... إذا نظرنا في المراحل الزمنية التي مرت عليها السنة النبوية ، وقمنا بتحليل ما يميز بعضها عن بعض من أساليب التعلم والتعليم ، وطبيعة الحركات العلمية العامة ، نجد أنها تنقسم إلى مرحلتين متميزتين يكاد كل واحد منهما يستأثر بخصائص منهجية وسمات علمية ، على الرغم من أن اللاحقة منهما ما هي إلا امتداد للسابقة .
المرحلة الأولى:
... أما المرحلة الأولى فيمكن تسميتها بمرحلة الرواية ، وأبرز خصائصها كون الأحاديث لا تتلقى من الشيوخ ، ولا تتداول بين المحدثين إلا بواسطة الأسانيد ، والرواية المباشرة المتمثلة في قولهم"حدثني فلان عن فلان"إلى أن يذكروا الحديث أو الأثر . ويشهد لذلك طبيعة كتب الحديث التي ظهرت في هذه المرحلة .
... فأذكر على سبيل المثال كتاب"المسند"للإمام أحمد بن حنبل ، أو كتاب"التفسير"للإمام الطبري ، وهما نموذجان لكتب المرحلة الأولى ، عمدتها في نقل الأحاديث هي الأسانيد والرواية المباشرة الفردية ، ولذلك كان الإمام أحمد يقول في كل حديث يسوقه فيه"حدثنا فلان عن فلان .."إلى آخر الإسناد ، وكذا الإمام الطبري في تفسيره .
... وهذه المرحلة ممتدة من عصر الصحابة إلى نهاية القرن الخامس الهجري على وجه التقريب لا على وجه التحديد ،وقد سبق عن عدد من المتأخرين ما يدل على ذلك .
... فالإسناد في هذه المرحلة يشكل العمود الفقري ، عليه يتم الإعتماد في تلقي الأحاديث ونقلها ، ومن هنا صار الإسناد وثيقة علمية يتجلى بها مدى صدق راوي الحديث أو كذبه ، وضبطه أو خطئه ونسيانه . وبالرواية المباشرة في تداول الأحاديث والآثار فيما بينهم قد حفظوا السنة النبوية ، وليس بالتدوين الذي قد يلجأ إليه بعض أفراد الصحابة أو كثير من الرواة بعدهم لحفظ ما سمعوا من شيوخهم من الأحاديث وضبطها إذا اقتضت حالة ذاكرتهم ذلك .
... ومن هنا يظهر جليًا معنى نصوص أئمتنا المتقدمين فيما يخص الإسناد: قال عبد الله بن المبارك:"الإسناد عندي من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" (1) وفي رواية أخرى زيادة كلمة:"فإذا قيل له: من حدثك ؟بقي" (2) .يعني بقي ساكنًا .
... وقال سفيان الثوري:"الإسناد سلاح المؤمن إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل" (3)
... ولم يقولوا:"التدوين من الدين ولولا التدوين لقال من شاء ما شاء"، أو"التدوين سلاح المؤمن".
... وعليه فالذي كان يمنع أن يقول من شاء ما شاء في الحديث مرحلة الرواية هو الإسناد وليس التدوين ، وهذا لا يعني أن التدوين لم يكن له دور في حفظ السنة ، لكن دوره يتمثل فيما يلي:
... إن التدوين إنما لجأ إليه بعض أفراد الصحابة وآحاد الرواة حسب قوة ذاكرتهم لحفظ مروياتهم الخاصة سواء أكانت صحيحة أم خطأ ؛ فإن الكتب التي ظهرت في مرحلة الرواية على اختلاف أشكالها أوضح دليل على ما سبق بيانه ،ولا يوجد فيها كتاب يستوعب السنة جميعها من حيث أنها سنة صحيحة ثابتة ، وإنما الذي تمّ تدوينه هو الأحاديث التي تلقاها الراوي من شيوخه ، لكن بعض النقاد قام بتمحيص ما صحّ منها من غير استيعاب ، أمثال الإمام البخاري ومسلم ، إذن فالذي تم تدوينه من السنة إنما هو مسموعاته الخاصة ، ولم يكن ذلك على استيعاب جميع ما ورد في كتب المحدثين من السنة .
المرحلة الثانية:
... وأما المرحلة الثانية فيمكن تسميتها بمرحلة متا بعد الرواية ، وفي هذه المرحلة آلت ظاهرة الإسناد والرواية المباشرة إلى التلاشي لتبرز مكانها ظاهرة الاعتماد على الكتب ، وذلك بعد أن أخذت الأحاديث والآثار كلها تستقر في بطونها ، حتى أصبح الإسناد والرواية المباشرة في هذه المرحلة أمرًا نادرًا يلفت الإنتباه ، وجل الكتب التي ظهرت في هذه المرحلة إنما تنقل الأحاديث بالاعتماد على الكتب السابقة .
... وعلى سبيل المثال كتاب الترغيب والترهيب للإمام المنذري أو تفسير الإمام ابن كثير ، فإن عمدتها في نقل الأحاديث هي الكتب والمدونات التي ظهرت في مرحلة الرواية ، ولذلك ترى الإمام المنذري في كتابه الترغيب والترهيب يقول بعد سرد الحديث:"رواه البخاري"ونحوه ، كما يقول الإمام ابن كثير في تفسيره:"قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا فلان عن فلان".
... وعلى هذا الفاصل المنهجي اعتمد الإمام ابن الملقن في التفريق بين المتقدمين والمتأخرين حين قال ( رحمه الله تعالى ) :
..."هذا كله كان على رأي السلف الأول ، يذكرون الأحاديث بالأسانيد في هذه التصانيف إذا عليه المعول ، وأما المتأخرون فاقتصروا على إيراد الأحاديث في تصانيفهم بدون الإسناد ، مقتصرين على العزو إلى الأئمة الأول إلا أفرادًا من ذلك وآحادًا: كأحكام عبد الحق الكبرى والصغرى والوسطى" (4) .
... ... ثم قال:"وأنبه - مع ذلك - على ما أظهر الله على يدي مما وقع للمتقدمين والمتأخرين من وهم أو غلط أو اعتراض ، أو استدراك قاصدًا بذلك النصيحة للمسلمين ، حاشا الظهور أو التنقيص ، معاذ الله من ذلك فهل الفضل إلا للمتقدم" (5) .
... وإذا كانت المراحل الزمنية التي مرت عليها السنة النبوية تنقسم إلى قسمين من حيث الخصائص المنهجية والأعراف العلمية فإن طبيعة التكوين العلمي لعلمائهما ونوعية انشغالاتهم في حفظ السنة ، لا تكون إلا وفق مقتضيات تلك الأعراف والخصائص .
... ففي مرحلة الرواية توجه الأئمة نحو تنقية الأحاديث عن طريق نقد الأحاديث وأسانيدها وجرح رواتها وتعديلهم ، إذ يقوم تكوينهم العلمي أساسًا على الرواية المباشرة وتداول الأسانيد ، حتى تمخض ذلك عن منهج علمي فريد في نقد المرويات من الأحاديث والآثار ، بل في نقد كل ما ينقل عن السابقين من التفسير والتاريخ والفقه وغيره من العلوم .
... وأما في المرحلة الثانية فاجتهد أئمتنا من أهل الحديث وأهل الفقه والأصول في حفظ الكتب والمدونات وهي بعيدة عن جميع احتمالات التصحيف والتحريف والانتحال ؛ لأن هذه الكتب والمدونات التي استقرت فيها الأحاديث صارت هي المعتمدة في النقل والرواية ، وأخذت تقوم في ذلك بدور الرواة ، وبذلك أصبحت تلك الكتب والمدونات محل عنايتهم البالغة .
... ولما كان أفراد العلماء أو الوراقون عمومًا في مرحلة ما بعد الرواية يقومون بنسخ الكتب ، وكان من طبيعة هذا العمل أن يقع تصحيف وتحريف فيما نسخوه ، بل قد يجد المغرضون في ذلك فرص الانتحال والتدليس من أجل الإساءة إلى سمعة إمام ، جاءت شروط صارمة ليتم لهم نقل تلك الكتب إلى الأجيال اللاحقة ، دون تصحيف أو تحريف أو انتحال .
