... وإن كانت زيادة الثقة تشمل السند والمتن ، فمسألة تعارض الوصل والإرسال ، وتعارض الوقف والرفع ، والمزيد في متصل الأسانيد ، وتعارض الزيادة والنقص في المتن ، والشاذ ، والمنكر ، والمعلول ، عمومًا ، تشكل أساسيات في زيادة الثقة .
... وهذه الزيادة إما أن تكون صحيحة أو ضعيفة ، وذلك لأنه إذا تبين للناقد أن الراوي الثقة لم يكن واهمًا حين زاد في الحديث ؛ لوجود قرائن تدل على ذلك ، فيكون ما زاده صحيحًا . وإذا تبين أن الراوي كان واهمًا لكونه قد أدرج في الحديث ما ليس منه بسبب الإختلاط ، أو لنقله بالمعنى ، أو غير ذلك من الأٍسباب فتكون تلك الزيادة معلولة ، وإن شئت سمها شاذة ، أو منكرة (1) ، أو مدرجة ، أو مقلوبة .
... وإذا لم تتوافر فيها تلك القرائن فيبقى الأصل في هذه المسألة هو القبول ، لكونه ثقة قليل الخطأ ، وبذلك يوفق بين نصوص المتقدمين التي يدل ظاهرها على القبول مطلقًا وبين تطبيقاتهم العملية القائمة على مراعاة القرائن فيها ودلالاتها في قبول الزيادة وردها .
... ويمكن أن نبرهن بذلك على أن اعتبار الأصل في حال الرواة الثقات، وجعل ذلك قاعدة في قبول أحاديثهم المتفردة ، أو زياداتهم ، لا ينهض به إلا الناقد المتمرس الفطن الذي له إطلاع واسع على واقع الروايات وملابساتها ، وأما من الباحث العادي الذي لا يعرف نوعية تلك الملابسات والمرجحات ولا طبيعة دلالتها فيعد اعتماد الأصل في جميع أنواع الزيادات التي تقع من الثقة خرقًا ومجازفة خطيرة .
... وإذا كان النقاد قد نصوا في بعض المناسبات على قبول زيادة الثقة أو الأوثق (2) ؛ بحيث يخيل إلى القارئ المستعجل أن موقفهم في ذلك هو القبول المطلق ، فإن عملهم النقدي المتمثل في رد الزيادة مرة وقبولها أخرى بغض النظر عن حال الراوي الثقة أو الأوثق يكون كافيًا للتفسير بأن ذلك ليس حكمًا مطردًا منهم ، وإنما قبلوا فقط بمقتضى القرائن المحيطة بها (3) ، أو بالرجوع إلى الأصل في حال الراوي الثقة الذي زاد في الحديث ، بعد تأكدهم من سلامته من جميع الملابسات الدالة على احتمال الخطأ والوهم أو النسيان . ولذلك يكون قول الإمام أبي عبد الله الحاكم في نوع العلة:"والحجة فيه عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (4) من أحسن ما ينبغي أن يقال في مجال زيادة الثقة .
... وقد أكد ذلك أئمتنا الحفاظ ، يقول الحافظ العلائي:"ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث ، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص . وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات . ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده . والله أعلم" (5) .
... وقال ابن دقيق العيد ( رحمه الله تعالى ) :"من حكى عن أهل الحديث ، أو اكثرهم إنه إذا تعارض رواية مسند ومرسل أو رافع وواقف أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد لم يصب في هذه الإطلاق ؛ فإن ذلك ليس قانونًا مطردًا ، والمراجعة لأحكامهم الجزئية تعرف صواب ما نقول".
... وبما أن فقهاء المتأخرين ينظرون في مسألة زيادة الثقة في نظرة عقلية ، فإنها تكون مقبولة عندهم مطلقًا ، ما لم تعارض مذهبهم ، وعلى منهجهم هذا سار كثير من المعاصرين: من محدثين وفقهاء .
... ولذلك فإذا أعلّ النقاد زيادة زادها ثقة فلا ينبغي التسرع بالتعقيب عليه قائلًا بأن الراوي ثقة وزيادته مقبولة كما هو مقرر في كتب المصطلح ، وذلك لأن النقاد لم يردوها إلا في ضوء القرائن المحيطة بها ، وبالتالي لا يكون من المنطق أن يرد قول النقاد بإطلاق القاعدة (6) .
(1) يلاحظ أن النقاد لم يخصصوا مصطلح (المنكر) بما رواه الضعيف مخالفًا للثقات ، بل أطلقوه فيما لم يكن معروفًا عندهم من الأحاديث ، سواء أكان راوية ثقة أم ضعيفًا ، وإن كان إطلاقهم بذلك فيما رواه الضعيف أكثر .
(2) كما ورد عن الإمام البخاري فيما زاده إسرائيل على شعبة وسفيان:"الزيادة مقبولة ، وإسرائيل ثقة" ( انظر تفصيل ذلك في كتاب شرح العلل 2/368 لابن رجب الحنبلي ، وكتاب الكفاية ص: 409-413 ) ، كما نص على قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قبلت زيادته"1/7 ."
(3) الحافظ ابن حجر ، فتح الباري 9/230 .
(4) الحاكم ، معرفة علوم الحديث ، ص:112 .
(5) نقله الحافظ في النكت 2/712 .
(6) كتبت لمجلة الشريعة بجامعة الكويت بحثًا مستقلًا حول هذا الموضوع ، بعنوان:"زيادة الثقة في كتب المصطلح"، وسينشر قريبًا إن شاء الله تعالى .