... ولعل أول موضع من كتب المصطلح يشد انتباه القراء إلى ضرورة التفريق بين المناهج المختلفة في قسمي علوم الحديث: النظري والتطبيقي هو مبحث الصحيح .
... فقد قال ابن الصلاح:"الصحيح ما اتصل سنده بالعدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة". ثم أشار إلى أن هذا التعريف على منهج أهل الحديث حين قال:"فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث" (1) . وتبعه في ذلك كل من صنف في مصطلح الحديث عمومًا، متفقين على أن هذا التعريف إنما هو على منهج المحدثين دون غيرهم من الفقهاء وعلماء الأصول .
... وذلك لأن الفقهاء وعلماء الأصول لم يشترطوا في الصحيح أن يكون الحديث خاليًا من أسباب الشذوذ والعلة المتفق عليها عند المحدثين .
... ويتجلى ذلك بوضوح في مسألة زيادة الثقة ،ومسألة ما يتفرّد به الثقة من الأحاديث ، ومسألة تعارض الوصل والإرسال ،وتعارض الوقف والرفع ، ومسألتي الشاذ والمنكر ؛ إذ كان موقف الفقهاء وعلماء الأصول تجاه هذه المسائل هو قبول ما يرده نقاد الحديث .
... ولهذا قال ابن دقيق العيد: ومداره ( يعني الصحيح ) بمقتضى أصول الفقهاء والأصوليين على صفة عدالة الراوي في الأفعال مع التيقظ ، العدالة المشترطة في قبول الشهادة ، على ما قرر في الفقه ، فمن لم يقبل المرسل منهم زاد في ذلك أن يكون مسندًا ، وزاد أصحاب الحديث أن لا يكون شاذًا ولا معللًا ، وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى مذهب الفقهاء ، فإن كثيرًا من العلل التي يعلل بها المحدثون الحديث لا تجري على أصول الفقهاء (2) .
... وقال أيضًا في شرح الإلمام:"إن لكل من أئمة الفقه والحديث طريقًا غير طريق الآخر ، فإن الذي تقتضيه قواعد الأصول والفقه أن العمدة في تصحيح الحديث عدالة الراوي وجزمه بالراوية ، ونظرهم يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه ، فمتى حصل ذلك وجاز ألا يكون غلطًا وأمكن الجمع بين روايته ورواية من خالفه بوجه من الوجوه الجائزة لم يترك حديثه . فأما أهل الحديث فإنهم قد يروون الحديث من رواية الثقات العدول ثم تقوم لهم علل تمنعهم عن الحكم بصحته"وقال الصنعاني معقبًا عليه:"وهو صريح في إختلاف الاصطلاحين في مسمى الصحيح من الحديث كما قررناه" (3)
... وقال أبو الحسن بن الحصار الأندلسي (611هـ ) :"إن للمحدثين أغراضًا في طريقهم احتاطوا فيها وبالغوا في الاحتياط ، ولا يلزم الفقهاء اتباعهم على ذلك ، كتعليلهم الحديث المرفوع بأنه روي موقوفًا أو مرسلًا ،وكطعنهم في الراوي إذا انفرد بالحديث أو بزيادة فيه أو مخالفته من هو أعدل منه ، أو أحفظ ، وقد يعلم الفقيه صحة الحديث بموافقة الأصول ، أو آية من كتاب الله تعالى ، فيحمله ذلك على قبول الحديث ، والعمل به ، واعتقاد صحته ، وإذا لم يكن في سنده كذاب فلا بأس بإطلاق القول بصحته إذا وافق كتاب الله تعالى وسائر أصول الشريعة" (4)
... وإن كان في قول أبي الحسن الأندلسي بعض المؤاخذات العلمية التي سأبديها قريبًا فإن هذه النصوص أفادتنا عمومًا بضرورة التفريق بين الفقهاء وعلماء الأصول وبين نقاد الحديث في تنظير قواعد التصحيح والتضعيف وتطبيقاتها ، لئلا تكون المفاهيم حولها ملفقة بين مناهجهم المختلفة ، ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد ، دون غيرهم ، ويجب التسليم لهم في ذلك ، ولذا قال الحافظ ابن حجر:"يتبين عظم موقع كلام المتقدمين ، وشدة فحصهم ،وقوة بحثهم ،وصحة نظرهم ، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك ، والتسليم لهم فيه" (5) .
... وقال أيضًا:"فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه" (6)
... وقال ابن كثير:"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن ( أي في جرح الرواة ) فينبغي أن يؤخذ مسلمًا من غير ذكر أسباب ، وذلك للعلم بمعرفتهم ، وإطلاعهم ، في هذا الشأن ، واتصفوا بالإنصاف والديانة ، والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكًا أو كذابًا ، أو نحو ذلك ، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم ، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم" (7) .
... وقال السخاوي: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح اهـ (8)
... وهذا الإمام السبكي يسجل لنا ما صدر من الإمام الجويني - وهو أحد أئمة علم الكلام والأصول - من بالغ التقدير والاحترام لمنهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف ،وذلك بعد أن أدرك خطأه في طريقة تصحيحه للأحاديث ، والإحتجاج بها ، وهذا نصه:
..."كان الشيخ أبو محمد قد شرع في كتاب سماه ( المحيط ) عزم فيه على عدم التقيد بالمذهب ، وأنه يقف على مورد الأحاديث لا يعدوها ،ويتجنب جانب العصبية للمذاهب فوقع إلى الحافظ أبي بكر البيهقي منه ثلاثة أجزاء ، فانتقد عليه أوهامًا حديثيه ، ويبين أن الآخذ بالحديث الواقف عنده هو الشافعي ، رضي الله عنه ،وأن رغبته عن الأحاديث التي أوردها الشيخ أبو محمد إنما هي لعلل فيها ، يعرفها من يتقن صناعة المحدثين".