الشروط التي وضعت لحفظ الكتب والمدونات وعناية المتأخرين بها
... ما هي أنواع الشروط التي وضعت لحفظ الكتب والمدونات ؟
... إن أهم تلك الشروط التي وضعوها لحماية الكتب من التصحيف والانتحال والتدليس تتمثل فيما يلي:
مقابلة الفروع على أصوله حين يتم النسخ منها .
التوقيع والمصادقة على الفروع بعد مقابلتها على أصولها من طرف محدث مسئوول عن ذلك .
ضرورة إثبات كل واحد منهم أحقيته في نقل الحديث من النسخة التي يملكها ، وذلك عن طريق تسجيل اسمه في"السماعات"و"الطباق" (6) ، التي تثبت عادة على غلاف تلك النسخة ، أو سجل رسمي خاص بأسماء الحاضرين والسامعين في حلقات الحديث والقراءة ، إضافة إلى أساليب أخرى تطورت في مرحلة ما بعد الرواية في سبيل حماية الكتب والمدونات ، وتؤخذ هذه الأمور التاريخية من كتب مصطلح الحديث: طرق التحمل والأداء .
... وبناء على ذلك فإن النسخ التي لا تتوفر فيها تلك الشروط لاتقبل في التحديث ، ولا تكون حيازتها بشراء أو غيره كافية في جواز التعالم معها رواية أو إفادة ، الأمر الذي فرض على طلبة الحديث لقاء الشيوخ لحصول الإجازات منهم في رواية الكتب ، أو لقراءتها عليهم ، وتسجيل أسمائهم في السماعات وطباقها.
... ولذلك نراهم يبذلون جهدهم في جمع أقصى ما يمكن جمعه من الإجازات والقراءات من خلال رحلات مكثفة وموسعة عبر مراكز العلم المنتشرة في الأقطار الإسلامية ، ثم يعكفون في نهاية المطاف على تأليف أسماء شيوخهم وتفاصيل إجازاتهم وأسانيدهم التي تحصّلوا عليها ، وذلك نظرًا لأهمية ما تنطوي عليه من وثائق تاريخية قيمة يجب الإحتفاظ بها ، وصدرت كتب في هذا المجال العلمي تحت عناوين جديدة مطابقة لمحتواها ، مثل:"المشيخات"و"الفهارس"و"الاثبات"و"البرنامج"و"الأجزاء".
... وإذا كان المحدثون يسعون إلى جمع الأحاديث والآثار من شيوخهم ثم يصنفونها في نهاية المطاف على ترتيب أسماء الصحابة ، وهو ما يسمى في اصطلاح المحدثين"مسند"فإن المتأخرين في المرحلة الثانية كانوا يجتهدون في جمع الإجازات والسماعات ثم يقومون بتأليفها على ترتيب أسماء شيوخهم ، أو على ترتيب أسمائ الكتب ، أو على تقديم الأصح فالأصح من الكتب .
(1) رواه مسلم في مقدمة صحيحة 1/87 ، والحاكم في معرفة علوم الحديث ص: 6 .
(2) الترمذي ، العلل الصغير الملحق بآخر سننه 4/388 ،والذهبي، تذكر الحفاظ ، ص: 1054 .
(3) ابن حبان ، المجروحين 1/19 ، والسمعاني أبو سعد ، أدب الإملاء والإستملاء ، ص: 8 .
(4) البدر المنير 1/276 ( تحقيق جمال محمد السيد ، ط: 1 ، دار العاصمة السعودية ) وهذا النصّ قد اتحفني به أخي العزيز عبد الحميد كوفي الجزائري جزاه الله تعالى خير الجزاء .
(5) المصدر السابق 1/389-390 .
(6) تكون السماعات والطابق بمثابة الكشوف التي تسجل فيها أسماء السامعين والحاضرين في حلقات قراءة الكتب التي تتم بشكل منظم عبر أجيال متعاقبة ، ثم حين يملك أحد منهم نسخة فرعية من الأصل المسموع أو المقروء تنقل تلك السماعات فيها بإشراف شيخ مسئول عن ذلك ليكون لصاحبها سند متصل موثوق بينه وبين مؤلف الكتاب .
والله أعلم .