فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 113

... وفي الواقع أن الإمام الطبراني لن يكون مسؤولًا عن الغرائب التي أغرب فيها من جاء بعده من الرواة وهمًا ، إذ لا يمكن له الإطلاع على ذلك ، وبالتالي يكون من العبث بالتراث ومنهج النقاد في التصحيح والتضعيف أن يعترض أحدنا على ما نصّ عليه أحد النقاد من الغرابة بحجة أنه ورد في كتاب أحد المحدثين اللاحقين بإسناد آخر (1) . ولو ذكر صاحبنا المحقق حديثًا أو سندًا من كتب المتقدمين من معاصري الإمام الطبراني مثلًا ، مما يكون متابعًا لسنده لكان الباحث رجلًا منهجيًا .

... وذلك لأن الرواية في العصور المتأخرة لم تعد معتمدة ، وإنما كان اعتماد المحدثين فيها من أصحاب الروايات على ما رواه المتقدمون . ولهذا فإن كثيرًا من المحدثين في أواخر مرحلة الرواية ، كالبيهقي والبغوي والحازمي وغيرهم من المحدثين في مرحلة ما بعد الرواية التي انقطعت فيها ظاهرة الرواية كانوا يولون بالغ العناية في عزو ما رووه من الأحاديث إلى من رواه من المتقدمين . يقول الإمام البيهقي في هذا الصدد:

..."توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حديثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن يكون القراءة عليهم من أصل سماعهم ، ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحّت أو وقفت بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها قال فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلًا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم . والله أعلم" (2) ، وأكد ذلك الإمام ابن الصلاح في مقدمته (3) ، وهذا معنى قول الحاكم أيضًا"فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ومذاكرة أهل المعرفة لتظهر علته" (4) .

... ولذلك لا ينبغي لأمثالنا التسرع إلى الاعتراض على نقاد الحديث في حكمهم على حديث ما بأنه"غريب"أو"تفرد به فلان"، أو"لا يعرف إلا بهذا الإسناد تفرد به فلان"، أو غير ذلك مما يفيد الغرابة أو الضعف ، بما يروى في كتب الفوائد أو الغرائب أو الكتب التي ظهرت في أواخر مرحلة الرواية ، بحجة أنه يفوت على كبار المحدثين من الطرق والروايات ما قد حفظه الآخرون . نعم قد يفوت على بعضهم ما عند الآخرين ، وأما أن يفوت حديث على المحدثين المتقدمين جميعًا ثم يحفظه بعض المتأخرين فلا (5) . ومعلوم بدهيًا أن اللاحقين عالة على السابقين في مجال الروايات ،والحديث إنما يصل إلى اللاحق عن طريق السابق .

... ولهذا قال الحاكم حين روى ذلك الحديث الذي رواه الطبراني بطريق آخر:"هذا حديث عال غريب الإسناد والمتن". فهذا الحديث الذي رواه الحاكم ثم البيهقي لا يرد غرابة رواية صالح مرفوعًا .

... وفي ضوء ذلك فقول المحقق ( جزاه الله تعالى خيرًا ) إن رواية البيهقي تؤكد أن صالحًا لم ينفرد به ، بل تابعه غير واحد عند البيهقي قول غير منهجي .

(1) هذا من الأخطاء الشائعة بين كثير من المتأخرين والمعاصرين ، ولي بحث حول هذا الموضوع بعنوان: مسألة التفرد وأبعادها النقدية.

وأذكر هنا مثالًا واحدًا لتلك الأخطاء على وجه السرعة ، قال الإمام الترمذي: حدثنا قتيبة حدثنا أبن لهيعة عن يزيد بن عمرو عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن المستورد بن شداد الفهري قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره .

ثم قال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة".

(كتاب الطهارة ، باب تخليل الأصابع 1/57 -58 ) .

وقال الشيخ أحمد شاكر:"الحديث رواه أحمد (4/229) بثلاثة أسانيد ، وأبو داود (1/57 ) ، وابن ماجه (1/87) كلهم من طريق ابن لهيعة ، وقد صرح الترمذي بانفراده به ، ولكنه ليس كذلك ، فقد قال الحافظ في التلخيص ( ص: 34) "تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث ، أخرجه البيهقي وأبو بشر الدولابي والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة ( يعني الليث وعمرو بن مالك ) وصححه ابن القطان"."

ومن عنده ممارسة نقدية يعرف بسهولة أن هذه الروايات متأخرة ، لم تكن معروفة لدى السابقين ،ولو كان هذا الحديث عند هؤلاء الأئمة لكان أسرع انتشارًا ، وأفضل إسنادًا ، وأولى رواية من حديث ابن لهيعة لكونه ضعيفًا ،و الإمام الترمذي ليس مسئولًا إلا بنقد ما هو متدوال فيما بين معاصريه من الإنفراد المثير للشكوك ، وأما الذي وقع بعد عصره من الأوهام فلن يكون محل نقده طبعًا .

(2) نقله ابن الصلاح في مقدمته ص 120 .

(3) المصدر السابق .

(4) الحاكم النيسابوري ، معرفة علوم الحديث ص: 59-60 .

(5) وبعد كتابة هذا المبحث وقفت على كتاب"تنبيه الهاجد"وقرأت فيه بعض الأمثلة فوجدت معظمها على النمط الذي ذكره ، غير أني أريد قراءته مرة أخرى ، لأبدي دقة النقاد في كلامهم:"تفرد به فلان"أو"هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"أو نحوهما ، ومنهجهم في ذلك ، ولا أعني أنهم لا يفوتهم شيء من الأحاديث ، وذلك لأني لاحظت في أثناء تتبعي لنصوصهم وملابساتها أن لهم مقصدًا آخر في قولهم"تفرد به فلان"مع كونه مرويًا في كتب معاصريه ، أو زملائه ، وهو بيان الخطأ والوهم في ذلك الحديث ، وليس مجرد بيان التفرد وأنه لم يروه إلا ذلك الراوي ، وإن كان هذا هو المتبادر إلى الأذهان من ظاهر هذا النص ؛ فإن لغة النقاد تتوقف معرفتها على دراسة منهجهم وأساليبهم وخلفياتهم العلمية . والله المستعان .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت