... والجدير بالذكر في هذه المناسبة هو أن المظاهر العلمية التي عمت مرحلة ما بعد الرواية أخذت شكلًا أخر عندما بالغ الأغلبية من طلبة العلم في حرصهم على جمع الإجازات وأسانيد الكتب ، وانشغالهم بتنويع الأساليب في تأليف تلك الإجازات والسماعات .
قال الحافظ الذهبي:"ليس طلب الحديث اليوم على الوضع المتعارف عليه عند من حَيَّز طلب العلم ، بل اصطلاح وطلب أسانيد عالية وأخذ من شيخ لا يعي ، وتسميع لطفل يلعب ولا يفهم ، أو لرضيع يبكي ، أو لفقيه يتحدث مع حدث أو آخر ينسخ ، وفاضلهم مشغول عن الحديث بكتابة الأسماء أو بالنعاس ، والقارئ إن كانت له مشاركة فليس عنده من الفضيلة أكثر من قراءة ما في الجزء سواء تصحف عليه الاسم واختلط المتن ، أو كان من الموضوعات ، فالعلم عن هؤلاء بمعزل والعمل لا أكاد أراه بل أرى أمورًا سيئة ، نسأل الله العفو" (1) .
وقال الذهبي أيضًا - في صدد تعقيبه على قول الحاكم إن إسحاق وابن المبارك ومحمد بن يحيى دفنوا كتبهم - قال:"هذا فعله عدة من الأئمة ، وهو دال على أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف فيغير المعنى ونحو ذلك ، وأما اليوم فقد اتسع الخرق وقلّ تحصيل العلم من أفواه الرجال بل ومن الكتب غير المغلوطة وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى" (2) .
وقال السخاوي:"وعلو الصفة عند أئمة الحديث بالأندلس أرجح من علو المسافة خلافًا للمشارقة ، يعني المتأخرين ، ولأجل هذا قال العماد ابن كثير: إنه نوع قليل الجدوى بالنسبة إلى باقي الفنون ،ونحوه قول شيخنا: وقد عظمت رغبة المتأخرين فيه حتى غلب ذلك على كثير منهم بحيث أهملوا الاشتغال بما هو أهم منه"،ثم نقل عن ابن دقيق العيد قوله:"وقد عظمت رغبة المتأخرين في طلب العلو ، حتى العلم كان سببًا لخلل كثير في الصنعة ، ولم يكن فيه إلا الإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه إلى من أجلس صغيرًا ، لا تمييز له ولا ضبط ولا فهم ، طلبًا للعلوّ وتقدم السماع" (3) .
... إضافة إلى عامل أخر يعد أقوى تأثيرًا في مجال التكوين ، وهو انتشار علم المنطق والفلسفة بين المتأخرين ، ولهذا قال السخاوي:"لعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة ، فإنه ليس من أهلها ، ولذا كان الجهل بالعلوم ومراتبها والحق والباطل منها أحد الأوجه الخمسة التي تدخل الآفة منها في ذلك ، كما ذكره ابن دقيق العيد ، وقال: إنه محتاج إليه في المتأخرين أكثر لأن الناس انتشرت بينهم أنواع من العلوم المتقدمة والمتأخرة حتى علم الأوال …"إلى أن قال:"والمتقدمون قد استراحوا من هذا لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم" (4)
... وفي أثناء هذا التحليل التاريخي لعصري الرواية وما بعدها كنا نلحظ بجلاء أن مرحلة ما بعد الرواية شهدت ظاهرة جديدة فرضت على أصحابها أن يعتنوا بأسانيد الكتب وروايتها ، بناء على أن الأحاديث قد استوعبتها تلك الكتب واستقرت في بطونها ، ولم تعد الأسانيد والرواية المباشرة تلعب دورها في نقل الأحاديث والدفاع عنها كما في المرحلة الأولى ، وصارت في عصر المتأخرين كما وصف ابن الصلاح (رحمه الله ) بقوله:
..."أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينا من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في روايتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم وكان عليه من تقدم ، ووجه ذلك ما قدمنا في أول كتابنا هذا مع كون المقصود آل آخرًا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد ، والمحاذرة من انقطاع سلسلتها ، فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق والسخف ، وفي ضبطه لوجود سماعه مثبتًا بخط غير متهم ، وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه ، وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله" (5) . ثم نقل ( رحمه الله تعالى ) عنه قوله:
..."توسع من توسع في السماع من بعض محدث زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم ، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم ، ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحّت ، أو وقفت بين الصحة والسقم ، قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم ، وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها ، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته ، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره ، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلًا بحدثنا وأخبرنا ، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم والله أعلم . (6) "
... ويدل هذا النص على أن مظاهر الإهمال والتساهل فيما يخص الأسانيد والرواية المباشرة أخذت تظهر في أواخر مرحلة الرواية .
... وقد شرحنا في المقدمة أن العصور كلما تقدمت فإن أساليب الحياة ، ونظم التعليم ، وطبيعة التكوين العقلي للإنسان ، كل ذلك يشهد تطورًا وتحولًا حسب نوعية العوامل والبواعث المتوفرة ، ومع ذلك فإن اللاحقين لم يستغنوا عن تجارب السابقين ، فاستمدوا منها ما يعين على نهوضهم بما تفرضه المتغيرات في جميع مجالات الحياة ، وبالتالي فإن أساليب المواجهة لتحديات العصور لا تظل على نمط واحد ، بل تتطور تلقائيًا وفق مقتضياتها ، كما أن الانشغالات العلمية تتبدل بقدر خطورتها . وهذه سنة من سُنن الله تعالى في الكون .
(1) الحافظ الذهبي ، سير أعلام النبلاء 7/167 - ترجمة مسعر بن كدام - .
(2) المصدر السابق 11/377 .
(3) فتح المغيث 3/18-19 .
(4) المصدر السابق وفي 3/327 .
(5) مقدمة ابن الصلاح ص: 120 ( تحقيق نور الدين عتر ، ط: 3 سنة 1418هـ ) .
(6) نقله ابن الصلاح في مقدمته ص: 121 .