فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 113

... ولعل من أكثر العوامل إسهامًا في بقاء مسألة زيادة الثقة بعيدة عن منهج المحدثين النقاد في التنظير والتطبيق عند كثير من المعاصرين ما قد يلمس في مقدمة ابن الصلاح وما بعدها من كتب المصطلح من غياب الوحدة الموضوعية بين زيادة الثقة وبين ما يتصل بها من الأنواع كالشاذ والمنكر والعلة وغيرها ، إذا كانت مطروقة في مواضع متباعدة منها (1) ، دون التركيز على بلورة الصلة فيما بينها ، بحيث يخيل إلى القارئ أنها أنواع مستقلة يتميز كل منها بأبعاده وخصائصه عن الآخر .

... وكذلك ظاهرة التلفيق بين طريقة الفقهاء ، والأصوليين ، وطريقة المحدثين في معالجة هذه المسألة ، كان لها دون كبير في تعقيد أمرها ، وأول كتاب تجده قد انتهج هذا الأسلوب المزدوج هو كتاب ( الكفاية ) للخطيب البغدادي (2) ، ثم أصبح ذلك منهجًا مستقرًا عند اللاحقين ؛ إذ وسعوا في كتبهم سرد آراء أهل الكلام والأصول حول تلك المسألة ، مع ذكر حجج كل منهم ، حتى طغت آرؤاهم فيها على نقاد الحديث .

تفاوت أحكام زيادة الثقة في كتب المصطلح وسببه

... ومن الجدير بالذكر أن مسألة زيادة الثقة قد وردت في مواضع متفرقة من كتب المصطلح ؛ مرة تحت عنوان"زيادة الثقة"، وأخرى ضمن أنواع متعددة ؛ مثل"المعلول"،و"الشاذ"، و"المنكر"،و"تعارض الوصل والإرسال"، و"تعارض الوقف والرفع"،"المدرج"، و"المزيد من متصل الإسناد"، و"المستخرج"، وإذا درسنا هذه الأنواع دراسة مقارنة بناء على أنها تشكل وحدة موضوعية تتمثل في المخالفة والتفرد ، نجد أحكام زيادة الثقة مختلفة بين هذه الأنواع غير متفقة ، ونجملها فيما يلي:

أولًا: أن يدور القبول والرد فيما زاده الثقة على القرائن والملابسات ، فلا تقبل الزيادة ولا ترد إلا بمقتضى القرائن المحيطة بها ، ولا ينهض بذلك إلا نقاد الحديث . وذلك خلاصة حكم زيادة الثقة المذكورة ضمنًا في نوع"العلة".

ثانيًا: أن يكون حال الراوي ميزانًا للقبول والرد ؛ فإن كان راوي الزيادة أوثق وأحفظ فهي مقبولة وإلا فمردودة ، وهو خلاصة حكم زيادة الثقة المبينة ضمنًا في نوعي"الشاذ"و"المنكر".

... ثالثًا: أن يكون معيار الرد هو منافاة الزيادة لما رواه الناس ، فلا ترد إلا في حالة منافاتها لما رواه الناس ،وأما في غير ذلك فالزيادة مترددة بين القبول والرد ، وهو ما خلص إليه حكم الزيادة صراحة في نوع"زيادة الثقة".

... رابعًا: أن يكون حال الراوي ميزانًا لقبول ما زاده ؛ فإن كان ثقة يقبل مطلقًا ، وإن كان ضعيفًا يرد مطلقًا ، وهو خلاصة حكم زيادة في مبحثي"تعارض الوصل والإرسال"، و"تعارض الوقف والرفع"،وكذا في"المستخرج".

... خامسًا: أن ترد زيادة الثقة إذا تبين أنها مدرجة من خلال الدلائل التي فصلها ابن الصلاح في مقدمته ، وهذا حكم زيادة الثقة ، المذكور ضمن نوع"المدرج".

... وهكذا وقع حكم زيادة الثقة غير منضبط بقواعد النقد المتبعة لدى المحدثين المتقدمين ،وعلى صور مختلفة تكاد تكون قريبة من منهج علماء الكلام والأًصول ، ومع ذلك فلا يصفو كثير منها من كدر الإشكال عند التنظير ،والاضطراب عند التطبيق .

... هذا وقد نصّ الحافظ ابن حجر على أن في زيادة الثقة ما هو مقبول وما هو مردود تبعًا للقرائن المحيطة بها ، وقد يكون من القرائن ما يدل على أن الزيادة مدرجة في الحديث ، وأنها كانت من قول فلان ، أو من حديث آخر. يقول الحافظ في صدد قبول الزيادة وردها ضمن دفاعه مجملًا عن الإمام البخاري ، حيث انتقده الإمام الدارقطني في ذلك:

..."ما تفرّد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها ، فهذا لا يؤثر التعليل به ، إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع ، أما إن كانت الزيادة لا منافاة فيها بحيث تكون كالحديث المستقبل فلا ، اللهم إلا أن وضح بالدلائل القوية أن تلك الزيادة مدرجة في المتن من كلام بعض رواته فما كان من هذا القسم فهو مؤثر كما في الحديث الرابع والثلاثين" (3) ، وعليه فهذا النوع من الزيادات يكون مردودًا لثبوت إدراج تلك الزيادة في الحديث ، يعنى أن ما أدرجه الثقة لا يكون من لفظ الحديث وغير مقبول جعله جزءًا منه .

(1) ولا أعنى بذلك إلصاق تهمة التقصير بعلمائنا الصالحين ؛ فإني أحس عن يقين بوجود أهداف تعليمية وتربوية وراء اختيارهم لهذا الأسلوب في كتب المصطلح ، ومن أهمها تسهيل بحث أنواع علوم الحديث، وتيسير حفظ مصطلحاتها للطلبة المبتدئين .

(2) انظر الكفاية ص: 424- 429 .

(3) الحافظ ابن حجر ، مقدمة فتح الباري ، الفصل الثامن ، القسم الثالث ص: 507 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت