوية الحديث الضعيف ؟

وما مصدره في ذكر هذا الشرط ؟

أو أنه ذكره فقط اختصارًا لكلام الإمام الترمذي الذي تضمّن ذلك ، دون تقييده بالمعنى الذي آثره ابن الصلاح في مقدمته ؟

ولما أفرد الشاذ بالذكر دون العلة ؟ وهل كان ذلك من أجل التفريق بينهما في مسألة التقوية ؟ أي أنه إذا كان الحديث معلولًا يتقوه به الحديث ويعد متابعًا وشاهدًا له ، حتى ولو كانت كل الأحاديث قد أعلّها النقاد بالتفرد والغرابة أو المخالفة ؟

وماذا يعني ابن الصلاح بالشاذ هنا بالضبط ؛ أهو الذي عرفه في المقدمة أم الذي اشتهر عند المحدثين الحفاظ ؟

... وللإجابة عن هذه التساؤلات ينبغي أن نتأمل فيما شرحه ابن الصلاح ونبحث عن مصدره في ذلك ثم نفسر المصطلح الذي تضمنه ذلك الشرح تفسيرًا منهجيًا يقوم على مراعاة منهج ذلك المصدر .

(1) مقدمة ابن الصلاح ص: 34.

(2) تدريب الراوي 1/176 ( تحقيق عبد الوهاب ، مكتبة الرياض الحديثة ) .

(3) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث ص: 33 .

(4) الخلاصة في أصول الحديث ص: 44 .

(5) النكت 2/400 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت