فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 113

لقد بذل المحدثون في المرحلتين جميعًا جهودًا مضنية لصيانة السنة وحفظها طبقًا لمتطلبات ظروف كل منهما ، فصارت عناية المحدثين في المرحلة الأولى منصبة على نقلة الأخبار ورواتها ، والبحث عن أحوالهم والتفتيش في مروياتهم ومن ثم أصبحت السنة محل دفاعهم المباشر ، ويكون عملهم التطبيقي في ذلك هو المصدر الأصيل لاستخلاص قواعد نقد الأحاديث ورواتها كما أشرنا إليه سابقًا.

وأما في المرحلة الثانية فقد تحول اهتمام الأئمة إلى حماية الكتب والدواوين من وقوع تحريف وانتحال فيها ، حتى تصل تلك الكتب والدواوين إلى الأجيال اللاحقة سليمة ومحفوظة وموثقة ، حتى صار جهدهم في ذلك مرجعًا أساسيًا لقوانين تحقيق التراث والمخطوطات ، ولولا تلك الجهود والعناية لنقلت مصادر السنة إلينا مصحفة ومحرفة وغير موثقة ، وليس ذلك إلا مظهرًا من مظاهر العناية الربانية بهذا الدين الحنيف .

وبما أن الأعراف العلمية في تلقي الأحاديث وتعلم العلم قد تطورت من عصر إلى عصر ، فإن طبيعة التكوين العلمي ، ونوعية التفكير والإنشغال لدى الأئمة السابقين تتفاوت تلقائيًا بحسب الظروف العلمية التي كانوا يحتكون بها ، كما تجلى ذلك في كتبهم ونصوصهم .

وتبلورت في غضون هذا المبحث العوامل التاريخية التي أدت إلى وقوع تباين منهجي بين المتأخرين الذين عاشوا في مرحلة ما بعد الرواية ، وبين حفاظ مرحلة الرواية ، لا سيما نقاد الحديث ، مما يلفت انتباهنا إلى أهمية التمييز بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي ، كما يدعو إلى ضرورة الاحتكام عند تأويل النصوص وفهم المصطلحات إلى منهج قائلها ، والله تعالى أجل وأعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت