قال السخاوي ( رحمه الله ، ولله دره ) :"وأما من لم يتوقف من المحدثين والفقهاء في تسمية ما يجمع الشروط الثلاثة (وهي العدالة والضبط والاتصال) صحيحًا ، ثم إن ظهر شذوذ أو علة رده ، فشاذ وهو استرواح ، حيث يحكم على الحديث بالصحة قبل الإمعان في الفحص وتتبع طرقه التي يعلم بها الشذوذ والعلة نفيًا وإثباتًا فضلًا عن أحاديث الباب كله التي ربما احتيج إليها في ذلك ، وربما تطرّق إلى التصحيح متمسكًا بذلك من لا يحسن ، فالأحسن سد هذا الباب ، وإن أشعر تعليل ابن الصلاح ظهور الحكم بصحة المتن من إطلاق الإمام المعتمد صحة الإسناد بجواز الحكم قبل التفتيش ، حيث قال:"لأن عدم العلة والقادح هو الأصل الظاهر"فتصريحه بالإشتراط يدفعه ، مع أن قصر الحكم على الإسناد - وإن كان أحق - لا يسلم من الفقهاء" (1) يعني فقهاء المتأخرين بدون شك .
وقال الحافظ ابن حجر ( رحمه الله ) :"صحة الحديث وحسنه ليس تابعًا لحال الراوي فقط ، بل لأمور تنضم إلى ذلك من المتابعات والشواهد وعدم الشذوذ والنكارة" (2) .
ويقول البيهقي ( رحمه الله ) :"وهذا النوع من معرفة صحيح الحديث من سقيمه لا يعرف بعدالة الرواة وجرحهم وإنما يعرف بكثرة السماع ومجالسة أهل العلم بالحديث ومذاكرتهم والنظر في كتبهم والوقوف على روايتهم حتى إذا شذ منها حديث عرفه" (3) .
وقال الحاكم ( رحمه الله ) :"إن الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنما يعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع ، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ليظهر ما يخفى من علة الحديث . فإذا وجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة ( رواة الحديث ثقات ) غير مخرجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علته . (4) "
وقال في صدد بيان العلل:"والحجة عندنا الحفظ والفهم والمعرفة لا غير" (5) وقال أبو حاتم:"وإنما قلناه بعلم ومعرفة قد أوتينا" (6)
ولذلك نقول إن اعتماد الأصل في حال الراوي ، والحكم على حديثه حسب مرتبته إنما ينهض به الناقض الجهبذ ، وأما من الباحث العادي الذي لا يعرف نوعية المرجحات ولا يفهم دلالة الملابسات والقرائن فيعد ذلك خرقًا وتقصيرًا ، بل مجازفة خطيرة .
ولو وقف الذين يتصدون لمهمة التصحيح والتضعيف من المتأخرين والمعاصرين عند هذا الحد - أي: مجرد التصحيح - لكان الخطب سهلًا ، لكنهم يستدلون بما صححوه من الأحاديث للأحكام الفقهية أو العقدية أو السلوكية أو غيرها ،وهذا عمل خطير ؛ إذا يشجع أعداء السنة على تحديها لخلو عملهم في تصحيح الحديث وتضعيفه من المنهجية المنضبطة وفقدانه المصداقية في النقد ، لأنهم يصححونه بمجرد كون راويه ثقة ، وبثبوت لقائه بمن فوقه بشكل عام ، دون أن يلتفتوا إلى مدى ضبط هذا الراوي للحديث الذي رواه ، وإلى ثبوت سماعه له ممن فوقه ، مع كونه من أهم شروط الصحيح .
وبالجملة ، نرجو أن نكون قد سلطنا الضوء على التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين بشكل عام في التصحيح والتضعيف ، وعلى أسباب ذلك التباين ، كما سيظهر أيضًا بمزيد من الوضوح عند الموازنة في القسم الثاني من هذا الكتاب ( إن شاء الله تعالى ) .
إن منهج التصحيح والتعليل القائم على نظر سطحي في ظواهر السند ، ومراتب الرواة في الجرح والتعديل ، وكذا منهج تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد دون النظر في كونها وهمًا أو حقيقة ، مع الاكتفاء في ذلك بأنه لم بكن في الرواة متهم ولا متروك ، نقول: هو منهج متأخر تبلور في مرحلة ما بعد الرواية .
والمنهج الذي يعتمد على القرائن والملابسات في التصحيح والتضعيف بغض النظر عن ظواهر السند اللافتة منهج متقدم تبناه النقاد في مرحلة الرواية ، ولهذا نصطلح هنا ونقول: فمن كان عمله على النوع الأول ( وهو اعتبار ظواهر السند في التصحيح والتضعيف ) فهو على منهج المتأخرين ، حتى وإن كان في عصر الرواية ،ومن كان على النوع الثاني ( وهو اعتماد القرائن في ذلك ) فهو على منهج المتقدمين وإن كان من المعاصرين . وبالتالي فالذي نصل إليه مما سبق هو أن تفريقنا بين المتقدمين والمتأخرين في قسمي علوم الحديث النظري والتطبيقي تفريق منهجي لا زمني ،وإن ذلك ضروري في فهم حقيقة هذا العلم .
ونحن نطمئن القارئ الكريم بأننا لم نجترح جديدًا بمقدار ما حركنا ساكنًا وأنها ليست فكرة وليدة الخواطر والأوهام ، أو مجرد خاطرة علقت في ذهننا ثم جعلناها قاعدة أساسها مثالان أو ثلاثة كما اتهمنا بذلك كله بعض إخواننا المحترمين (سامحهم الله ) بل أساسها ما ورد عن أمثال الحافظ ابن كثير والحافظ ابن حجر والحافظ السخاوي والحافظ العلائي والعلامة ابن دقيق العيد وغيرهم ، ومفاده: إذا اتفق النقاد على تصحيح حديث أو تضعيفه ، أو إذا صححه ناقد منهم أو ضعفه دون اعتراض عليه من ناقد آخر فإن على المتأخرين قبول ذلك .
قال الحافظ ابن حجر:"… فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله ، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه ، وهذا الشافعي مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث" (7) .
وقال السخاوي في نوع"الموضوع": ولذا كان الحكم من المتأخرين عسرًا جدًا ، وللنظر فيه مجال ، بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في علم الحديث والتوسع في حفظه كشعبة والقطان وابن مهدي ونحوهم وأصحابهم مثل أحمد وابن المديني وابن معين وابن راهويه وطائفة ، ثم أصحابهم مثل البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي ، وهكذا إلى زمن الدارقطني والبيهقي ولم يجئ بعدهم مساوٍ لهم ولا مقارب أفاده العلائي ، وقال: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح ا هـ (8) .
وقال الحافظ ابن كثير:"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن فينبغي أن يؤخذ مسلمًا من غير ذكر أسباب ، وذلك للعلم بمعرفتهم ،وإطلاعهم ،واضطلاعهم في هذا الشأن ،واتصفوا بالإنصاف والديانة ،والخبرة والنصح ، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكًا أو كذابًا ،أو نحو ذلك . فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في مواقفهم ، لصدقهم وأمانتهم ونصحهم" (9)
ولذلك فإن عملنا في هذا الصدد لم يكن إلا في إطار بيان أسس هذه الفكرة وتوضيح معالمها ، وبيان العوامل التاريخية التي أدت إلى ذلك التباين المنهجي ،وضرورة احترامنا وتقديرنا لذلك في بحوثنا ودراساتنا . ومع ذلك فقد اعتمدنا في هذا الموضوع على ما وصلنا من كتب المتقدمين والمتأخرين وبحوث المعاصرين بعد أن قمنا بالمقارنة بينها مقارنة علمية دامت ردحًا من الزمان يربو على خمس عشرة سنة . ( ولله الحمد والشكر ) .
هذا وقد كثر التفريق بين المتقدمين والمتأخرين ، بغض النظر عن معاييره وحدوده ، في كتب المتأخرين وعلى ألسنة المعاصرين ،وحتى على ألسنة النافرين المناوئين لهذا المنهج (10) .
وبقي لنا أن نشير في هذه المناسبة إلى أن علماء الحديث في مرحلة ما بعد الرواية قد قاموا بحفظ السنة النبوية ، كما قام به المتقدمون في مرحلة الرواية ، كل ذلك وفق ما تقتضيه مستجدات عصرهم ، وتمليه عليهم أعرافهم العلمية .
ومن المعلوم بديهيًا أن العصور كلما تقدمت فإن أساليب الحياة ،ونظم التعليم ،وطبيعة التكوين العقلي للإنسان ، كل ذلك يشهد تطورًا وتحولًا حسب نوعية العوامل والبواعث المتوافرة . ومع ذلك فإن اللاحقين لم يستغنوا عن تجارب السابقين ، بل يستمدون منها ما يعين على نهوضهم بما تفرضه المتغيرات في جميع مجالات الحياة ، وبالتالي فإن أساليب المواجهة لتحديات العصور لا تظل على نمط واحد ، بل تتطور تلقائيًا وفق مقتضياتها ، كما أن الإنشغالات العلمية تتبدل بقدر خطورتها ، وهذه من سنن الله تعالى في الكون .
وإن كانت البيئة العلمية في مرحلة ما بعد الرواية على غير ما ألفه المتقدمون ، فقد كان من الطبيعي عدم خوض المتأخرين إلا فيما يخدم مصلحة السنة في تلك المرحلة ، ولذا فإن الفرص لا تكاد تكون متاحة في المرحلة الثانية لخوضهم فيما خاضه المتقدمون من نقد المرويات وجرح رواتها وتعديلهم ، كما لا يشكل ذلك أولويات هذه المرحلة ، إذ كانت مستجدات هذه المرحلة تفرض عليهم القيام بما من شأنه حفظ الكتب والدواوين ، ومن ثم فإنهم في هذا المجال العلمي أصبحوا مبدعين ، حتى تمخض عن ذلك منهج علمي رائع في تحقيق التراث ونشر المخطوطات ، وأما في مجال النقد فليس لهم سوى تقليد المتقدمين أو تحقيق نصوصهم وتدقيق آرائهم .
ومن الجدير بالذكر أن الأسانيد التي كانت تعد من الدين في مرحلة الرواية نظرًا لدورها الأساس في حماية السنة من الكذب والأوهام والأخطاء ، صارت في عصر المتأخرين كما وصف ابن الصلاح (رحمه الله ) بقوله:"أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع ما بينما من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في روايتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم وكان عليه من تقدم ، ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود آل آخرًا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلمًا بالغًا عاقلًا غير متظاهر بالفسق والسخف وفي ضبطه لوجود سماعه مثبتًا بخط غير متهم وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي رحمه الله" (11) .
ومن تتبع جهود العلماء المتأخرين في مرحلة ما بعد الرواية ، يجد أن الذي كان يشغلهم فيما يتعلق بالحديث هو بالدرجة الأولى حفظ التراث والمدونات التي تركها أوائلهم في مرحلة الرواية ،وحمايتها من وقوع تصحيف وتحريف وانتحال فيها ، وذلك لكون هذه الكتب هي المعتمدة أساسًا في نقل الأحاديث ، بعد أن صارت الأسانيد المحور الرئيس لتلقي الأحاديث ونقلها وروايتها في مرحلة الرواية .
(1) فتح المغيث1/ 20 ( تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان ، ط: 2 ، سنة 1388، المكتبة السلفية ) .
(2) النكت 1/404 .
(3) معرفة السنن والآثار 1/144.
(4) معرفة علوم الحديث ص: 59-60 ( تحقيق لجنة إحياء التراث العربي ، ط: 4 ، سنة 1400هـ ، دار الأفاق ) .
(5) المصدر السابق ص: 113 .
(6) مقدمة الجرح والتعديل 1/350 .
(7) النكت 2/711 . انظر اختصار علوم الحديث ص: 64 .
(8) فتح المغيث 1/237 ،وتوضيح الأفكار 1/344 ،والنكت 2/604-605 .
(9) اختصار علوم الحديث مع الباعث الحثيث: 79 .
(10) سيأتي شرحًا مفصلًا في المبحث الأول - إن شاء الله تعالى - .
(11) مة ابن الصلاح ص: 120 ( تحقيق نور الدين عتر ، ط 3 سنة 1418هـ .