..."فلما وصلت الرسالة إلى الشيخ أبي محمد قال: هذه بركة العلم ، ودعا للبيهقي ، وترك إتمام التصنيف ، فرضي الله عنهما ، لم يكن قصدهما غير الحق والنصيحة للمسلمين ، وقد حصل عند البيهقي مما فعله الشيخ أبو محمد أمر عظيم ، كما يظهر من كلامه في هذه الرسالة" (9) . ا هـ .
... ومن المفيد أن ننقل هنا بعض ما ورد عن البيهقي في رسالته المذكورة ، يقول:
..."وكنت أسمع رغبة الشيخ رضي الله عنه في سماعه الحديث والنظر في كتب أهله ، فأشكر إليه ،وأشكر الله تعالى عليه ، وأقول في نفسي ، ثم فيما بين الناس: قد جاء الله عز وجل بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء ، ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم ، من جملة العلماء ، وأرجو من الله أن يحيي سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار ، حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار بعد من مضى من الأئمة الكبار الذين جمعوا بين نوعي علمي الفقه والأخبار ، ثم لم يرضَ بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل العالم به بالوقوع فيه ، والإزراء به والضحك منه ، وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله ، ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله ، ثم يدع في كيفية قبول الحديث ورده طريقته ،ولا يسلك فيها سيرته ؛ لقلة معرفته بما عرف ، وكثرة غفلته عما عليه وقف ، هل نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره ، واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره ! فنرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبًا على كل من انتصب للفتيا ، فإما أن يجتهد في تعلمه ، أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه ، ولا يجمع عليه وزران ، حيث فاته الأجران ، والله المستعان، وعليه التكلان".
..."ثم إن بعض أصحاب الشيخ - أدام الله عزه - وقع إلى هذه الناحية ، فعرض علي أجزاء ثلاثة مما أملاه من كتابه المسمى (بالمحيط ) فسررت به ورجوت أن يكون الأمر فيما يورده من الأخبار على طريقة من مضى من الأئمة الكبار ، لائقًا بما خصّ به من علم الأصل والفرع ، موافقًا لما ميز به من فضل العلم والورع" (10)
... والذي يبدو من مضمون الرسالة المشار آنفًا أن معاصري الإمام البيهقي من فقهاء الشافعي سلكوا في قبول الأحاديث والاحتجاج بها مسلكًا يناهض منهج إمامهم الشافعي وغيره من المتقدمين من أصحاب الحديث والأثر ، وعلى الرغم من دفاع الإمام البيهقي عن المحدثين النقاد ومنهجهم في التصحيح والتضعيف ،وقبول الإمام الجويني ذلك منه بحفاوة ورحب صدر ، فإن اللاحقين من الفقهاء استمروا في تساهلهم في تصحيح الأخبار وقبولها والاحتجاج بها .
... ويتجلى ذلك بوضوح بما قال ابن الجوزي:"فرأيت أن إسعاف الطالب للعلم بمطلوبه يتعين خصوصًا عند قلة الطلاب ، لا سيما لعلم النقل ، فإن أعرض عنه بالكلية حتى إن جماعة من الفقهاء يبنون على العلوم الموضوعة" (11) . يعني: أنهم يستدلون بالأحاديث الموضوعة ،والله أعلم .
... وقال في موضع آخر:"رأيت بضاعة أكثر الفقهاء في الحديث مزجاة ، يعول أكثرهم على أحاديث لا تصح ويعرض عن الصحاح ، ويقلد بعضهم بعضًا فيما ينقل" (12) .
... وقال الإمام النووي"وأما فعل كثيرين من الفقهاء أو أكثرهم ذلك واعتمادهم عليه ( يعني ما رواه الضعفاء ) فليس بصواب بل قبيح جدًا ، وذلك لأنه إن كان يعرف ضعفه لم يحل له أن يحتج به ، فإنهم متفقون على أنه لا يحتج بالضعيف في الأحكام ، وإن كان لا يعرف ضعفه لم يحل له أن يهجم على الإحتجاج به من غير بحث عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا ، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن عارفًا . والله أعلم" (13)
(1) م الحديث ، المشهور بـ ( مقدمة ابن الصلاح ) ص: 11-13 ( تحقيق نور الدين عتر ، ط: 3 ، سنة 1418هـ) .
(2) قتراح في بيان الاصطلاح ص: 186 ( تحقيق عارم حسن صبري ، ط: ا ، سنة 1417هـ ، دار البشائر الإسلامية ،بيروت )
(3) توضيح الأفكار 1/23 .
(4) نقله الحافظ في كتاب النكت على ابن الصلاح 2/128 - 131 ، ( مناهج المحدثين ص: 25 ) .
(5) النكت على كتاب ابن الصلاح 2/726 .
(6) النكت 2/711 . انظر اختصار علوم الحديث ص: 64 .
(7) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث: 79 .
(8) فتح المغيث 1/237 ، وتوضيح الأفكار 1/344 ، والنكت 2/ 604 -605 .
(9) طبقات الشافعية الكبرى 5/76-77 للإمام السبكي ( تحقيق محمود محمد الطناحي ، ط: ا ، سنة 1967 م ) .
(10) طبقات الشافعية الكبرى ، ص: 81-82 .
(11) الموضوعات 1/3 .
(12) التحقيق في اختلاف الحديث 1/3 .
(13) شرح النووي لصحيح مسلم 1/126 .