فما شاع عند كثير من المتأخرين وتواطأت عليه كتب المصطلحات الحديثية التي ظهرت في العصور المتأخرة أن الراوي إذا كان ثقة وتفرد برواية شيء ولم يشاركه غيره قبل حديثه اعتمادًا على ثقته ، وأما إذا كان ضعيفًا وتفرّد بشيء ولم يتابع عليه رد حديثه استنادًا على ضعفه وقلة ضبطه .
ويقول الإمام ابن الصلاح: إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذًا مردودًا ، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره ، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره ، فينظر في هذا الراوي ولم يقدح الانفراد فيه ، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده خارمًا له مزحزحًا عن حيز الصحيح .
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال ، فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ،ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ، وإن كان بعيدًا من ذلك رددنا ما انفرد ، وكان من قبيل الشاذ المنكر (1) .
وخلاصته: أن التفرد يقبل من الثقة ، ويرد من الضعيف ، ويستحسن من المتوسط بينهما ، وهذا - كما ترى - مبني على مجرد أحوال الرواة وقبله منه من جاء بعده كأنه حقيقة مسلمة وضابط كلي مطرد يصلح في كل حديث يتفرد به ثقة أو ضعيف أومتوسط .
وحقيقة الأمر أنه لا يصح اعتباره كضابط كلي ، وقاعدة مطردة ، إذا أن التفرد تطرأ عليه حالات مختلفة ،ومتفاوتة في تأثير الحكم عليه كما ينطق بها موقف النقاد تجاهه ، وسيأتي بيانها مفصلة ، ومدعمة بالأدلة المادية ، ومرفوقة بالأمثلة الواضحة .
فمن الواجب علينا أن نقيّم مسألة التفرد ،ونحللها على ضوء الواقع الملموس في عمل الأئمة النقدة ، الذي يعد المصدر الحقيقي لمنهج النقد الحديثي وأصوله ومصطلحاته ، فهو الأمان من الانزلاق والتخبط والانحراف عن الجادة .
... وعند تتبع كلام النقاد والنظر في صنيعهم يتجلى لنا أن ما لخصه ابن الصلاح - رحمه الله تعالى - ينبغي تخصيصه ، فإن مقاييس القبول والرد في مجال التفرد ليست أحوال الرواة المتمثلة في الثقة والضعف فحسب ، بل توافر القرائن الدالة على ذلك ، فمن أفراد الثقات وغرائبهم ما يرد وما يقبل ، ولهذا وضعوا في تعريف الصحيح قيدًا مهمًا ، وهو: الخلو من الشذوذ والعله ، فلو كان القبول لازمًا لأحاديث الثقات لأصبح ذكر هذا القيد لغوًا في التعريف وهو مرفوض لدى المحدثين ، فإنهم اعتبروا سلامة الحديث الذي يرويه الثقات من الشذوذ والعلة عنصرًا هامًا في الصحيح ولمزيد من التوضيح نسوق طائفة من أقوال الأئمة في هذا المجال:
... يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد ، وإن لم يرو الثقات خلافه:"إنه لا يتابع عليه"، ويجعلون ذلك علة فيه اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا ولهم في كل حديث نقد خاص ، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه" (2) "
... أقول: إنه تلخيص نفيس لمنهج المحدثين النقاد فيما يتعلق بتفرد الثقات ، وهو أمر واقعي يلمسه كل من دقق النظر في ذلك المنهج ومارسه حق الممارسة ، فقد أفادنا الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى - أن إطلاق القبول فيما تفرد به الثقات لا يكون مستقيمًا لدى أصحاب الحديث ، وأن الأمر في القبول يكون حسب الأدلة والقرائن التي تتوفر في الحديث ، وهذا أمر جد غامض ولا يطيق على إدراكه إلا الناقد الجهبذ ، ولا يسلم لهم ذلك إلا من مارس طريقتهم وأسلوبهم في البحث والنظر والحكم ، كما سيتضح لنا جليًا - إن شاء الله تعالى - .
... يقول الإمام أحمد - رحمه الله-:"إذا سمعت أصحاب الحديث يقولون: هذا حديث غريب أو فائدة فاعلم أنه خطأ أو دخل حديث في حديث أو خطأ من المحدث أو حديث ليس له إسناد وإن كان قد روى عن شعبة وسفيان . فإذا سمعتهم يقولون: هذا لا شيء فاعلم أنه حديث صحيح". اهـ (3)
... فبين الإمام أحمد ،وهو من أئمة الحديث ونقاده ، أن أئمة الحديث يتتبعون أفراد الرواة وغرائبهم ويحكمون عليها بالحكم المناسب بغض النظر عن صاحبها ، فقد يكون إمامًا أو ثقة من الثقات الكبار كشعبة وسفيان ، لكن يرد حديثهم لقيام القرائن الدالة على وهمهم وخطئهم .
... ومثل هذا ما قاله أبو داود - رحمه الله - إنه لا يحتج بما تفرد به الثقات إذا دلت القرائن على وهمهم ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد ، فقال في معرض الكلام على الأحاديث التي دونها في سننه:
..."والأحاديث التي وضعتها في كتاب السنن أكثرها مشاهير ،وهي عند كل من كتب شيئًا من الحديث ، إلا أن تمييزها لا يقدر عليه كل الناس ، والفخر بها أنها مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث غريب ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم ، ولو احتج رجل بحديث غريب وجت من يطعن فيه ولا يحتج بالحديث الذي قد احتج به إذا كان الحديث غريبًا شاذًا .اهـ (4) "
... فبين رحمه الله أنه لا يحتج بالحديث إذا كان غريبًا شاذًا وهو الحديث الذي يتفرّد بروايته راو من الثقات ،وليس لذلك الحديث راو غيره يشاركه فيه ، وهذا النوع من التفرّد هو الذي اعتبره الحاكم في مدلول الشاذ حين قال:
..."الشاذ غير المعلول ، فإن المعلول ما يوقف على علته أنه دخل حديث في حديث ، أو وهم فيه راو أو أرسله واحد فوصله واهم ، فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة". اهـ (5) .
... يعني بذلك أن الشاذ أدق وأغمض من المعلول ، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس غاية الممارسة وكان في الذروة العليا من الفهم والحفظ الواسع والمعرفة التامة بمراتب الرواة والمملكة القوية من بالأسانيد والمتون ، فيما عبَّر عنه السخاوي (6) ، وأما المعلول فعلته أظهر من الشاذ لكونها تعرف بالمخالفة لما رواه الأوثق أو الجماعة أو لما ثبت واشتهر وهما نوعان من الحديث المردود عند الحاكم .
... ولم يقصد الحاكم بذلك تفرد الثقة على إطلاقه ، بل قصد نوعًا خاصًا منه وينقدح ذلك في نفس الناقد أنه غلط أو دخل حديث في حديث ، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة عليه بحيث يقتنع بها العوام ، لأن مبنى الحكم يكون أحيانًا معرفته الخاصة التي لا يشترك فيها إلا النقاد ، كما يستخلص من سياق كلامه ومن الأمثلة التي ساقها للحديث الشاذ .
... وبذلك يصبح تعريفه للشاذ مقبولًا وخاليًا من مجال الشبهات التي اعترض بها على الحاكم بعض المتأخرين ومن الأدلة الواضحة على أنه لم يرد بالتفرد مطلق التفرد أنه بيَّن الأقسام في نوع الأفراد والغرائب ، وجعل فيها ما هو صحيح متفق عليه وما هو ضعيف ولم يطلق على الأول بالشاذ حتى يتسنى لهم الإستدراك به (7) .
... وبعد هذه النقول التي سقناها من كلام النقاد أصبح واضحًا جليًا أن التفرد ينبغي توضيحه وتفصيله بما تدل عليه طبيعة نقدهم وطريقة حكمهم على الأحاديث تصحيحًا أو تعليلًا .
... وذلك ما سنشير إليه في الفقرات التالية:
(1) مقدمة ابن الصلاح ص 46 ، ( تحقيق الدكتور مصطفى ديب البغا ) .
(2) شرح العلل ص 208 ( تحقيق صبحي السامرائي ، الطبعة الثانية ) .
(3) حكاه الخطيب في كتابه"الكفاية في علم الرواية"ص 172 ( تحقيق الدكتور أحمد عمر هاشم ) وقد فسره شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:"يعني أنهم يستفيدون غرائب الأحاديث كما يستفيد الفقهاء ونحوهم غرائب الأقوال والطرق والوجوه وإن كانت="
= وجوهًا سودًا".ا هـ انظر ص 18 من تلخيص كتاب الاستغاثة المعروف بالرد على البكري."
ويتضح لنا بذلك سر تسمية الحفاظ لكتب الغرائب التي ينتخبونها من الأصول"فوائد"أو"فوائد منتخبة"فلينتبه له الباحثون .
وأما الجملة الأخيرة من قول الإمام أحمد فيعني بها أنه حديث مشهور ،وليس بشيء يستفاد من الأخر لكونه معروفًا ومحفوظًا لدى الحفاظ ، وإنه لا شيء فيه يستحق أن ينظر لكونه صحيحًا وثابتًا والله تعالى أعلم .
(4) رسالة أبي داود إلى أهل مكة ، ص 29 ( تحقيق محمد الصباغ ) .
(5) معرفة علوم الحديث ص 199 .
(6) فتح المغيث 1/232 ( تحقيق الشيخ علي حسن علي - الهند ) .
(7) انظر معرفة علوم الحديث ص 94 ، 96 .